LOGINفي شقة سرية معتمة تطل على الميناء، وقف نادر عند النافذة يراقب انعكاس أضواء السفن على الماء الأسود. خلفه انفتحت السجادة الحريرية بخطوات هادئة، لتظهر أنجيلا برداء أحمر أنيق يلتصق بجسدها كجلد ثانٍ. اقتربت ووضعت كفها على كتفه، وعيونها تلتمع بعتاب حاد ممزوج بالغيرة.
"هل ما زلت تضيع لياليك مع راقصات الحانة القذرات؟" قالت بصوت منخفض يحاول إخفاء الاهتزاز. "لن أقبل بهذا الوضع يا نادر. أنت تعلم جيداً أنني المرأة الوحيدة التي يجب أن تكون في حياتك... الوحيدة التي تعرف حقيقتك." استدار نادر ببطء. عيناه باردة كالجليد، ونبرته خالية من أي دفء أو اعتذار. "كيف تحولت حدقات عين طارق إلى الحمرة الشيطانية؟ ما الذي حدث بالضبط مع الجوهرة؟" تراجعت أنجيلا خطوة، وتنفست بمرارة واضحة. "هل جئت لرؤيتي من أجل هذا فقط؟ كنت أنتظر منك على الأقل أن تمثل أنك اشتقت إلي... أن تلمسني كما كنت تفعل سابقاً." قاطعه بصوت حاد كالسيف: "أنا لا أحب الكذب، ولا أبحث عن تمثيل رخيص. أريد معلومات. الآن." عقدت أنجيلا ذراعيها بقوة، وصوتها صار أكثر جدية: "المملكة الشيطانية... قائد الشياطين أستاروث علم بمكان الجوهرة. وسوف يهاجمون قطيعنا قريباً جداً للاستيلاء عليها. نحن نستعد للمواجهة، ونحتاج حلفاء أقوياء... نحتاج مساعدتك يا نادر. أنت الوحيد القادر على الوقوف في وجههم." ابتسم نادر بسخرية باردة جعلت دمها يتجمد. "أبداً. لن أتدخل. الجوهرة بين أيديهم مجرد صخرة لامعة بلا قيمة. بدون المفتاح... بدون الرمز الخفي على الجسد الموعود، لن ينالوا الكنز الأسطوري أبداً. دعهم يموتون وهم يطاردون سراباً." اقترب منها خطوة واحدة، وطبع على شفتيها قبلة جافة خالية من أي روح، ثم استدار ومضى تاركاً إياها تغلي في ظنونها وغضبها المكتوم. في الممر الطويل المؤدي إلى غرف القصر، كانت يارا تسير بخطوات مرتجفة. تمسك بزي الرقص الممزق حول جسدها كأنها تحاول إخفاء عارها، وشعرها المبعثر يغطي نصف وجهها الشاحب. كل خطوة تؤلمها، وكل ذكرى مشوشة تقطع أنفاسها. وفجأة اعترض طريقها إياد. كان يرتدي ملابس رياضية بسيطة، وعرق التدريب لا يزال يلمع على جبهته. تجمد في مكانه حين رآها بهذه الهيئة. تغيرت ملامحه من المفاجأة إلى الصدمة الكاملة. "يارا؟!" صاح بصوت منخفض مصدوم. "ماذا تفعلين هنا؟ ولماذا ترتدين هذه الملابس... ما الذي حدث لكِ؟ من فعل هذا؟" رفعت يارا رأسها ببطء. تلاقت عيناها بعينيه بجهد كبير. أطلقت ضحكة طويلة منكسرة يملؤها الانهيار العصبي، وسالت الدموع على وجنتيها بغزارة دون أن تستطيع إيقافها. "لا تمزح معي..." همست بصوت يرتجف كالزجاج المكسور، ثم اندفعت ونفضت كتفيه بقوة وهي تضرب صدره بقبضات ضعيفة. "لا تمزح! أنت من تركتني في تلك الغرفة اللعينة! بسببك أنت حدث كل هذا! أخبرني... أخبرني الحقيقة الآن. ماذا فعلت بي البارحة؟ هل حدث شيء بيننا أم لا؟ هل لمستني وأنت تعتقد أنني لا أشعر؟!" اتسعت عينا إياد بصدمة حقيقية. وقف عاجزاً عن فهم ما تهذي به. قبل أن ينطق كلمة واحدة، ترنح جسدها وفقدت توازنها تماماً. سقطت بين ذراعيه كدمية مكسورة. حملها فوراً بقوة وحرص، وتوجه بها مسرعاً إلى جناحه الخاص. كان جسدها يشتعل بحمى قاسية نتيجة البرد والضغط النفسي والليلة السابقة. استدعى الطبيب على الفور. عاينها الرجل بهدوء، أعطى مهدئات ومخففات للحرارة، بينما تولت الخادمة تبديل ملابسها المبللة بقميص قطني دافئ نظيف. جلس إياد بجانب السرير لساعات طويلة. راقب وجهها الشاحب بنظرة حزن مكبوتة وغضب لا يعرف اتجاهه. كلما نظر إليها تذكر الوشم، وتذكر لمسة الشفاه في الغرفة 107، وتذكر أنها لا تزال تخلط بينه وبين أخيه. عندما فتحت يارا عينيها بثقل، وجدته جالساً أمامها. ساد صمت جاف ثقيل. حاول إياد الكلام بنبرة هادئة حذرة: "يارا... أنا لا أفهم ما تحدثتِ عنه في الممر. أخبريني بصراحة، هل فعل نادر شيئاً أذاكِ؟ هل لمسكِ؟" نظرت إليه يارا بسخرية مريضة، وصوتها جاء خافتاً لكنه مليء بالاحتقار. "نادر؟ شخصيتك الفعلية هي نادر، أليس كذلك؟ نعم... فعل الكثير. لا تتظاهر بالغباء معي. أنت وهو وجهان لعملة واحدة قذرة." في تلك الأثناء اهتز هاتفه باتصال طارئ حاسم. نظر إلى الشاشة، ثم استقام بسرعة وخرج من الغرفة ليرد بعيداً عن أذنها. استغلت يارا خروجه فوراً. قاومت ثقل جسدها الحمى واستقامت على قدميها ببطء. رأت حاسوباً محمولاً موضوعاً على المكتب. اقتربت منه بحذر، وفتحته لتتفاجأ أنه غير مقفل بأي رمز سري. بدأت تتصفح الملفات بسرعة محمومة. انفتحت أمامها أوراق بحثية دقيقة، صور لقطع أثرية نادرة، ودراسات تاريخية موثقة باسم إياد فارس... كباحث ومؤرخ آثار محترم. عقدت حاجبيها بذهول ثم احتقار شديد. "باحث ومؤرخ آثار؟" همست بسخرية مرة. "مهرب مجرم ولص يتقن لعب دور العالم الفاضل؟ يا لكم من عائلة حقيرة منافقة!" فتحت متصفح البريد الإلكتروني بسرعة، وأدخلت عنوان صديقها آدم. سحبت ذاكرة الفلاش المخبأة في جيبها، وأوصلتها بالحاسوب، وأرسلت كافة البيانات والملفات المسجلة عليها دفعة واحدة دون أن تضيع وقتاً في قراءتها. كانت تخشى أن يعود أحد في أي لحظة. بعد أن تأكدت من وصول الرسالة، أغلقت الحاسوب وعادت إلى السرير متظاهرة بالنوم قبل أن يعود إياد. في الباحة السفلية للقصر، وصل نادر رفقة حراسه من قطيع الألفا. كانت نظراتهم نارية، وأجسادهم مشدودة كأوتار القوس المستعدة للقتال. استدعى أخاه إياد — الذي كان المتصل به قبل دقائق — وقال بصوت صارم يفيض بالسلطة المطلقة: "الليلة سنشن هجوماً مباغتاً على مقر طارق ويزيد. حان الوقت لنستعيد الجوهرة ونسحق مافيا حوراني قبل أن تتحرك الشياطين. لا مجال للتردد. إما أن نقتلهم الليلة... أو ينتظروا حتى يأتي أستاروث ويلتهمنا جميعاً." أومأ إياد برأسه بجدية حذرة، بينما كانت أضواء القصر تخفت تدريجياً استعداداً للمجزرة القادمة.دفع نادر باب الشركة بخطوات ثابتة، يحاول فرض هيبته المعتادة. الطابق العلوي كان هادئاً بشكل غريب. دفع باب قاعة الإدارة بقوة، فتجمد في مكانه. طارق يجلس في المقعد الرئيسي بكل ثقة. العم نواف بجانبه، وجهه بارد كالجليد. اقترب نادر غاضباً: — ماذا تفعل هنا؟ رفعه نواف يده بصوت قاطع: — لا ترفع صوتك. طُردتم من القيادة العليا. المنصب انتقل إلى طارق وأخيه يزيد. أنت مجرد نائب الآن، وأنا أحكم تحت صلاحيات طارق. اندفع نادر إلى الأمام: — هل جننتم؟ تتنازلون للعدو بهذه السهولة؟ ابتسم طارق ابتسامة مستفزة ودفع تقريراً على الطاولة: — ليست جنوناً، أرقاماً. خمسة عشر مستذئباً قتلوا في أسبوع واحد بسبب فوضاك. لولا أموال عائلتي لسحقكم الشياطين منذ أيام. خرج نادر من القاعة محطماً. الدم يغلي في عروقه. رأى في كل شيء وجه يارا. السبب. من مكتبه المظلم أمر مديره: — جهّز الصندوق الأسود. الهدية المرعبة. وأكتب الرسالة بيدي. كتب بخط غاضب: «هل صدقتِ حقاً أنني أميل إليكِ عاطفياً؟ افتحيه بنفسكِ.» وصل الصندوق إلى القصر. أخذته يارا ببرود ووضعته جانباً. قبلت دعوة إياد للخروج. أرادت أن تهرب من الأفكار التي تحاصرها. ذ
في قاعة مظلمة ساكنة تقع في أعماق البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل اليونان، بعيداً عن أعين البشر وعالم المستذئبين، انعقد اجتماع طارئ لأمراء مملكة الشياطين الخمسة. تصدرت الطاولة الحجرية الطويلة القائدة الشيطانية الكبرى. امرأة ذات هيبة طاغية وجمال مظلم يجمد الدم. رفعت الكأس الزجاجية المليئة بسائل قرمزي داكن، ونظرت إليهم بابتسامة ماكرة: — أخيراً... وصلت الرسالة إلى وجهتها. عرفت تلك الفتاة عالمها الحقيقي، وباتت تدرك بوضوح من هم أعداؤها. رفع الجميع كؤوسهم بصمت مشوب بالترقب. تابعت بنبرة حازمة: — نحن لا نتحرك بعجرفة الألفا، بل بالصبر والمكيدة. الوشم على ظهرها يقودنا خطوة بخطوة إلى الكنز. سأجعلها تأتي إلى أحضاننا طوعاً. أريدها هنا غداً في هذا القاع، سراً ودون أن يرف جفن لأحد من آل فارس. سأعرف كيف أروضها، وستنضم إلينا بكامل إرادتها. علق أحد الأمراء بتساؤل حاد: — لكن الخريطة لا تزال مختفية يا سيدتي، والوشم وحده قد لا يكفي. — بل يكفي لنعرف أين تختبئ بدقة. الأهم الآن أن نكسب ولاءها ونزرع الحقد والسم في عقلها ضد قاتلي أبيها. بالتزامن مع عتمة القاع، كانت يارا واقفة متسمرة أمام زجاج حمام غرفت
نزلت يارا بخطوات مرتعشة تتبع العجوز لولا عبر ممرات القصر الحجرية المعتتمة، ورائحة الغبار والزمن القديم تملأ الأرجاء. توقفت العجوز أمام باب حديدي ثقيل نقشت عليه رموز غريبة، ودفعته بصمت ليصدر صريراً بطيئاً يكشف عن قاعة مظلمة تضيئها طلاسم زرقاء خافتة. التفتت الجدة لولا، ونظرت إليها بنظرة نافذة: — "أعلم جيداً أنكِ فتاة عصرية، بشرية بالكامل، لا تؤمنين بكل هذه الخرافات. لكن... أحياناً تتجاوز الحقيقة كل ما تخيلته عقول البشر." انتفضت يارا، وعقدت حاجبيها بعدم تصديق: — "عن أي حقيقة تتحدثين؟ كفوا عن هذه الألعاب السخيفة!" اقتربت العجوز ببطء ممسكة بعصاها، وفتحت مخطوطة جلدية قديمة تزينها رسومات معقدة لذئاب بشرية وعوالم مظلمة: — "العالم الذي تعيشين فيه ليس سوى قشرة رقيقة. هناك ما وراء الحدود؛ عائلة آل فارس، الألفا، المستذئبون الذين يحقنون التوازن في هذا الكوكب، ومن بينهم نادر. وهناك في المقابل، مملكة الشياطين التي تتربص بالجميع. أما أنتِ، فالوشم على ظهركِ ليس عبثاً، بل هو مفتاح طاقة سيجعلكِ يوماً مساعدة للألفا، ومحور صراع لا يرحم." كان ريان يقف في زاوية القاعة المظلمة، يراقب الحوار بصمت مطب
في سكون منزل بيان، غرق آدم في نوم ثقيل كأنه يهرب من العالم. راقبته يارا بهدوء ثم انسحبت كظلال الليل. مرت ليلتان بطيئتان كحلم مزعج، حتى انفجر الباب في الليلة الثالثة. دخل ريان بخطوات واثقة كالموت نفسه، بدلته القاتمة تبتلع الضوء وحارساه خلفه كشبحين صامتين. تجمدت يارا، ظهرها يلتصق بالحائط البارد، عيناها تشتعلان غضباً: «كيف وصلت إلى هنا؟!» خرجت بيان مرتجفة، دموعها تجري وهي تهمس بالخيانة: «نفوذهم لا يُقاوم... وعدوني ألا يمسوا آدم». انفجر غضب يارا كبركان، اتهمتها ببيع الصداقة بأبخس الأثمان. تقدم ريان بهدوء قاتل: «آدم بأمان تحت حمايتنا... انزلي باختيارك أو بالقوة». رفعت يارا رأسها بتحدٍ ناري: «سآتي... لكنني سأحرق جحرتكم من الداخل!» في السيارة الفاخرة التي كانت تخترق ظلام الليل بسرعة جنونية، لم تكن يارا جالسة في الخلف، بل جلست إلى جانبه في المقعد الأمامي مباشرة. عمّ صمت ثقيل ومكهرب أرجاء المقصورة، قبل أن يضغط ريان على المكابح فجأة ويتوقف في زاوية مظلمة ومنعزلة على جانب الطريق. التفت إليها ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ومستفزة، ثم أخرج من جيب معطفه ملفاً طبياً رسمياً يحمل ختماً
في جناح الاجتماعات المعتم بقصر آل فارس، كان الغضب يخنق الهواء كضباب أسود. عاد إياد فجأة من مهمته داخل قلعة الشياطين، ورأى على الطاولة التقارير التي جمعها. رماها بحدة حتى تناثرت الأوراق، وهتف بنبرة محذرة تقطع الصمت: "هل تدركون ما يحدث حقاً؟! انهيار شركة آل فارس لا يعني ضياع المال فحسب... بل هو انهيار الدرع الحامي لقطيع الألفا بأكمله! إن سقطنا، فلن تتردد شياطين أستاروث في اجتياح أراضينا وإبادتنا عن بكرة أبيه. الجاسوس أكد أن الهجوم قادم خلال أيام!" هتف العم نواف بوجل واضح وهو يضرب الطاولة بيديه المرتعشتين: "عليك أن تتصرف يا نادر! العملاء ينسحبون واحداً تلو الآخر، وطارق حوراني يبتلع أسهمنا في البورصة علانية كأنه يلتهم جثة! افعل شيئاً قبل أن نصبح مجرد ذكرى!" وسط هذا الضغط الخانق، اجتمع التوأم الثلاثة سراً في غرفة العتمة مع الجدة لولا. كانت العجوز تجلس مستقيمة، وعيناها الثاقبتان تلمعان في الظلام. رفعت صوتها بحزم لم يُسمع منذ سنوات: "تلك الفتاة، يارا، ليست بشرية عادية. إنها تحمل في عروقها دماً هجيناً قديماً، وهي المفتاح الأساسي لخريطة الكنز الأسطوري الذي يحمي سلالتنا من الانقراض." عقد
في مدينة أثينا باليونان، جلس إياد في زاوية معتمة من مقهى مهجور يتبادل الحديث بحذر شديد مع جاسوس من قطيع الألفا متغلغل منذ أشهر داخل مملكة الشياطين. كان الرجل متوتراً، عيناه تتحركان باستمرار نحو الأبواب والنوافذ."أستاروث لم يعد ينتظر"، همس الجاسوس بصوت خفيض متقطع. "جمع ملوك الظلام السبعة في قاعة الدم السوداء. يخطط لهجوم شامل خلال الاسابيع القادمة يريد الجوهرة والرمز معاً. يقول إن حاملة دم لونا هي المفتاح الأخير، وإن لم يحصل عليها فسيحرق المدينة كلها ليجدها. هناك خائن داخل القصر يرسل له مواقعكم بدقة... شخص قريب جداً من العائلة."قبل أن يرد إياد، شعر فجأة بوخز حارق في صدره كأنه سكين ملتهب. تملّكته دوخة عنيفة أفقدته توازنه تماماً. ارتجفت عيناه واتسعتا، ثم توهجتا ببريق أزرق خافت لثوانٍ معدودة قبل أن يعود إلى طبيعته وهو يلهث.في اللحظة نفسها تماماً، على بعد آلاف الأميال، كان ريان يحقق مع أحد المجرمين في غرفة الاستجواب بمركز الشرطة. فجأة ضربته موجة ألم غامضة اجتاحت رأسه كصاعقة. استأذن بسرعة وهرع نحو الحمام، وأسند يديه المرتجفتين على المغسلة وهو يسكب الماء البارد على وجهه. رفع نظره إلى الم







