Home / التشويق / الإثارة / أسرار جيراني الأعزاء / الفصل الحادي عشر : الصدمة

Share

الفصل الحادي عشر : الصدمة

last update publish date: 2026-09-10 05:22:39

الفصل الحادي عشر : الصدمة

جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً:

— هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ!

شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها:

— أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما!

رد أمين بنبرة حاسمة:

— وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟

قالت بدفاع عن نفسها:

— كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك.

سألها أمين بتهكم مؤلم:

— وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء!

صدمتها الكلمة فقالت:

— وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟

​رد بمواجهة جافة:

— بل أن تقعدي هكذا، لا شاغل لكِ سوى نقل الأخبار وجلسات النساء والتطفل فيما يعنيكِ وما لا يعنيكِ!

​ردت مديحة بنبرة تقطر أساً:

— لم أصر هكذا إلا بعدما ابتعدتَ عني وأهملتني وتركني للفراغ!

​قال أمين باستنكار:

— يا سلام! هل هناك امرأة لديها خمسة أطفال وتملك وقتاً لترمِش فيه عينها يا هانم؟

​أجابته بحرارة:

— اللتان تربيان أبناءك هما من رباني ورباك يا أمين!

​رد أمين بصرامة:

— وما فائدتكِ أنتِ إذن كأم حين يربي غيرك أبناءك؟

هناك فارق شاسع بين الرعاية والتربية.. أن يأكلوا ويشربوا ويُد للوا ليس معناه أنهم يتربون تربية صحيحة، فأين دورك كأم متعلمة خريجة مدارس؟

​خفت صوت مديحة وتجمعت الدموع في عينيها وقالت بنبرة كسيرة:

— لم أكن أعلم أنني سيئة وشنيعة إلى هذا الحد في نظرك يا أمين..

​تراجع أمين قليلاً في نبرته وقال بألم صادق:

— ليتكِ كنتِ سيئة صريحة كي أستريح! لكن المصيبة أنني لا أستطيع حتى الغضب منكِ، وفي الوقت نفسه لا أستطيع رؤيتكِ هكذا.

​سألته وهي تمسح دموعها:

— وكيف تراني؟

​تطلع إليها بنظرة حنين حزينة وقال:

— كنتِ في بداية زواجنا كالفراشة المحلقة حولنا.. حين جاءت أمي للعيش معنا قلتُ لا بأس أن تساعدكِ قليلاً لأنكِ تتعبين، وحين جاءت أمكِ رفعتِ يدكِ تماماً عن كل شيء! وبدلاً من أن تخدميهما في كبرهما، صارتا هما من تخدمانكِ.

​قالت مديحة بنبرة واثقة ومدافعة:

— ها قد وصلت إلى الحقيقة! هما تقدمان المودة الآن كي تجداها غداً يا أمين.. هما الآن بصحة جيدة، وغداً حين تعجزان سأحملهما على رأسي.

​رد أمين بقسوة:

— من اعتادت الراحة والاسترخاء لن تستطيع خدمة أحد غداً.

​وقفت مديحة وقالت بصوت متهدج ولكن بثبات جديد:

— ألم أقل لك؟ أنت لا يعنيك سوى أن أكون خادمة! استمع إليّ يا أمين.. أحمد الله أنك تعيش بين أهلك وأحبائك؛ أمك وأبنائك وزوجتك حولك، وهؤلاء أهم ناس في حياة أي رجل. كثير من الرجال يحتارون بين إرضاء أمهم أو زوجتهم، لكن أمك هي أمي، ولم أغضبها يوماً ولن أغضبها. وبدلاً من أن تحمد الله لأنني تركتها تأخذ راحتهما في بيتها، الذي هو بيتها قبل أن يكون بيتي.. كثير من النساء يتشاجرن مع الحموات على أدق التفاصيل، أما أمك فـتطعمنا جميعاً على ذوقها ونقول لها سمعاً وطاعة من أجل خاطرك وخاطرها! أيكون جزائي في النهاية أن أخرج في نظرك امرأة مهملة بلا قيمة؟ عموماً، شكراً لك.. ولن أفرض نفسي عليك بعد اليوم. اخرج من البيت وقتما تشاء، وعُد وقتما تشاء!

​أنهت مديحة كلماتها القاسية والواضحة، ثم استدارت وخرجت من الغرفة كلياً تاركة له الفراغ. اتجهت إلى الحمام، وغسلت وجهها بالماء البارد لتزيل آثار الدموع. ارتدت معطفها المنزلي وخرجت إلى الشرفة.

​لكن هذه المرة، لم تكن مديحة تجلس لمتابعة حركة الشارع أو لالتقاط أخبار الجيران كما اعتادت.. بل كانت واقفة شاردة الذهن، متكئة على السور، تسرح بصرها في أضواء المدينة البعيدة، تراجع في ذاكرتها شريط حياتها مع أمين منذ أول يوم، وتتساءل بقلب جريح كيف تحول الحب الدافئ إلى هذا الفتور القاسي؟

​وفي داخل الغرفة، ظل أمين ممدداً على الفراش. كلما حاول أن يغمض عينيه طار النوم من جفنيه. مرت أمام مخيلته مشاهد خطبتهما، وأيامهما الأولى، وكم كانت مديحة رقيقة ومفعمة بالدفء. تذكر كم مرة دخل عليها الغرفة ليجدها متزينة بأجمل حليها وفي أبهى صورها، فيتظاهر بالإرهاق وينام موليها ظهره.. شعر لأول مرة بقسوة جفافه وجرم تجاهله، وبات يتساءل في سرير خلته العاطفة: أين أخطأ كلاهما حتى وصلت سفينتهما إلى هذا الشاطئ المهجور؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثالث عشر : رحيل الأمهات

    الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمون​عاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟​ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.​قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟​— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.​اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟​— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!​— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟​— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!​أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!​ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.​اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثاني عشر : هواجس

    الفصل الثاني عشر: هواجس الجوار​كانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.​استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.​في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.​قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الحادي عشر : الصدمة

    الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ ​رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل العاشر ,: المواجهة

    الفصل العاشر: المواجهة الصامتة​عاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.​مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.​تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟​ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟​رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.​ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!​أجابها

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل التاسع : خبايا واسرار

    الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحم​تجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.​لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.​ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم

  • أسرار جيراني الأعزاء    الفصل الثامن : صينية العشاء

    الفصل الثامن: صينية العشاء​نجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.​جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!​علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟​ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.​ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟​ردت مديحة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status