LOGIN«انتقلت الأخبار بهذه السرعة؟ كنت أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتًا أطول.» قالها بهدوء، ثم تجاوزها متجهًا إلى غرفة الجلوس، وجلس على الأريكة مستندًا إلى ظهرها. تبعته صبا، ولم تستطع إخفاء اضطرابها وهي تقول: «سليم، كيف استطعت أن تفعل بها هذا؟» رفع عينيه إليها، وقد بدا الاستغراب واضحًا في نظرته. «هل تتعاطفين معها بعد كل ما فعلته بك ؟» جلست صبا في المقعد المقابل له، وأجابته على الفور: «بالطبع لا، سليم. لكن ما حدث أمر خطير، وأنت تعرف ذلك.» أراح سليم رأسه إلى حافة الأريكة، وأغمض عينيه لثوانٍ، كأنه يحاول التخلص من شيء من إرهاق يومه، ثم فتحهما ونظر إليها. «أعلم يا صبا، لكنني أعرف ما أفعله.» لم يبدُ عليها أنها اطمأنت إلى جوابه. شبكت أصابعها فوق حجرها، ثم سألت بصوت أكثر قلقًا: «وماذا لو أخبرت الشرطة أنك أنت من فعل ذلك؟» لم يتغير هدوء ملامحه. «بالطبع ستفعل.» توقفت صبا عند إجابته المباشرة، فتابع سليم: «لكن ذلك لن يغيّر شيئًا. لن يصدقها أحد لمجرد أنها اتهمتني.» صمتت صبا، ولم تجد ما تقوله. كانت تعرف أن سلمى ارتكبت ما يستحق المحاسبة، ولم تكن تشعر بأي رغبة في الدفاع عنها، لكن ف
في مكتب آسر الراشد كان آسر يجلس خلف مكتبه، قبالة المدير السابق للفرع، الذي جاء لتسليمه الملفات المتعلقة بالموظفين قبل مغادرته منصبه. أغلق آسر أحد الملفات أمامه، ثم قال بأدب: «مبارك عليك الترقية، سيد عمر.» ابتسم عمر ابتسامة امتنان، وأجابه: «شكرًا لك، سيد آسر.» ثم تناول ملفًا آخر من فوق المكتب، ومدّه إليه قائلًا: «هذا الملف يتضمن معلومات الموظفين، إلى جانب قائمة بأسماء أصحاب الخبرة الذين يعملون في الفرع. أعتقد أنه سيساعدك على تكوين صورة واضحة عن فريق العمل.» أخذه آسر وفتحه، ثم بدأ يتصفح محتوياته باهتمام. كانت عيناه تنتقلان بين الأسماء والبيانات، حتى توقفتا فجأة عند صورة مألوفة. تأملها لثوانٍ، قبل أن يتمتم بصوت خافت: «إذًا، اسمها ندى...» لكن عمر سمعه، فابتسم وهو يتابع نظره إلى الملف. «يبدو أنك بدأت تميّز أصحاب الخبرة لدينا، سيد آسر.» رفع آسر عينيه إليه، وقد ارتسمت على ملامحه لمحة من الاستغراب. «ومن هي؟» أشار عمر إلى الصورة التي توقفت عندها عيناه، ثم قال: «ندى. لم تنضم إلى الفرع إلا مؤخرًا، لكن عملها متقن واحترافي للغاية. لفتت انتباهي منذ الأيام الأولى، و
في مكتبها، جلست صبا أمام حاسوبها، تحاول العودة إلى أعمالها، لكن تركيزها كان يتبدد كلما عادت ذاكرتها إلى ما حدث قبل ساعات. لم تكن تشعر بالشفقة على سلمى، ولم تنسَ ما فعلته بها، ولا الأذى الذي تسببت فيه لها ولمن حولها. لكن ما رأته في الغرفة لم يكن أمرًا تستطيع تجاوزه بسهولة. تذكرت سلمى وهي تحاول الابتعاد عن قادر، ثم الطريقة التي فقدت بها وعيها بعد الحقنة الثانية. وتذكرت سليم، جالسًا أمامها ببرود، كأن ما يحدث لا يتجاوز أمرًا عاديًا. وضعت صبا القلم من يدها، وأسندت ظهرها إلى المقعد. ماذا ينوي أن يفعل بها؟ حاولت إقناع نفسها بأن سليم يعرف ما يفعله، وأنه لم يكن ليتصرف بهذه الثقة لو لم يكن قد فكر في خطواته جيدًا. لكن فكرة أخرى تسللت إلى ذهنها، ولم تستطع إيقافها. هل الأمر خطير إلى هذه الدرجة؟ هل يمكن أن يؤذيها أكثر؟ أغمضت عينيها للحظة، محاولة السيطرة على أفكارها السلبية. لم تكن تريد أن تتخيل الأسوأ، ولا أن تحكم على سليم قبل أن تعرف الحقيقة. ومع ذلك، لم تستطع تجاهل ما رأته بعينيها. كان سليم هو الرجل الذي بدأ يقلق عليها، والذي بات يقترب منها بطرق لم تعد قادرة على تجاهلها. كان
يتناول كوب قهوته، ثم استدار متجهًا نحو المخرج المؤدي إلى المكاتب. لم ينظر إليها، ولم يقل شيئًا، بل تابع طريقه بهدوء تام. راقبته ندى بطرف عينها حتى اختفى، ثم أعادت نظرها إلى زميلتها. «هل... هل كان هنا منذ وقت طويل؟» رفعت زميلتها كتفيها. «لا أعرف. هل سمعتا؟» «لا، لا اضن ذلك» حاولت ندى إقناع نفسها بأنه لم يسمع حديثهما. ربما وصل لتوه، وربما كان منشغلًا بطلب قهوته، وربما لم ينتبه أصلًا إلى وجودهما. لكن كل احتمال كانت تتمسك به لم يصمد طويلًا أمام صورة آسر وهو يقف خلفها. أما آسر، فقد سمع كلماتها بوضوح. لم يتوقف، ولم يلتفت، لكنه خرج من الكافتيريا بانطباع مختلف تمامًا عن الموظفة التي التقاها سابقًا. كان يظن أن سوء التفاهم بينهما مجرد موقف عابر، أما الآن فقد بدا له أنها أصدرت حكمها عليه مسبقًا، ثم راحت تتحدث عنه من وراء ظهره. ولم يكن ذلك انطباعًا أعجبه. --- بعد مدة قصيرة، ظهر إشعار على شاشة حاسوب ندى يفيد بأن اجتماعًا سيُعقد بعد عشر دقائق لمناقشة آلية العمل الجديدة. أغلقت الملفات التي كانت تعمل عليها، وجمعت أوراقها، ثم توجهت إلى قاعة الاجتماعات. وما إن دخلت حتى وقع
جلست صبا إلى جوار سليم في السيارة، وعيناها معلقتان بالطريق الممتد أمامهما، لكن ذهنها ظل عالقًا في الغرفة التي غادراها قبل قليل. لم تستطع نسيان صورة سلمى وهي جالسة على الأرض، ولا الطريقة التي تعامل بها سليم مع الأمر، وكأن فقدانها الوعي أمامه لم يكن شيئًا يستدعي القلق. التفتت إليه أخيرًا. «سليم.» كان ينظر إلى الطريق، فأجابها بهدوء: «نعم؟» ترددت للحظة، ثم سألت: «ماذا ستفعل بسلمى؟» لم يجبها مباشرة، فتابعت، وقد ازداد القلق في صوتها: «ولماذا احتجزتها في ذلك المكان أصلًا؟ وما الذي وضعه قادر في الإبرة؟» ألقى سليم نظرة سريعة نحوها، ثم أعاد عينيه إلى الطريق. «ستعرفين كل شيء غدًا.» قطبت صبا حاجبيها. «غدًا؟ سليم، أنا أسألك الآن.» «وسمعتكِ.» «إذًا أجبني.» ظل هادئًا، الأمر الذي زاد ضيقها أكثر من لو أنه جادلها. كانت تحاول فهم ما يجري، بينما بدا هو وكأنه لا يرى ضرورة لإخبارها بشيء في الوقت الحالي. عادت تسأله: «هل الأمر خطير إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تستطيع أن تخبرني بما يحدث؟» عندها التفت إليها، ورفع إصبعه إلى شفتيها، واضعًا حدًا لأسئلتها المتلاحقة. «صبا، كفاكِ فضولًا. لن أخبركِ ا
لم تعرف كم مضى من الوقت قبل أن يعود إليها الوعي. كان أول ما وصل إلى سمعها صوت طرق متواصل على الباب. فتحت سلمى عينيها بصعوبة، ثم أغمضتهما مرة أخرى، وهي تحاول التخلص من الصداع الذي أثقل رأسها. «افتحوا الباب!» جاء الصوت من الخارج أكثر وضوحًا. عبست سلمى، وحاولت الاعتدال في فراشها. فراشها؟ فتحت عينيها فجأة. كانت في غرفة نومها. نظرت حولها بسرعة، ثم رفعت يدها إلى عنقها، تتحسس الموضع الذي غُرست فيه الإبرة. لم تكن في الغرفة التي رأت فيها سليم، ولم يكن هناك أحد بجانبها. كيف عادت إلى شقتها؟ جلست على حافة السرير، تحاول ترتيب أفكارها، لكن رأسها كان لا يزال ثقيلًا، وذكرياتها متقطعة. ثم بدأت الصور تعود إليها. سليم جالس على الكرسي. صوته البارد وهو يطلب منها الاعتذار لصبا. سؤالها له إن كان لا يزال يحبها. ثم الإبرة الثانية، قبل أن يغرق كل شيء في الظلام. اتسعت عيناها. نهضت بسرعة، وكادت تتعثر وهي تتجه نحو باب الغرفة. لكنها توقفت قبل أن تصل إليه. كان هناك شيء غريب. نظرت إلى الأرض، ثم إلى الطاولة القريبة من السرير. قوارير صغيرة متناثرة. أكياس وأغراض لم تتذكر أنها وضعتها هنا. اقتربت ب
بعد تناول الغداء، عادت صبا إلى العمل مع كرم.كان الصمت بينهما مريحاً هذه المرة.جلست خلف مكتبها وبدأت تكمل ما تبقى من مهام اليوم.لم تسمح لأفكارها أن تشتتها.ركزت على الملفات أمامها بدقة.مرّ الوقت سريعاً دون أن تشعر.انتهى الدوام أخيراً.أغلقت حاسوبها بسرعة.حملت حقيبتها وخرجت مسرعة من الشركة.طوا
تأخرت صبا في العمل ذلك اليوم أكثر من المعتاد.كانت تجلس مع كرم في قاعة الاجتماعات يناقشان تفاصيل دقيقة في المشروع.قال كرم وهو ينظر إلى الساعة: "لقد تجاوزنا التاسعة مساءً."ابتسمت صبا بإرهاق: "لم أشعر بالوقت."أجابها: "هذا لأنكِ تندمجين تماماً في العمل."أغلقت حاسوبها أخيراً.ودّعته عند باب الشركة.
خرجت صبا من المستشفى برفقة كرم بعد الاطمئنان على إصابتها.كان المساء قد بدأ يرخي ستاره على المدينة.التفت إليها كرم بنبرة جادة قائلاً: "يجب أن تعودي إلى المنزل وترتاحي."رفعت صبا يدها المصابة قليلاً وقالت: "إنها مجرد التواء بسيط."عقد حاجبيه قائلاً: "الطبيب أوصى بالراحة."ابتسمت بخفة: "الطبيب قال ر
عادت صبا إلى المنزل في وقت متأخر من المساء. فتحت الباب بهدوء ودخلت إلى الداخل. لاحظت أن المنزل كان ساكناً تماماً. لم تجد أي أثر لوجود سليم. لم تشعر بالدهشة هذه المرة. اعتادت غيابه المستمر في الفترة الأخيرة. توجهت مباشرة إلى غرفة النوم. جلست على حافة السرير تفكر بهدوء. كانت تعلم أنها يجب أن







