LOGINظلت صبا تنظر من خلال الزجاج الأمامي. كانت يداها متشابكتين فوق ساقيها، وكأنها تحاول أن ترتب ما سمعته قبل أن تنطقه. قالت أخيرًا: — ماهر يعرف شيئًا عن ليلة الحفل. تغيرت ملامح سليم. — ماذا يعرف؟ التفتت إليه. — قال إن العصير الذي شربته كان يحتوي على منوّم. ساد الصمت. ظل سليم ينظر إليها، وكأنه لم يستوعب الجملة في البداية. ثم قال ببطء: — منوّم؟ أومأت. — قال إنني لم أفقد وعيي بسبب الخمر... لأنني لم أشرب خمرًا أصلًا. خفض سليم نظره للحظات. عادت إليه تفاصيل تلك الليلة. وتذكر دخوله إلى غرفة صبا. كانت مستلقية على السرير، ولم تستجب حين حاول إيقاظها. في ذلك الوقت، لم يفكر في سبب فقدانها للوعي. ظن أنها شربت أكثر مما تستطيع تحمله. لكن كلمات ماهر أعادت كل شيء إلى ذهنه بصورة مختلفة. قال: — إذا كان ما يقوله صحيحًا... توقف. ثم رفع عينيه إليها. — فأنتِ لم تكوني في وعيكِ تلك الليلة. لم تجبه صبا. كانت تعرف ذلك. لكن سماع الحقيقة بصوت سليم جعلها أكثر وضوحًا. قالت بعد لحظة: — هناك شيء آخر. ثبت نظره عليها. — ماذا؟ ترددت قبل أن تجيب. — قال إن الك
تصلبت ملامح صبا. ظلت تنظر إلى ماهر، وكأنها تنتظر أن يضيف شيئًا يوضح معنى كلماته. — ماذا تقصد؟ لم يجبها مباشرة. مال قليلًا إلى الأمام، رغم القيود التي كانت تثبت يديه فوق الطاولة، وقال بصوت خافت: — شخص يعرف أين ستكونين. شعرت صبا بأن أصابعها ازدادت تشبثًا بحافة الطاولة. تابع ماهر: — يعرف تفاصيل الحفل... ويعرف أنكِ ستدخلين إلى غرفتكِ في تلك الليلة. ثم أضاف: — ويعرف زوجك أيضًا. ظلّت صبا صامتة. كانت تحاول أن تجمع كلماته، أن تبحث في ذاكرتها عن شخص يمكن أن تنطبق عليه تلك التفاصيل، لكنها لم تصل إلى اسم واحد. كل من كان حاضرًا في الحفل يعرف بعض الأمور. لكن معرفة مكانها، وتفاصيل غرفتها، وما سيحدث بعد انتهاء الحفل... كانت تعني أن ذلك الشخص لم يكن بعيدًا عنها. قالت بحذر: — من هو؟ ظهرت على وجه ماهر ابتسامة خفيفة. — هذه ليست هدية أستطيع أن أعطيكِ إياها مجانًا. تغيرت ملامح صبا. أعاد ماهر ظهره إلى المقعد، ثم أدار نظره نحو المحقق. — انتهت الهدية. قال المحقق بصرامة: — لم تقل شيئًا يمكن أن نسميه هدية. لكن ماهر لم يرد. ظل ينظر إلى صبا، وكأنه ينتظر أن يرى
داخل غرفة التحقيق، قال المحقق: — أعطنا اسم هذا الشخص. أمال ماهر ظهره إلى المقعد. — ليس بهذه السهولة. تغيرت نبرة المحقق. — أنت متهم بعدة جرائم، وأي معلومة تقدمها ستُراجع. لا يمكنك فرض شروطك. ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه ماهر. — إذن لن أقول شيئًا. ضرب المحقق كفه فوق الطاولة. — ماذا تريد؟ نظر ماهر إلى صبا. — أريد ضمانًا. سألته: — أي ضمان؟ — تخفيف الحكم. عقدت صبا حاجبيها. تابع: — وأريدكِ أن تتنازلي عن الاتهامات التي قدمتها ضدي. — أي اتهامات؟ — اقتحام منزلك. ثم أضاف: — والتعدي على ممتلكات الشركة... والترصد. ساد الصمت. كانت شروطه واضحة. يريد أن يحصل على مقابل قبل أن يكشف الاسم. قال المحقق: — لا يمكننا أن نقدم لك وعدًا كهذا. لكن ماهر لم ينظر إليه. ظل يراقب صبا. — القرار بيدكِ. نظرت صبا إلى الطاولة أمامها. كانت تعرف أن الاسم الذي يخفيه قد يقودهم إلى الشخص الذي ساعده، وربما يفسر جزءًا كبيرًا مما حدث. لكن التنازل عن كل ما فعله لم يكن قرارًا بسيطًا. وخلف الزجاج، قال كرم بغضب: — هذا غير ممكن. التفت إلى سليم. — يريد أن يفلت من كل
خرج المحقق من غرفة التحقيق وأغلق الباب خلفه بهدوء. توقف أمام صبا وسليم وكرم، ثم مرر نظره بينهم قبل أن يقول بجدية: — ماهر يريد التحدث مرة أخرى. انعقد حاجبا سليم فورًا. — ماذا يريد هذه المرة؟ أجاب المحقق: — لم يوضح. كل ما قاله إنه يريد مقابلة صبا تحديدًا. اتجهت نظرة سليم نحو صبا. كانت تجلس إلى جانبه بهدوء، إلا أن الإرهاق الذي تركته المواجهة السابقة ما زال ظاهرًا في عينيها. لم تكن عودتها إلى تلك الغرفة أمرًا سهلًا، لكنها لم تبدُ خائفة أو مترددة. قال سليم بحزم: — لن تعودي إلى هناك. رفعت صبا عينيها إليه. — لماذا؟ أشار سليم إلى باب غرفة التحقيق. — لأنكِ تحدثتِ معه بما يكفي. قال ما يريد، وأخبرتِه بما تعرفينه. لا يوجد سبب لأن تدخلي إليه مرة أخرى. تدخل المحقق: — ربما يريد إضافة شيء مهم يتعلق بالقضية. لكن سليم لم يغيّر موقفه. — إذن يمكنه أن يخبرك أنت. ثم أعاد نظره إلى صبا وقال: — لستِ مضطرة إلى العودة إليه كلما طلب ذلك. ساد صمت قصير. كانت صبا تدرك أن رفضه لم يكن محاولة لفرض رأيه عليها. منذ أن خرجت من الغرفة، لم يبتعد عنها سليم، وكأن وجوده إلى جانبها
ظل الصمت مسيطرًا داخل غرفة التحقيق لعدة ثوانٍ. كان ماهر يجلس في مكانه دون أن ينطق، بينما بقيت صبا واقفة أمامه، وعيناها ثابتتان عليه. لم تكن تعرف إن كانت كلماتها قد أثرت فيه فعلًا، أم أنه كان يخفي رد فعله خلف ذلك الهدوء الغامض. قالت للمرة الأخيرة: "أنت بنيت حياتك كلها على جزء ناقص من الحقيقة يا ماهر." ثم ابتعدت عن الطاولة. لم تنتظر منه ردًا. توجهت نحو الباب، بينما ظل المحقق يراقبها بصمت. وحين أمسكت بالمقبض، جاء صوت ماهر من خلفها: "وما الذي يجعلكِ متأكدة إلى هذا الحد؟" توقفت صبا للحظة. لكنها لم تلتفت إليه. قالت بهدوء: "يمكنك مراجعة القضية بنفسك " ثم فتحت الباب وغادرت. أُغلق الباب خلفها بهدوء. في الخارج، كان الممر أكثر اتساعًا وإضاءة من غرفة التحقيق، لكن صبا احتاجت إلى لحظات حتى تعتاد عيناها على الضوء. وقفت قرب الحائط، وأخذت نفسًا بطيئًا. لم تكن خائفة. لكن الحديث عن تلك السنوات أعاد إليها شعورًا قديمًا حاولت طويلًا تجاهله. --- على الجهة المقابلة من الممر، كان سليم وكرم يقفان خلف الزجاج الفاصل بين غرفة التحقيق وغرفة المراقبة. كانا قد استمعا إلى ا
تغير وجه ماهر. قال: — كيف تعرف؟ أجاب المحقق: — لأن التقرير الكامل يتضمن تفاصيل مراجعة السجلات، والاشتباه في ياسر، واختفاءه بعد ذلك. توقف قليلًا. — وهذه الصفحات لم تكن موجودة في التقرير الذي وصل إليك. ساد الصمت. بدأت الصورة تتغير داخل عقل ماهر. لم يكن الملف الذي قرأه كاذبًا بالكامل. لكنه لم يكن الحقيقة كاملة أيضًا. أعطي له الجزء الذي يثبت أن والده اتُّهم. وأُخفي عنه كل ما حدث بعد ذلك. قال ماهر ببطء: — شخص ما أعطاني التقرير... ثم سكت. سأل المحقق: — هل تعرف من هو؟ هز ماهر رأسه. — لا. — وصل إليّ من دون اسم. — واعتقدت أن الشخص الذي أرسله يريد أن أعرف الحقيقة. توقف. ثم أضاف: — لم أفكر يومًا أن جزءًا من الملف قد يكون مفقودًا. نظرت إليه صبا. وقالت: — لأن التقرير أخبرك بما كنت مستعدًا لتصديقه. رفع عينيه إليها. تابعت: — والدك اتُّهم. — مات في السجن. — وعائلتك انهارت. — ثم وجدت تقريرًا يضع بداية القضية أمامك. توقفت. — فظننت أنك تعرف القصة كاملة. قال ماهر: — كنت أظن أنكم أخفيتم الحقيقة. أجابته صبا: — الحقيقة كانت موجودة. — لكن شخصًا ما اختار أن يعطيك جزءًا
وقف سليم أمام مكتب صبا للحظات بصمت.كانت عيناها ثابتتين عليه دون أي ارتباك.هو من بدأ الحديث هذه المرة.قال بصوت منخفض: "وجدت أوراق الطلاق."لم ترد صبا.تابع: "لماذا لم تعودي إلى المنزل؟"صمتت مجدداً.أضاف بنبرة أكثر حدة: "وأين كنتِ؟"استغربت صبا من أسئلته.لم تعتد منه هذا النوع من الاهتمام.نظرت إ
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
تأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع.قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً."ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت."أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل."أغلقت حاسوبها أخيراً.ودّعته عند باب الشركة.
خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة.التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي."رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط."عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة."ابتسمت بخفة: "الطبيب قال ر







