INICIAR SESIÓNالفصل الثامن: صينية العشاء
نجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة. جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب: — أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء! علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة: — يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت: — يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم. ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل: — وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ ردت مديحة بحماس وهي تهم بالقيام: — أريد أن أرفع لهما زوجًا من الحمام ودجاجة محشوة! بادرت أم أمين بالدعم فورًا: — وما العيب في ذلك يا بني؟ الجيران لبعضهم، ومن الواجب على الجار أن يرسل لنيابه الجديد طعامًا من طهيه، فما بالك وهما عروسان في ليلتهما الأولى؟ اعترض أمين بهدوء: — هذه العادات اندثرت يا أمي، ثم إنهما عروسان في ليلة زفافهما، وليس من اللائق أن نطرق بابهما في وقت كهذا. ردت أمه متمسكة برأيها: — لقد صعدا منذ لحظات فقط، ولعلهما يؤديان الصلاة الآن. لنعجل بإرسال الصينية قبل أن يتأخر الوقت أو يتغير الحال! ضحكت والدة مديحة مشجعة، فنظرت أم أمين إلى مديحة وقالت: — هيا يا مديحة، اصعدي سريعًا ثم أسرعي بالعودة لإكمال طعامك. أسرعت مديحة إلى المطبخ وأعدت صينية مرتبة، وضعت عليها طبقًا كبيرًا يحوي زوجًا من الحمام المحشو، وطبقًا آخر به دجاجة محمرة. وفي أثناء تجهيزها، نظر أمين تجاه المطبخ وقال بنبرة متهكمة: — ليتك تهتمين ببيتك وأبنائك بهذا الحماس والنظام! لم تدع أمه الفرصة لتكدر الأجواء، فردت دفاعًا عن زوجة ابنها: — وما الضرر في أن تخدم جيرانها؟ هل قصرت في حقك أو حق أبنائها في شيء؟ تركتهم مديحة يتداولون الحديث دون أن تتدخل، فخدمة الجيران بالنسبة لها واصل إنساني لا يحتاج لتبرير. استغل أمين خروجها ليعاتب والدته ووالدة زوجته بصوت خفيض: — لا يصح أن تخدموها بينما تجلس هي هكذا، المفروض أن تشركوها في مسؤولية البيت وتربية الأبناء، فهي من يجب أن تقوم بظروف خدمتكم لا العكس. ردت أم مديحة بحكمة الحماة الواعية: — لماذا أنت مستعجل يا بني؟ نحن نريحها الآن حتى إذا تعبنا مستقبلاً تخدمنا عن طيب خاطر، ونكون قد قدمنا لها المودة أولاً. أيدتها أم أمين بثقة: — ثم إن مديحة تنفذ كل ما أطلبه منها.. أنا من رغبتُ منذ مجيئي أن أطهو ما يروق لي وأربي أبناءك كما ربيتك. ابتسمت أم مديحة وقالت لأمين: — اشرح له يا أم أمين.. كلما دخلت مديحة المطبخ واقترحت صنفًا من الطعام، فضلتِ أنتِ صنفًا آخر، فباتت تتنحى جانباً كي لا تغضبك. ضحكت أم أمين واعترفت: — هذا صحيح تمامًا! أكملت أم مديحة ناصحة: — احمد الله أن زوجتك لا تشتكي من حماتها كما يحدث في معظم البيوت، ولا تتشاجر معها، بل تعتبرها بمثابة أمها. استسلم أمين لردودهما المنسقة وقال بسخرية خفيفة: — يبدو أنكما اتفقتما عليّ يا حماتي! في الطابق السابع، ضغطت مديحة زر الجرس. وبعد لحظات، فتحت علياء الباب وهي ترتدي إسدال صلاة أبيض ناصعًا، ويبدو على وجهها أثر الخشوع. قالت مديحة بحياء وارتباك لطيف: — المعذرة يا أختاه.. أعلم أن مجيئي في هذا الوقت قد يبدو تتفلاً غير مقبول. ابتسمت علياء برقة وود: — لا أبدًا، لا تتأسفي.. تفضلي بالدخول! ضحكت مديحة بصوت خفيض وقالت: — يدخل أين؟ لا يا عزيزتي! أشفقتُ عليكِ فقط لأن والدتكِ من شدة التوتر وعطل المصعد نسيت أن تترك لكما صينية العشاء، فقلتُ في نفسي ألا أترككِ في هذه الليلة. فوجئت علياء بهذه اللفتة وقالت بامتنان: — لمَ كل هذا التعب؟ لا داعي إطلاقًا، لقد كنتُ أستعد لتحضير بضع بيضات مسلوقة وجبن وسلطة. شهقت مديحة بفكاهة: — يا للعيب! أتتعشين بيضًا وجبنًا في ليلة زفافكِ وأختكِ مديحة على قيد الحياة؟ اتسعت ابتسامة علياء وقالت: — لا أعلم كيف أشكركِ.. شكراً جزيلاً لكِ بحق. مدت مديحة الصينية إليها قائلة: — لا شكر على واجب، خذي الصينية ودعيني أنزل فوراً كي لا أزعجكما.. ألف مبروك يا حبيبتي. أخذت علياء الصينية المحملة بالروائح الشهية ودخلت، حيث كان عماد يقف في الممر متسائلاً: — من الضيف قليل الذوق الذي يطرق بابنا في ليلة كهذه يا حبيبتي؟ وضعت علياء الصينية على طاولة السفرة الصغيرة وقالت وهي تبتسم: — لا تقل عنه ذلك! إنها جارتنا مديحة من الطابق الثاني، ألمحت إلى أننا قد نحتاج العشاء وأحضرت لنا هذه الصينية. رفع عماد حاجبيه باستغراب: — يا للغرابة! هل ما زال هناك من يفعل هذه الأمور؟ أجابت علياء بتقدير: — يبدو أنها امرأة طيبة الأصل حقاً. وافقها عماد وهو يقترب من الطاولة: — بالفعل، يبدو السكان هنا طيبين، لكن بصراحة لديهم طبع فضولي ملحوظ.. ألم تلاحظي كيف كانوا يستجوبوننا كأننا في التحقيق؟ ضحكت علياء وهي تزيح غطاء الأطباق: — أنت في مصر يا عماد! الفضول هنا يُرى كنوع من الاهتمام والحب، لا أحد يشعر أنه يقتحم خصوصيتك، بل يعتقدون أن من حقهم التدخل لمساعدتك عند الحاجة. ابتسم عماد وهو ينظر إلى صينية الحمام والدجاج المحشو بالفرِيك: — تصدقين؟ هذا الفضول، رغم إزعاجه أحياناً، يعد ميزة عظيمة في بعض الأوقات! سألته بمرح: — وكيف ذلك؟ غمز لها قائلاً: — لأن صينية العشاء هذه أتت في وقتها المباشر تماماً! هيا يا روح قلبي لأطعمكِ بيدي. نظرت إليه بعاطفة وقالت: — أبحق؟ اقترب منها ونظر في عينيها بنبرة دافئة: — أحبكِ.. ردت بصوت خفيض وهي تستند إلى صدره: — وأنا أحبك أيضاً.. جلس العروسان يتناولان الطعام في هدوء وشغف، ينسجان أولى خاطرات حياتهما الزوجية قطرة بقطرة. أما في الطابق الثاني، فقد عادت مديحة إلى شقتها عبر المصعد، لتجد النقاش العائلي بين زوجها وأمها وحماتها ما يزال مستعراً حول إدارة البيت والمستقبل. لم تحاول الصدام، بل انسحبت بهدوء نحو الشرفة المطلة على الشارع. وقفت تستنشق هواء الليل، متطلعة إلى بيوت الجيران وأضوائها المتلألئة، لتغرق في متابعة تفاصيل حكايات الآخرين.. علّها تهرب من تفاصيل بيتها المثقل بالزحام. مع إشراقة الصباح الجديد، كانت والدة مديحة قد اتخذت قراراً حاسماً بالرحيل والعودة إلى بيتها. تأملت حالها؛ بيتها المستقل احتله ابنها، وهي الآن تشعر بأنها باتت عالة على زوج ابنتها. ورغم أن أمين لم يظهر ذلك صراحة، إلا أنها لمست أنه يبحث عن راحته وحريته في بيته، وهو أمر تصعبه إقامتها المستمرة.. فأمين مكلف شرعاً وعرفاً برعاية والدته، أما هي فستظل في نظره "الحماة" التي تقاسمهم الشقة. حزمت أمتعتها بهدوء، مستعدة لمغادرة العمارة ومواجهة مجريات جديدة.الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة