INICIAR SESIÓNالفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمون
عاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب: — أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك: — ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده. قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً: — ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟ — أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل. اتسعت عينا أمين واستنكر: — ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟ — العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم! — هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟ — معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك! أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر: — لم أقل ذلك أبداً! ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها: — على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك. اندفع أمين نحوها وقال بارتباك: — ما هذا الكلام يا أمي؟ يمين طلاق أنكِ... قاطعته محذرة بصوت هز أرجاء الممر: — اخرس! إياك أن أسمعك تنطق بهذه الكلمة مرة أخرى! — يا أمي والله فهمتما الأمر خطأ! تنفسَت أمين بقسوة وقالت: — لا يا بني، أنت معك الحق في منطقك، لكن عليك أن تدرك أن لديك خمسة أطفال، ولا توجد امرأة مهما بلغت قدرتها تستطيع القيام برعاية خمسة أطفال بمفردها! واعلم أيضاً أن مديحة لا ذنب لها؛ أنا التي فرضتُ نفسي عليها وأتحكم بأمورها، وهي صمتت وتحملت كي لا تغضبني أو نختلف. تعلثم أمين وقال: — يا أمي كل ما قلته... — كل ما قلته كان لأن مديحة تفرغت لك، وأنت بالطبع لا تريد ذلك! ونفسي أن أعرف لِمَ لا تريد زوجتك متفرغة لك؟ التقى بصر أمين بزوجته مديحة الواقفة في الصمت وقال: — ما هذا الكلام يا أمي؟ مديحة لا تقول هذا! — مديحة لا تقول لأنها عاقلة ولا تريد خراب بيتها، أما أنت فلا تعرف قيمتها! قال أمين محاولاً امتصاص غضبها: — ما بالكِ قاسية عليّ هكذا اليوم يا أمي؟ ردت بجفاء: — لا قاسية ولا لينة.. لن أتدخل لك في شيء بعد اليوم، أنت حر في حياتك. — أرجوكِ لا تقولي هذا. — انتهى الأمر يا أمين. في هذه اللحظة، اقتربت الصغيرة "جودي" وابلة الدموع في عينيها وقالت: — أين جدتي؟ أريد جدتي! ضمّتها مديحة إليها وقالت بأسى: — ستأتي يا حبيبتي، لا تقلقي. همست مديحة لحماتها: — أرجوكِ يا أمي، لا نتحدث في هذه الأمور أمام الصغار. وافقتها الجدة بأسف: — معكِ حق يا مديحة.. الأطفال يفهمون كل شيء. نفث أمين زفيره وقال بقلة حيلة: — والله لا أفهم ما الذي يحدث بالضبط! ردت أمه وهي تتجه لنهاية الصالة: — غداً تفهم يا بني.. وتندم! ترك الجميع طعام الغداء دون أن تمتد إليه يد. نقلت مديحة الأواني إلى المطبخ وغسلتها ببطء، متعمدة التلكؤ حتى لا تدخل الغرفة وتحتكّ بأمين. وحين أنهت أعمالها المنزلية المتأخرة، لم تتجه لغرفة نومها، بل ذهبت لتنام في الفراش المخصص لوالدتها بجوار حماتها. فتحت الحماة عينيها وسألتها بهمس: — لِمَ لا تنامين بجوار زوجكِ يا مديحة؟ تأوهت مديحة وقالت بألم دفين: — أشعر وكأن شوكاً يفرش الفراش حين أنام بجانبه يا أمي.. دعيني بجواركِ أفضل. ـ يا فتاتِي لا تكوني طيشاً! أهذا ما اتفقنا عليه أنا وأمكِ؟ ردت مديحة بنبرة مشحونة بالقهر: — والله يا أمي لستُ مقصرة معه في شيء.. هو من يرى أن المرأة لا تكون امرأة إلا إذا كانت خادمة! تنهدت الحماة وقالت: — كفي عن هذا الطيش.. هو معه بعض الحق لكن لا ذنب لكِ، الذنب ذنبي أنا. امسكت مديحة يد حماتها وقالت بتوسل: — لا تقولي هذا يا أمي.. أرجوكِ لا تتركيني أنتِ أيضاً! — لا، يجب أن أترككِ.. أترككِ قليلاً كي تتعدل الأحوال بينكِ وبين زوجكِ. قالت مديحة بمرارة وعينان تلمعان بالدموع: — لا والله يا أمي، لا أريده أصلاً! هو يتعلل بأي شيء ليبتعد عني.. أمين كرهني خلاص! ـ يا هابلة! لا يوجد رجل يكره أم أولاده! استندت مديحة على مرفقها وقالت بحرقة: — ها قد قلتِها بنفسكِ! لأجل أولاده ليس لأجلي أنا! وأنا أيضاً أعيش لأجل أولادي ولم أعد أريده! — لا أريد سماع هذا اللغو مرة أخرى. ارتمت مديحة على الوسادة وقالت والحرقة تخنق صوتها: — ليس لغواً يا أمي.. فعلتُ كل شيء لأرضيه وأعيده إليّ لكنه لا يريد! أنتِ لا تشعرين بي.. أكون أمامه مساحيق التجميل على وجهي وثوبي أبهى ما يكون، فيمر بجواري وكأنني هواء! لا ينظر إليّ حتى كأنثى! طأطأت الحماة رأسها وقالت بأسى الخبرة: — يا ابنتي.. أي رجل حين يشعر أنه ضمن وجود زوجته في قبضة يده لا تعود تفرق معه، فهي ملكه.. فما الذي يشغله بها؟ ردت مديحة بنبرة قاطعة: — وأنا من الآن فصاعداً لستُ معه! قامت الحماة وجلست على طرف الفراش وقالت بجدية: — وبعد مع هذا الخبل؟ سأستيقظ في الصباح وأرحل أنا أيضاً.. ولتُشعلي بيتكِ بيدكِ إن أردتِ يا مديحة! أنتِ حرة، لن أتدخل بينكما مجدداً. توسلت إليها مديحة وهي تمسك بثوبها: — بحق أغلى ما لديكِ لا تتركيني! — يا ابنتي هل سأموت؟ — بعد الشر عليكِ. ضحكت الحماة بخفتها المعتادة: — لن أموت الآن، وأنتِ تعرفين أين تجدينني! — يعني مصممة على الرحيل؟ — دعيني أذهب لأطمئن على أمكِ.. الله أعلم كيف يعاملها أخوكِ المنكوب أو كيف يحرق دمها! ابتسمت مديحة بمرارة: — وأنتِ تذهبين لزوجة نعمان لكي تحرق دمكِ أنتِ الأخرى! ردت الحماة بحنين: — أولاده أوحشوني، وبيتي أوحشني.. وتلاقين أمكِ استغلت كلام أمين حجة لتذهب لعبد الفتاح لأنها اشتاقت إليه. — نعم والله، روحها فيه وفي أولاده رغم أنه قليل الأصل ولانت هيبته وهانت عليه أمه كل هذه السنين دون أن يسأل عنها! — ربما السنين التي مضت غيرته يا ابنتي. — يا ليت! هل تعتقدين أنني مسرورة لأن أخي الوحيد لم يدخل بيت أخته منذ سنوات؟ — ربنا يهدي يا ابنتي.. تنهدت مديحة وقالت بصوت خفيض: — ونعمان أيضاً أخي، تربينا جميعاً معاً.. وربما لهذا السبب يشعر أمين أنني أخته! قهقهت الحماة بصوت مكتوم: — وحياة أمكِ؟ وأنجب منكِ خمسة أطفال وأنتِ مثل أخته؟ شاركتها مديحة الضحكة الباهتة وقالت: — والله منذ فترة طويلة لم يعد يشعرني حتى أنني أخته! نفسي أن أعرف ماذا فعلتُ لكل هذا؟ أربدت ملامح الحماة وقالت بأسلوب ناصح: — حين أرحل، تحدثي معه بهدوء.. ربما تصلان إلى حل وتفهمين ما به. — سأحاول يا أمي.. لأجلكِ فقط. — لأجلي أنا يا روح أمكِ؟ — صدقيني لأجلكِ ولأجل صغاري. — صفي قلبكِ. — لستُ قادرة. — يا خائبة، كل الرجال هكذا! ردت مديحة بضيق: — لا أعرف أي رجال هؤلاء.. قِلّتهم أفضل! قالت الحماة وهي تتمدد مجدداً: — أنتِ من عليكِ إعمار البيت، أما الرجل فعادي جداً أن يهرب! انتهى الحوار بينهما على هذا النحو، ومع إشراقة الصباح التالي، جمعت أم أمين أشياءها ورحلت هي الأخرى. وجدت مديحة نفسها وحيدة بين جدران الشقة، تطوقها نظرات صغارها الخمسة. جلست تبكي فراق أمها وحماتها اللتين تركتاها فجأة لتعوضا سنوات التفريط، وقفت في المطبخ بمفردها تعد طعام الغداء وقلبها ينعصر ثقلاً. وحين عاد أمين من عمله وجلس إلى المائدة وسط صخب الأطفال، لاحظ إعداد مديحة لكل شيء بمفردها، فسأل بعصبية مكتومة: — أين أمي يا مديحة؟ أجابت دون أن ترفع عينيها عن الأطباق: — ذهبت لتقيم عند أخيك نعمان. وقف أمين وصاح بغضب: — هي الأخرى؟ ما الذي فعلتُه لكل هذا؟ رفعت مديحة رأسها وقالت بنبرة هادئة ومحملة باللائمة: — لم تفعل شيئاً يا أمين.. ها أنا نفذتُ لك ما أردت، وأصبحتُ أقوم بكل شيء بمفردي! قال أمين بانفعال: — وهل كفرتُ حين قلتُ إنهما بحاجة للراحة وأن واجبكِ خدمتهما؟ — ألا تعرفهما؟ راحتهما في الحركة والعمل! رد بمكايدة وجفاء: — وراحتكِ أنتِ في الجلوس بالشرفة! توقفت مديحة عن التحريك وقالت بقلة صبر: — خلاص يا أمين.. أغلق هذا الموضوع وانتهينا. نظر إليها بجمود وقال وهو يبتعد عن المائدة: — حسناً يا مديحة.. سأغلقه وأترككِ على راحتكِ!الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة







