LOGINالفصل التاسع: خبايا البيت المزدحم
تجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة. لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل. ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم يعترض أمين على رغبة والدته، بل استحسن الخيار وتزوجا في بيت أمه. مع مرور الأيام، اشترى أمين هذه الشقة بالتقسيط ليتيح لشقيقه الأكبر فرصة الزواج في شقة الأسرة الأولى. جاءت أم أمين لتقيم معهما مؤقتًا كي تمنح ابنها الأكبر وعروسه راحتهما في بداية حياتهما الزوجية، وأصرت مديحة بصدق على بقاء حماتها التي تعدها أمًا ثانية. لكن حين حاولت أم أمين العودة لاحقًا لبيتها، واجهت جفاءً ومعاملة سيئة من زوجة ابنها الأكبر، وآثرت ألا تخرب بيت ابنها فقررت الاستقرار الدائم مع مديحة وأمين. أما أم مديحة، فواجهت ظروفًا مشابهة؛ حين تزوج ابنها عبد الفتاح، لجأت إلى بيت ابنتها لفترة قصيرة، وحين عادت لبيتها شعرت بأنها باتت ثقلاً على حياة ابنها وزوجته، فلم تحتمل ذلك الشعور وأقبلت للعيش مع ابنتها وصديقة عمرها أم أمين. رحب أمين بحماته كثيراً، وشجعت مساحة الشقة الواسعة على أن تجمعهم جميعاً تحت سقف واحد. بل إن أم أمين رفضت إلا أن تشارك صديقة عمرها الحجرة ذاتها والسرير نفسه، متجاوزتين كل الخلافات العابرة بضحكات وعشرة طويلة. تولت الجدتان كافة أعباء المنزل الإدارة والطهي وتربية الأبناء الخمسة، متسلحتين بصحة جيدة وروح محبة. لكن هذا العطاء السخيّ سلب مديحة دورها كربّة بيت وأم، وحين لجأت لزوجها أمين ليمند فراغها ويكون سلوتها، خذلها وهرب إلى المقهى ليقضي معظم أوقاته بين أصدقائه. هكذا ترك أمين المنزل هربًا من التطفل الزائد والقيود الضمنية، بينما تنازلت مديحة عن إدارة شؤون بيتها لتتفرغ لمتابعة أخبار الآخرين وإذاعتها. في ذلك المساء، وقبل أحداث عطل المصعد وصينية العشاء، جلست مديحة أمام التلفاز تتابع برنامج الطهي المفضل لديها. وكانت الجدتان تجلسان جوارها بعد أن أنهيتا كافة أعمال المنزل وأعدتا طعام العشاء. تجلس أم أمين وبجوارها الصغيرة "جودي" ذات العامين، تطعمها بلقم متتالية، بينما تجلس أم مديحة بجوار "مروان" الذي يكبر أخته بعام ونصف، تطعمه بنفس العناية. نظرت أم أمين إلى صديقتها وقالت بنبرة مداعبة: — طالما كنتِ تميلين إلى الصبيان يا أم مديحة، وتفضلينهم على البنات منذ زمن! ردت أم مديحة بتهكم لطيف: — يا عزيزتي، الأمر سواء عندي، لا فرق بين ولد وبنت. ضحكت أم أمين وقالت: — قل الصدق يا امرأة! ألم تكوني تميزين عبد الفتاح على مديحة؟ تنهدت أم مديحة وتغيرت نبرتها وهي تقول: — وست أدافع عن نفسي؟ ها قد نلت جزائي ومُازلت أذوق المرارة، أسرّكِ هذا؟ انقبض وجه أم أمين وقالت بأسف صادق: — أستغفر الله! لم أكن أقصد إحزانكِ إطلاقاً. ردت أم مديحة بنبرة عتاب خفيفة: — يعز عليّ أن تذكريني بهذا وتكدري صفوي في هذا المساء. تدخلت مديحة لفض هذا النزاع العابر وقالت محاولة تغيير المجرى: — لمَ لا تتابعان البرنامج؟ غداً سأشتري مكونات هذه الوصفة كي تعداها لنا. التفتت أم أمين نحوها وقالت متهكمة: — أصرتِ تصدرين الأوامر يا عزيزتي؟ ثم هل يتسمى هذا الذي يصنعونه في التلفاز طعاماً أصلاً؟ علقت أم مديحة مشجعة: — هذا تجديد يا أم أمين، ولا بأس أن نجربه. ردت أم أمين بثبات: — جربيه أنتِ وابنتكِ كما يروق لكما، أما أنا فلن أغير طريقتي. ابتسمت أم مديحة وقالت: — لن أطهو بمفردي يا صديقتي، بل معكِ فقط، ولا شأن لي برأي ابنتي. ضحكت مديحة وقالت: — يبدو أن الداخل بينكما مفقود! قهقهت أم أمين وقالت بثقة: — بالتأكيد يا ابنتي! نحن بيننا عشرة عمر طويلة قبل أن نرى وجهكِ ووجه أمين. ابتسمت مديحة وقالت: — كنتُ أعلم أنكِ ستجيبين بهذا يا حماتي! تعجبت أم مديحة وقالت لابنتها: — "حماتي"؟ منذ متى تنادينها هكذا يا مديحة؟ ردت مديحة بحيرة خفيفة: — لقد أربكتماني! لا أعلم لأيهما أقول "أمي". قالت أم أمين بابتسامة دافئة: — وهل تزعل امرأة لأن لديها أمان؟ كلمة "أم أمين" لا تنفي أمومتي لكِ، فأنتِ ابنتي غصباً عنكِ! ثم صمتت أم أمين لبرهة قبل أن تتغير نبرتها إلى الجدية، ونظرت إلى مديحة وقالت: — بذكر أمين.. هناك أمر يشغل بالي منذ فترة يا مديحة. حالكِ أنتِ وزوجكِ لا يعجبني. تأبهت مديحة وسألتها: — كيف ذلك يا أمي؟ ما الذي لا يعجبكِ؟ ردت أم أمين بنبرة متسائلة: — لمَ بات يهرب من البيت طوال الوقت هكذا؟ هل أنتما على خلاف؟ أجابت مديحة بسرعة ونفي: — وهل أجرؤ على إغضاب أمين يا أمي؟ — إذن ما المشكلة؟ لمَ يفضل المقهى على بيته؟ تنهدت مديحة وقالت بقلة حيلة: — والله لا أعلم! لقد تغير فجأة دون مقدمات. قالت أم أمين بثقة: — لا بد أن هناك سبباً يا بنيتي، فالرجل لا يتغير هكذا بلا داعٍ. ردت مديحة بأسى: — ليتني أعرف هذا السبب! وهنا تدخلت أم مديحة وقالت بنبرة حاسمة: — لو لم تسأليها يا أم أمين لسألتها أنا! هذا الموضوع لا ينبغي السكوت عنه. ردت أم أمين محاولة التهدئة: — لا تكبري الأمور يا أم مديحة. — لستُ أكبر الأمور، لكن يجب أن نتدارك الشرر قبل أن يستعر! قالت أم أمين باقتناع: — هما بخير يا أختي، وكل رجل يمر بفترة يمل فيها الروتين ويبحث عن متنفَس، هذا أمر طبيعي. ردت أم مديحة بصرامة: — لكنه بالغ في الأمر كثيراً يا أم أمين! التفتت أم أمين إلى مديحة وقالت بمودة ونصح: — هنا يأتي دور ذكائكِ يا مديحة.. عليكِ أن تجذبيه مجدداً إلى بيته وتجعليه يحب الجلوس معكِ. ردت مديحة بنبرة يائسة: — حاولتُ كثيراً يا أمي، لكنه لا يتغير. نظرت أم أمين إلى ملابس مديحة وقالت بعتاب مباشر: — حاولتِ؟ وكيف ذلك وأنتِ تجلسين له في البيت طوال اليوم بملابس النوم هذه لا تغيرينها؟ فوجئت مديحة وسألتها باحراج: — وما أدراكِ أنتِ يا أمي بما أفعله داخل حجرة نومي؟ كان هذا النقاش يسبر غور الأزمة الصامتة التي تعيشها شقة الطابق الثاني. أزمة لم تجد مديحة حلاً لها سوى الهروب إلى الشرفة ومتابعة حياة الآخرين، بينما أورثت والدتها حساسية مفرطة وشعوراً بالذنب، وهو الشعور ذاته الذي تبلور في صباح اليوم التالي وأدى بأم مديحة إلى اتخاذ قرارها الحاسم بحزم أمتعتها والرحيل، كي تترك لابنتها وزوجها المساحة التي يحتاجانها لاستعادة حياتهما.الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة