LOGINالفصل الثاني عشر: هواجس الجوار
كانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية. استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة. في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها. قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب: — خير يا مديحة؟ هل أزعجتكِ بشيء؟ ردت مديحة وهي تتراجع خطوة للخلف متظاهرة بالحرج: — يبدو أنني أتيتُ في وقت غير مناسب.. هل أرجع؟ أجابتها سامية وهي تتنحى جانباً: — لا طبعاً! ماذا تقولين؟ تفضلي بالدخول. تبعتها مديحة إلى الداخل وجلستا سوياً. سألتها سامية: — ماذا تشربين يا مديحة؟ — لا شيء يا عزيزتي، لا أريد أن أتعبكِ وأنتِ عائدة للتو من عملك. ردت سامية وهي تشير إلى الطاولة المجاورة: — لا تعب ولا شيء.. كل الأغراض بجواري هنا، سنعد شيئاً نشربه ونحن نجلس. تطلعت مديحة في وجهها وقالت: — يبدو أنكِ بحاجة إلى كوب من النسكافيه كي يستعيد عقلكِ نشاطه. — أفكر في إعداد القهوة على السبرتاية. فزعت مديحة وقالت محذرة: — إياكِ أن تفعلي ذلك! سألتها سامية باستغراب: — ولِمَ يا "رويتر"؟ أجابتها مديحة بنبرة درامية: — إحدى صديقاتي حاولت إشعال السبرتاية قبل فترة، فاندلعت النار فيها! استعاذت سامية من الشر وقالت: — يا ساتر يا رب! أردفت مديحة: — أعدي القهوة على الشعلة الكهربائية، فهي أكثر أماناً. — حسناً، كما تريدين. انتقلت سامية للجلوس بجوار طاولة صغيرة مستندة إلى الحائط، وضعت عليها غلاية كهربائية وشعلة صغيرة وعلب الشاي والسكر والقهوة. أعدت كوبين كبيرين من القهوة وقدمت أحدهما لمديحة التي قالت وهي تتناوله: — ممتاز أنكِ أعددتِ القهوة في كوب كبير، فهذا الفنجان الصغير لا يكفي لشعرة! ابتسمت سامية وقالت: — أنا أيضاً بحاجة إلى كوب كبير، علّ دماغي يستفيق.. أشعر برغبة شديدة في النوم. تنهدت مديحة وقالت بنبرة مواسية: — ربنا يتوب عليكِ من هذا العمل الإضافي يا سامية. ردت سامية بابتسامة باهتة: — وحين يفرِجها الله وأترك العمل يا مديحة.. ماذا أفعل؟ أأجلس لأتحدث مع الجدران؟ اقتربت مديحة منها قليلاً وقالت بعاطفة صادقة: — ربما حين تجلسين في البيت يرزقكِ الله بطفل يملأ عليكِ دنياكِ. خفضت سامية نظرتها وقالت بصوت خفيض: — هذه مسألة بيد الله يا "رويتر". صمتت مديحة لبرهة، ثم قالت محاولة تلطيف الجو: — أعلم أنكم جميعاً ترونني حشرية وألقب بـ "رويتر".. لكنني أريد أن أقول لكِ شيئاً ولا تغضبي مني. سألتها سامية باهتمام: — خير يا مديحة؟ ماذا هناك؟ — إحدى أقارب زوجي أمين كانت تعيش في الكويت، وكانت تعاني أيضاً من تأخر الإنجاب. حين عادت إلى مصر مؤخراً، زارت مركزاً طبياً متخصصاً وأجرت عملية حقن مجهري، ورزقها الله بولد وبنت كالقمر! صمتت سامية وقتاً، ثم سألتها بنبرة متشككة: — ربنا يسهل يا مديحة.. وهل صعدتِ إليّ خصيصاً لتقولي لي هذا الأمر؟ ردت مديحة بسرعة: — لا والله، لكنني تذكرتُ الأمر فقط! وهي أخبرتني أن التكاليف في ذلك المركز معقولة وهناك خصومات هذه الأيام. قالت سامية وهي تنهي النقاش: — سأخبر ممدوح ونرى ماذا سنفعل. فجأة، تغيرت ملامح مديحة، واقتربت منها وهمست بنبرة تشيع القلق: — المهم.. هل علمتِ بالمصيبة التي نحن بصددها؟ فزعت سامية وسألتها: — يا ساتر يا رب! ماذا بكِ اليوم يا مديحة؟ ما المصيبة؟ — هل عرفتِ من سيسكن في الشقة المقابلة لشقتكِ؟ تذكرت سامية الشقة المجاورة وقالت: — الشقة الفاضية؟ — نعم! — من سيسكنها؟ أجابتها مديحة بضربة درامية: — امرأة عزباء وجميلة جداً.. ستعيش بمفردها! ردت سامية بعدم اهتمام: — وما المشكلة في ذلك؟ ضربت مديحة صدرها وقالت بنبرة انفعالية: — يا ناس! ألا يوجد أحد يفكر بعقله غيري؟ سألتها سامية باستغراب: — تشغلين عقلكِ بماذا تحديداً؟ قالت مديحة وهي تشرح وجهة نظرها: — هل رجالنا ملائكة يا حبيبتي؟ حين يفتح زوجكِ الباب في الصباح ويجد امرأة حسناء قبالته، طالعة أو داخلة، ألن ينظر إليها؟ فكرت سامية في الكلام لثوانٍ، ثم قالت بذهول خفيف: — تصدقين؟ هذه أول مرة في حياتكِ تقولين فيها شيئاً صحيحاً! ابتسمت مديحة بانتصار: — الحمد لله أنكِ انتبهتِ! لكن سامية استدركت وقالت: — لكن الرجال يقلقون من الجيران عادة.. من يريد أن يفعل خطأً سيبحث عنه بعيداً عن بيته وليس أمام بابه. ردت مديحة بصرامة وحث: — عموماً أنا نبهتكِ وأنتِ حرة، وحاذري لأنكِ أكثر واحدة متضررة هنا؛ فهي ستسكن أمامكِ مباشرة. ثم إنها لم تستأجر الشقة كالعريس والعروس في الطابق السابع، بل اشترتها تمليكاً يا حبيبتي! اتسعت عينا سامية وقالت: — تمليكاً أيضاً؟ — نعم! — وما العمل إذن؟ ردت مديحة بنبرة قاطعة: — يجب أن نطفشها من العمارة! سألتها سامية بحيرة: — وكيف سنطفشها؟ ابتسمت مديحة بثقة: — وهل سنعجز؟ سنتصرف بالتأكيد. وافقتها سامية وقالت: — فعلاً.. يجب أن نفكر في حل. قامت مديحة واقفة وقالت: — سأترككِ الآن قبل أن يصل ممدوح. — نورتِ يا مديحة. أوصتها مديحة وهي تتجه للباب: — نريد أن نجتمع سوياً لنرى ماذا سنفعل. ردت سامية: — حين تأتي لتسكن أولاً، كي نفكر في طريقة تناسبها. — كما ترين. فتحت مديحة الباب لتخرج، فاصطدمت بممدوح وهو يدخل شقته في تلك اللحظة. تراجع ممدوح خطوة وقال بابتسامة رسمية: — أهلاً يا مديحة.. كيف حالكِ؟ ردت مديحة وهي تتجاوزه نحو المصعد: — الحمد لله يا ممدوح، أنت كيف أخبارك؟ — بخير والحمد لله.. لمَ العجلة؟ خليكِ معنا قليلاً. — معذرة، لقد تركتُ الأطفال بمفردهم في البيت. — ربنا يحفظهم لكِ. — تسلم يا أخي. ركبت مديحة المصعد وهبطت، بينما دخل ممدوح وأغلق الباب خلفه. التفت إلى سامية وسألها بنبرة متوجسة: — خير؟ ماذا كانت تفعل مديحة هنا يا سامية؟ أجابته سامية وهي تجمع الأكواب: — لا شيء، جاءت لتطمئن عليّ لأنني لم أرها منذ فترة. قال ممدوح بصرامة خفيفة: — رجاءً لا تحكي لها أي شيء يخصنا. ردت سامية بثقة: — دون أن تقول يا ممدوح.. ثم ما الذي عندنا لنحكيه أصلاً؟ غير ممدوح الموضوع وسألها: — هل هناك طعام أم نطلب وجبة جاهزة؟ — هناك طعام يا ممدوح، سأحضره لك فوراً. — حسناً، سأغير ثيابي وأستحم كي أستعيد نشاطي ونأكل بمزاج. دخلت سامية المطبخ لتسخين الغداء، بينما اتجه ممدوح إلى الحمام. وبعد قليل، جلسا سوياً على مائدة الطعام. كانت سامية مترددة، تنظر إلى طبقها ثم إلى زوجها، حتى قالت أخيراً: — أريد أن أقول لك شيئاً ولكن لا تغضب مني يا ممدوح. رفع ممدوح رأسه وسألها: — خير؟ قالت بصوت حذر: — مديحة تقول إن إحدى أقارب زوجها كانت تعاني من تأخر الإنجاب، وبعد ذلك.. قاطعها ممدوح بحدة وهو يضع الملعقة: — لا تكملي! سألته برجاء: — لمَ يا ممدوح؟ هي تقول إن المرأة أجرت عملية حقن مجهري ورُزقت بولد وبنت كالقمر! رد ممدوح بنبرة جافة: — وهل تعرفين كم تتكلف عملية الحقن المجهري هذه؟ أجابته بلهفة: — لا شأن لك بالمال، أنا سأتصرف! نظر إليها باستنكار وقال: — هل ستنفقين المبلغ الذي ورثتِه كلياً على الحقن المجهري يا سامية؟ قالت بحرارة وهي تمسك يده: — يا سيدي فليذهب المال! المهم أن ننجب طفلاً يملأ علينا حياتنا! أزاح يده بهدوء وقال بصوت صارم: — أنا لستُ موافقاً. صدمتها الإجابة، فسألته باستنكار: — لمَ هكذا يا ممدوح؟ قلتُ لك لا أريد منك سوى موافقتك وأن تأتي معي إلى الطبيب! رد بمواقفة باردة وهروب: — افعلي ما تريدين يا سامية.. تطلعت في وجهه ملياً، وشعرت بأن رفضه يخفي شيئاً أكبر، فقالت بنبرة مشحونة بالشك والحرقة: — أنت لا تريد أن تنجب مني يا ممدوح؟ هل تضع عينك على امرأة أخرى؟ انزعج ممدوح وقام عن المائدة قائلاً بضيق: — قلتُ لكِ افعلي ما تريدين.. هل هو نكد وخلاص؟ عادت مديحة من شريط ذكرياتها إلى واقع شرفتها. تنفست الصعداء وهي تدرك أن الأزمات تملأ كل بيت في البناية، وأن سامية تعيش فوق بركان هادئ قد ينفجر في أي لحظة. لكن فكرة الساكنة الجديدة العزباء عادت لتقض مضجعها؛ امرأة جميلة، تعيش بمفردها في الشقة المقابلة لسامية.. خطورتها لن تتوقف عند حدود الطابق الخامس، بل قد يمتد أثرها ليطال كل رجال العمارة، بما فيهم أمين الذي يمر بأزمة صامتة معها! رفعت مديحة رأسها نحو السماء، وقررت أن أزمتها الشخصية مع أمين لا يجب أن تنسيها دورها في حماية البناية من هذا الخطر القادم.الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة







