Mag-log inبينما كان القصر يغلي بالاستعدادات للهجوم، جلست يارا في غرفتها تستعيد حواسها ببطء. الدوار ما زال يفتك برأسها، وكل عضلة في جسدها تذكرها بالليلة السابقة. انفتح الباب بهدوء دون طرق، ودخل رجل يرتدي بليزر رمادياً أنيقاً، وعلى شفتيه ابتسامة لعوبة ساخرة لم تعتد عليها من قبل. كان هذا ريان... التوأم الثالث، الضابط الماكر الذي يقف دائماً في منطقة الظل.
تجمدت يارا في مكانها. عيناها تتأملان ملامحه بذهول وارتباك. اقترب ريان بخطوات هادئة واثقة، وجلس على حافة السرير دون استئذان. مد إصبعه بوقاحة ورفع ذقنها حتى أجبرها على النظر إليه مباشرة. "أوه... الراقصة الصغيرة استيقظت؟" همس بصوت مخملي مستفز. "يبدو أن سهرة البارحة كانت قاسية عليكِ جداً." سحبت يارا رأسها بغضب وصرخت فيه: "ابتعد عني يا نادر! البارحة كنت تتعامل معي ببرود وقسوة تجعلني أكره نفسي، والآن تأتي بابتسامة مستفزة وكأن شيئاً لم يكن؟ أنت مريض... أنت تعاني من انفصام حاد في الشخصية!" ضحك ريان بصوت خفيض خطير، وازدادت ابتسامته عمقاً وهو يتلاعب بعقلها بمهارة: "انفصام؟ ربما. أليس جميلاً أن تملكي رجلاً يمنحكِ العذاب ليلاً والرحمة نهاراً؟ القسوة وجهي الأول، والطف الماكر وجهي الآخر... وعليكِ أن تتعلمي التعايش مع الاثنين يا حلوتي. أو... هل تفضلين أن أختار لكِ أي وجه تودين رؤيته الليلة؟" تأكدت يارا في قرارها تماماً أن نادر يملك شخصيتين متناقضتين تماماً: رجل بلا قلب ليلاً، ورجل لعوب مستفز نهاراً. وقف ريان وعدّل بليزره ببطء، ثم ألقى عليها نظرة متسلية وغمز لها ببرود قائلاً: "لدي بعض الأعمال في الخارج... لا تشتاقي لشخصيتي القاسية حتى أعود. قد تفاجئينكِ أكثر مما تتحملين. انصرف وأغلق الباب خلفه تاركاً يارا تغلي من غضبها وحيرتها التي بدأت تقتلها ببطء. في الناحية الأخرى من المدينة، داخل شقة أنجيلا الفاخرة، وصلها خبر عبر حراسها المخلصين: نادر يحتجز راقصة مجهولة في جناحه الخاص بالقصر، ويوليها اهتماماً غريباً لم يوله لأي امرأة من قبل. اشتعلت الغيرة في قلبها كالنار في الهشيم. قبضت على يدها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وهمست بغلٍ يقطر سماً: "امرأة في جناحه؟ نادر لا يسمح لأحد بدخول منطقة ظله الخاصة... هذه البشرية الحقيرة يجب أن تختفي قبل أن تفسد خططنا كلها. سأتخلص منها بنفسي إن لزم الأمر." في معقل عائلة حوراني، اندلعت المعركة الشرسة دون إنذار. شن نادر وإياد هجوماً مباغتاً على المقر، مدعومين بقطيع الألفا. كانت الخطة محكمة: اقتحام سريع، استعادة الجوهرة، والانسحاب قبل أن يستفيق العدو. لكن المفاجأة كانت بانتظارهم كفخ مميت. طارق لم يكن وحده. كان محاطاً بجيش من الشياطين بقيادة ملوك الظلام أستاروث نفسه. ظهرت الظلال السوداء من الجدران، وتحولت الأجساد البشرية إلى كائنات ذات عيون حمراء وأنياب حادة. تصادمت القوى بقوة مرعبة. صراخ الحديد يختلط بزعيق الشياطين، ورائحة الدم والكبريت تملأ الهواء. قاتل نادر كوحش، سيفه يقطع اليسار واليمين، لكن سيفاً مسموماً بطاقة شيطانية شق كتفه الأيسر. شعر بالألم يحرق عروقه كالنار السائلة. أجبرته الإصابة على الانسحاب التكتيكي مع إياد وقواتهم، تاركين الجوهرة خلفهم مرة أخرى. كانت الخسارة مرة، والغضب في عيني نادر أشد من الجرح نفسه. في هذه الأثناء، داخل المقر الصحفي السري، كان آدم يراجع بريده الإلكتروني بلهفة بعد أيام من القلق على يارا. فجأة وصل الإيميل منها. فتح الملفات المرفقة بسرعة محمومة. انثالت أمامه وثائق خطيرة تثبت تورط إمبراطورية آل فارس في عمليات غسيل أموال ضخمة، وتهريب الذهب والآثار النادرة عبر سفن الشحن البحري الممتدة بين إيطاليا وفرنسا، مستغلين نفوذ شركتهم على الموانئ. كما وجد ملفاً خاصاً بوالد يارا، ينص بوضوح على توريطه في الجريمة... مع ملاحظة أن الدليل المباشر القاطع قد مُسح سابقاً (وهو ما فعله ريان بمهارة). كتب آدم رسالة مستعجلة نارية وأرسلها فوراً: "يارا! الوثائق التي أرسلتِها خطيرة جداً! شركة آل فارس تقوم بغسيل أموال مرعب عبر خطوط الشحن بين إيطاليا وفرنسا. هذا المستند كفيل بتدمير إمبراطوريتهم وإغلاق موانئهم إلى الأبد! متى تنصحينني بنشره؟ أعطيني الإشارة وسأفجر كل شيء." عند منتصف الليل، عادت سيارات آل فارس إلى القصر تحت جنح الظلام. دخل نادر الممر الطويل ببدلته السوداء الملطخة بالدماء، ونظراته تشتعل بالشرار بعد خسارة المعركة أمام الشياطين. الدم لا يزال يقطر ببطء من كتفه المصاب، وكل خطوة يخطوها تحمل وعد الانتقام. في تلك اللحظة بالذات، كان هاتف يارا يهتز بإشعار الرسالة القادمة من آدم. قرأتها بسرعة، ثم رفعت عينيها لتلمح نادر وهو يمر من أمام باب غرفتها المفتوح جزئياً. تلاقت عيناه النارية بعينيها لثوانٍ خاطفة ثقيلة كالرصاص. لم يقل كلمة، ولم يبتسم. فقط مرّ كعاصفة صامتة. ارتسمت على شفتي يارا ابتسامة مكارة يملؤها النصر البارد والانتظار القاتل. حركت أصابعها على الشاشة وأرسلت لآدم رداً حاسماً قصيراً: "لا تنشر شيئاً الآن... انتظر تعليماتي."تخبطت الأنفاس في صدر يارا، وانعقد لسانها وهي تقف وسط صالون القصر الكبير. النظرات المتبادلة بين إياد ونادر كانت تحمل طابعاً ثقيلاً من الإنكشاف التام. لقد انتهت تمثيلية الانفصام الأبدي، وسقطت أوراق التوت عن حقيقة هذين الشقيقين، لكن المفاجأة الكبرى لم تكتمل فصولها بعد.تقدّم نادر بخطوات بطيئة، وقطب حاجبيه بقسوة بالغة بينما يقطر شعره بماء المسبح. وقف أمامها مباشرة، وابتسامته الساخرة والباردة تزيد من اشتعال غضبها:— "أهكذا تترجمين امتنانك لأن أخي أنقذ حياتك من الغرق قبل قليل؟ أم أن صدمة الحقيقة جعلتك تفقدين ما تبقى من عقلك الصغير يا يارا؟!"ردت يارا بصوت يقطر احتقاراً وغلًا، وهي ترمقه بنظرات حارقة:— "امتنان؟! لك أنت؟! كنت أتمنى لو أنك ابتلعت كل ماء المسبح ومت غرقاً لتريح هذا القصر من سمومك وشرورك يا نادر! كنت أظنك مريضاً فأشفق عليك، لكنك لست سوى مسخ متكبر ووضيع يتلاعب بمشاعر الآخرين!"اشتعلت عينا نادر بغضب أعمى، ورفع يده المبللة بقسوة مهدداً إياها، لكن إياد تدخّل في اللحظة الحاسمة، وأمسك بمعصم أخيه بحدة، ووجهه ممتلئ بالصدمة والألم العظيم:— "كفاكما جنوناً! ألا يكفي ما نمر به من انهيار عائ
رفعت يدها بكل ما تحمله من قهر وغضب مكبوت، وهوت بصفعة مدوية على وجهه. طبعت أثرها واضحاً تحت ضوء المصابيح الخافتة، وارتجفت أصابعها وهي تقول بصوت يشبه فحيح أفعى جريحة: — «أنت وحش حقاً… وكل يوم تثبت لي أنك القاتل الحقيقي لأبي. أقسم أنني سأقتلك بيدي هاتين عندما تسنح لي الفرصة، ولن أتردد لحظة واحدة.» لم يتحرك ريان من مكانه. أدار وجهه ببطء، وابتسامة استهزاء ساخرة ومستفزة ارتسمت على شفتيه، ليرد بصوت بارد كالصقيع: — «ضربة مذهلة من دمية ظنت أنها فهمت اللعبة… لكن احذري يا يارا. كلما رغبتِ في الانتقام، وجدتِ نفسكِ مجبرة على الغرق في أعماقي أكثر فأكثر. والغرق هنا… لا يرحم.» استدار بخطوات بطيئة واثقة وغادر المكان، تاركاً إياها تشتعل غضباً وحرقة في منتصف الحديقة الصامتة. في الجناح الطبي المظلم، إياد جالساً على حافة السرير الأبيض. يمسك بيدي الجدة الشاحبتين النائمتين ويضعهما بين كفيه المرتجفتين كأنهما آخر خيط يربطه بالحياة. همس بصوته مكسور: — «استيقظي يا جدتي… أرجوكِ افتحي عينيكِ ولا تختفي عنا أنتِ أيضاً. لقد ذهب أبي… وفقدنا استقرارنا في دوامة الصراعات. وإذا فقدتكِ أنتِ، فلن يبقى لهذا القصر أي
رن الهاتف المحمول بصوت مزعج في يد إياد بينما كان يقف بجانب يارا تحت أطلال المعلم الأثري في اليونان. نظر إلى الشاشة، ثم رفع الهاتف وأجاب بنبرة متجهمة: — "ما الأمر؟" جاء صوت الحارس من القصر من الطرف الآخر مكسوراً ومرتجفاً: — "سيدي إياد... عليك العودة فوراً! الجدة... لقد سقطت مغشياً عليها ونقلت للعناية المركزة في حالة حرجة للغاية!" اتسعت عيناه إياد بذهول، وسقط الهاتف من يده لثوانٍ قبل أن يلتقطه بقوة، وهتف بصوت شاحب: — "ماذا تقول؟! كيف سقطت؟!" — "أزمة قلبية حادة... والسبب... السبب هو ما فعله نادر !" صاح إياد بغضب هستيري: — "ما الذي تفوه به؟! ماذا فعل اللعنة؟!" — "لقد... لقد شن هجوماً دموياً طائشاً ومباغتاً على قطيع طارق الحوراني والمافيا بمفرده دون علم أحد، وقد طرده السيد نواف ومجلس القطيع للتو من منصبه ومن شركة الشحن!" صعق إياد وصرخ بجنون: — "يا الاهي كيف يفعل هذا ...تبا أغلق إياد الهاتف بحدة، ووجهه مصدوم وشاحب بالكامل. ركضت نحوه يارا بملامح قلقة، وسألته بلهفة: — "نادر! ماذا هناك؟ لماذا تغيرت ملامحك هكذا؟" — "يجب أن نعود إلى القصر فوراً يا يارا... الجدة... الجدة طريحة الفرا
مضى شهر كامل على رحيل يارا عن قصر آل فارس. في بلدة ريونية الساحلية الهادئة على ضفاف بحر اليونان، اختبأت بين أزقة التاريخ والحجر العتيق. كرست أيامها لفك شيفرات الوشم الذهبي على ظهرها، تتنقل بين المخطوطات والخرائط كمن يطارد شبح أمها.في تلك الأمسية، جلست على طاولة خشبية قديمة في شرفتها المطلة على الأفق المظلم. ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المتعب، والمرآة الصغيرة أمامها تعكس رموز الوشم كأنها تهمس بأسرار لا تريد أن تُكشف.قاطع السكون صوت مألوف، دافئ، ومحمل بشيء أعمق من مجرد الفضول:— «الرمز الثالث لا يُقرأ هكذا يا يارا… أنتِ تنظرين إليه من الزاوية الخطأ.»رفعت رأسها بفزع. إياد يقف مستنداً إلى عتبة الباب، ملامحه الوسيمة هادئة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أيام.تصلبت في مكانها:— «نادر؟! كيف عرفت مكاني؟ ولماذا ظهرت فجأة كأنك خرجت من الظل؟»تقدم بخطوات بطيئة مدروسة، وجلس على الكرسي المقابل لها دون أن يطلب إذناً. نظراته لم تفارق وجهها لحظة— «أرهقتُ قلبي شهراً كاملاً وأنا نبحث عنكِ. عائلة آل فارس قلبت الأرض بحثاً عنكِ، لكنني وحدي استطعت تتبع أثر طاقة الوشم… لأنها مرتبطة بنا. أكثر مما ت
فتحت يارا عينيها ببطء شديد وسط عتمة غرفتها الساكنة. استوت جالسة بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط كأن أمواجاً لا تزال تضربه من الداخل. رفعت يدها المرتجفة تلمس كتفها وذراعيها، فشعرت بآثار ملوحة لزجة تلتصق ببشرتها وثيابها. تسلل الرعب إلى عروقها كسمٍ بارد. لم يكن كابوساً. كان واقعاً يقطر ملوحة البحر ودم المرآة.نهضت بخطوات مترنحة ودخلت الحمام. اصطدم بصرها مباشرة بالكتابة الدموية القاتمة على الزجاج: «ابنة لونا». العبارة لا تزال واضحة كجرح مفتوح. أدركت بجنون أن رحلتها إلى قاع البحر وتلك المرآة الشيطانية لم تكن وهماً، وأن عالمها انقلب إلى الأبد.اغتسلت بسرعة كمن يحاول غسل الحقيقة نفسها، ثم ارتدت ملابسها وفتحت الباب. فاجأها إياد واقفاً هناك بملامح قلقة، كأنه حارس ليل لم ينم.رمقته باستهزاء مرير وقالت بصوت مشحون:— «لا تلمسني. ولا تقترب مني بألاعيبكم الماكرة. لست في مزاج لأي تمثيلية سخيفة اليوم.كل تقدم خطوة واحدة فقط، ونبرته متوسلة لكنها حازمة:— «يارا… أرجوكِ اسمعي. لدي معلومة ستغير كل شيء تعيشينه الآن.»— «قلت لك توقف! لا أريد شيئاً منكم. أين الجدة؟ أريد مقابلتها الآن.»لم يستمع. أمسك بمعصمها برفق
وقبل أن يكمل إياد لومَه على نفسه، صدح صوت أجش وبارد من خلفه مباشرة، يحمل نبرة استهزاء مستفزة كأنها سكين تُغرس في الظهر:— «وما الذي يزعجك إلى هذا الحد يا إياد؟ دعني أراهن أنك مأخوذ بما يفعله هناك في الماء.»التفت إياد مفزوعاً ليجد نادر يقف خلفه بملامح جامدة وذراعين مكتوفتين على صدره، يتابع المشهد بعينين تمتلئان بالازدراء البارد. تابع نادر بتهكم وهو يرمق المسبح:— «دعه يستمتع بتلك المعتوهة! بصراحة... كنت سأستمتع بها ليلتها لو لم أتردد في اللحظة الأخيرة، رغم أنني وجدتها مملة ولا تستحق كل هذا العناء. جسدها جميل، لكن عقلها فارغ.»تشنجت عضلات وجه إياد من هول الكلمات، واشتعل الدم في عروقه غضباً، فالتفت إليه بحدة:— «أنت لا تعرف شيئاً يا نادر! إياك وأن تتحدث عنها بهذه الطريقة الوضيعة مجدداً!»ابتسم نادر ببرود مستفز، ثم اقترب وهمس بنبرة سامة:— «أنصحك ألا تقع في غرام هذه الفتاة يا أخي... ألا تتعظ؟ هل تريد أن نقع مرة أخرى في نفس حفرة ليلى وندمر أنفسنا من جديد؟»تطايرت الشرارات من عيني إياد، وفقد السيطرة، فدفع نادر بقوة من كتفه وصرخ:— «اخرس! لا تحشر ليلى في هذا الموضوع اللعين!»استدار إياد بغض







