LOGINرمقه كرم بنظرة تحذيرية، ثم حاول تغيير الموضوع، إلا أن سليم كان قد فقد اهتمامه بالحديث الدائر حوله. اتجهت عيناه مجددًا نحو مكتب صبا. كانت فكرة أن يجلس زين معها، ويتحدث إليها بتلك الألفة التي لا يعرفها، كافية لإشعال شيء لم يكن مستعدًا للاعتراف به. راودته رغبة مفاجئة في التوجه إلى مكتبها، وفتح الباب، وإنهاء ذلك اللقاء بأي حجة تخطر له. لكنه بقي مكانه. أدرك أن دخوله الآن لن يكون سوى تصرف متسرع لا يستطيع تبريره، خصوصًا أمام كرم ورامي. أخذ نفسًا عميقًا، ثم مرر يده على ذقنه محاولًا استعادة هدوئه. غير أن سؤالًا واحدًا ظل يتردد في رأسه بإلحاح: هل زين لا يزال يحبها؟ وللمرة الأولى منذ بدأ يشعر بأنه يستعيد مكانه في قلب صبا، وجد نفسه مضطرًا إلى التفكير في رجل آخر قد يرغب في احتلال ذلك المكان ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ وقفت ندى أمام مكتب آسر، تحاول التحكم في ملامحها قبل أن تطرق الباب. لم تكن تريد أن يظهر عليها أي ارتباك، خصوصًا بعد ما حدث في الحفل، ولا أن تمنحه فرصة لقراءة أفكارها. سمعت صوته من الداخل يدعوها إلى الدخول، ففتحت الباب ودخلت بخطوات هادئة. «طلبتني، سيد آسر؟» رفع آسر عينيه
«دعني أعرّفكما إلى بعضكما.» ثم التفت إلى زين وقال: «هذا سليم الراشد، مالك إحدى أكبر شركات السيارات في البلاد، وأحد أكبر المستثمرين في هذا المشروع.» مد زين يده باحترام. «تشرفت بمعرفتك، سيد سليم.» صافحه سليم بثبات، وأجابه بابتسامة مقتضبة: «وأنا كذلك. أتمنى أن تكون إضافة مميزة للفريق.» «سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنكم.» ابتسم كرم برضا، ثم أضاف: «وأنا واثق من ذلك. موهبته هي ما جعلتنا نحرص على انضمامه إلينا.» أومأ سليم موافقًا. «هذا ما نحتاج إليه. أتمنى لك التوفيق معنا.» «شكرًا لك.» ساد حديث قصير عن المشروع وطبيعة العمل، قبل أن يلتفت زين إلى كرم ويسأله بعفوية: «بالمناسبة، أين مكتب صبا؟» أشار كرم إلى الجهة المقابلة من الممر. «هناك، المكتب الموجود في نهاية الرواق.» ابتسم زين ابتسامة اتسعت معها ملامحه، ثم قال: «شكرًا لك.» وانطلق في الاتجاه الذي أشار إليه كرم، بخطوات مريحة وابتسامة لم تفارق وجهه. تابعه سليم بعينيه للحظة، ولم يثر الأمر انتباهه في البداية؛ فقد ظن أن زين يريد العودة إلى صبا لمناقشة بعض تفاصيل العمل، خصوصًا أنها قائدة الفريق الذي سينضم
ظل سليم قريبًا منها، وكأنه لم يكن مستعدًا لإنهاء تلك اللحظة بعد. لكن صبا، التي بدأت تستعيد وعيها بما يحدث حولها، انتفضت قليلًا وابتعدت عنه، ثم رفعت عينيها إليه محاولة إخفاء ارتباكها. «سليم... نحن في العمل.» تراجع سليم خطوة، ونظر إليها بابتسامة هادئة، وكأن تذكيرها له بالمكان لم يزعجه على الإطلاق. «حسنًا، لنكمل في بيتنا إذن.» احمرّ وجه صبا، واتسعت عيناها قليلًا قبل أن تقول باعتراض خجول: «سليم، لقد أصبحت جريئًا جدًا!» ضحك بخفة، بينما اتجهت هي إلى مكتبها وجلست خلفه، منشغلة بترتيب بعض الأوراق التي لم تكن بحاجة إلى ترتيبها في الحقيقة. لم يتركها سليم تهرب من نظراته، بل سحب المقعد المقابل وجلس عليه، ثم قال بنبرة هادئة: «أنا لست جريئًا، هذا أمر طبيعي يا حبيبتي.» توقفت يد صبا فوق الأوراق، ورفعت عينيها إليه للحظة، قبل أن تخفضهما مجددًا. كانت كلمة «حبيبتي» وحدها كافية لتربكها، خصوصًا حين ينطقها بتلك السهولة التي لم تعتدها منه. مال سليم بجسده نحوها قليلًا، وأبقى عينيه معلقتين بوجهها. «حتى أنتِ يعجبكِ الأمر، أليس كذلك؟» تراجعت صبا بجسدها إلى الخلف، محاولة أن تبدو غير مبالية،
وأضافت «زين! يبدو أنك لم تتغير كثيرًا. لطالما كنت صريح » ابتسم زين، ولم يحاول أن يضيف شيئًا آخر، بل اكتفى بنظرة ودودة إليها. «ربما تغيرت أشياء كثيرة، لكن بعض الذكريات تبقى كما هي.» تدخل كرم وهو ينهض من مقعده، مبتسمًا: «حسنًا، أعتقد أننا أخذنا ما يكفي من الوقت في استعادة ذكريات الطفولة. والآن، لنذهب لأريك مكتبك.» نهض زين، ثم التفت إلى صبا قائلًا: «سأراكِ لاحقًا.» أومأت له بابتسامة. «بالتوفيق في يومك الأول.» خرج زين برفقة كرم، وتبعهما رامي بعد أن جمع أغراضه، بينما بقي هاتف صبا على مكتبها، بعيدًا عن متناولها، دون أن تنتبه إلى المكالمات والرسائل التي وصلت إليه. --- وصل سليم إلى الشركة بعد وقت قصير، واتجه مباشرة إلى مكتب صبا. طرق الباب مرة، وانتظر، لكن لم يأته أي رد. أخرج هاتفه واتصل بها مجددًا، ثم اقترب من الباب حين سمع رنين هاتفها من الداخل. فتح الباب ودخل. كان المكتب خاليًا، وهاتفها موضوعًا فوق سطح المكتب، يهتز مع استمرار المكالمة. توقف سليم في مكانه، ونظر حوله بقلق متزايد. «أين ذهبت؟» أنهى الاتصال، وألقى نظرة أخرى على المكتب، وفي تلك اللحظة، ل
كان سليم جالسًا خلف مكتبه، يتفحص بعض المستندات التي تراكمت أمامه، لكنه لم يستطع التركيز طويلًا. التقط هاتفه، وفتح محادثته مع صبا، ثم أرسل إليها رسالة قصيرة: «صباح الخير، كيف يسير يومكِ؟» انتظر قليلًا، لكنه لم يتلقَّ ردًا. رفع الهاتف مجددًا واتصل بها، إلا أن المكالمة استمرت دون إجابة. قطّب حاجبيه، وأعاد الاتصال مرة أخرى، ثم أرسل رسالة ثانية، قبل أن يضع الهاتف أمامه ويحاول العودة إلى عمله. مرّت دقائق أخرى، ولم يصل منهما أي رد. لم يكن الأمر يستدعي كل هذا القلق، أو هكذا حاول إقناع نفسه، لكن فكرة أنها لا تجيب عن اتصالاته جعلته عاجزًا عن الاستقرار في مكانه. أغلق الملف أمامه، ونهض من مقعده، ثم تناول مفاتيح سيارته وغادر مكتبه بخطوات سريعة. --- في تلك الأثناء، كانت صبا لا تزال في غرفة الاجتماعات برفقة كرم وزين، بعد أن انضم إليهم رامي. دخل الأخير وهو يحمل جهازه اللوحي، فأشار إليه كرم بالاقتراب. «رامي، أريد أن أعرّفك إلى زين النجّار، الموظف الجديد الذي حدثتك عنه.» مد رامي يده مصافحًا إياه. «أهلًا بك، سعيد بانضمامك إلينا.» صافحه زين بابتسامة ودودة. «الشرف لي.» ثم أ
استيقظت ندى في صباح اليوم التالي، وما إن فتحت عينيها حتى عادت إليها تفاصيل الليلة الماضية، وكأنها لم تغادرها بعد. تذكرت وقوفها أمام آسر، واقترابه منها، وهمسه بأن ياسمين لا تزال تراقبهما. ثم تذكرت كيف حاولت الالتفات في اللحظة نفسها التي مال فيها برأسه، لتلتقي شفتاهما على نحو لم يكن أيٌّ منهما يتوقعه. ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها دون أن تشعر، واتسعت قليلًا كلما استعادت تلك اللحظة، خصوصًا قربه المفاجئ وارتباكهما حين ابتعدا. لكنها سرعان ما انتبهت إلى ابتسامتها، فاعتدلت في جلستها ومسحت وجهها بكفها، وكأنها تحاول إبعاد تلك الأفكار. «ما الذي يحدث لكِ يا ندى؟» تمتمت لنفسها بضيق، ثم أزاحت الغطاء ونهضت. كانت مجرد صدفة، لا أكثر. لم يكن هناك ما يستدعي أن تشغل تفكيرها بها طوال الوقت، ولن تسمح للحظة عابرة بأن تؤثر في تعاملها مع آسر. لقد اتفقت معه منذ البداية على أن تبقى علاقتهما مهنية، ولم يكن لديها أي نية للتراجع عن ذلك. --- وصلت ندى إلى الشركة في موعدها، وبدأت يومها بمراجعة الملفات التي تنتظرها. وبينما كانت تقلب بعض الأوراق، تذكرت ملفًا يحتاج إلى توقيع آسر قبل إرساله إلى الإدارة. توقفت
دخل سليم الغرفة بهدوء وهو يخلع سترته. لمح صبا جالسة على طرف السرير غارقة في أفكارها. لم تلاحظ دخوله في البداية. اتجه نحو الخزانة ليأخذ ملابس النوم. كان يتحرك بهدوء كعادته. شعرت صبا أن هذه فرصتها أخيراً. أخذت نفساً عميقاً محاولة جمع شجاعتها. قالت بصوت هادئ: "سليم… أريد التحدث معك." توقف عن ا
انتهى الاجتماع بعد نقاش طويل حول تفاصيل المشروع وخططه المستقبلية.جمع كرم ملفاته وهو يبدو راضياً عن مجريات اللقاء.وقف مساعده أولاً معتذراً وقال إنه سيتكفل بدفع الفاتورة.خرج المساعد من الغرفة تاركاً صبا وكرم وحدهما.ساد صمت خفيف لبضع ثوانٍ بينهما.ابتسم كرم بخجل بسيط وقال: "يبدو أننا بدأنا اللقاء
عاد سليم وصبا إلى المنزل في صمت شبه كامل.كان الطريق بينهما هادئاً، لا يقطعه سوى صوت السيارة.ما إن وصلا حتى دخل سليم مباشرة إلى الغرفة.التقط ملابسه واتجه إلى الحمام دون أن ينطق بكلمة.وقفت صبا للحظات تراقب الباب المغلق ثم توجهت إلى غرفة المعيشة.فتحت حاسوبها المحمول وجلست تراجع بعض الملفات المتبق
جلست صبا في مكتبها تحاول التركيز على الملفات أمامها، لكن عقلها كان مزدحماً بالأفكار.كانت تقرأ الأرقام والتقارير دون أن تستوعبها فعلياً.فجأة، قطع رنين هاتفها الصمت داخل المكتب.نظرت إلى الشاشة لتجد اسم نسرين يظهر أمامها.شعرت بتردد قبل أن ترد، لكنها أجابت في النهاية.قالت نسرين بصوت دافئ: "صبا حبي







