FAZER LOGINنزلت يارا بخطوات مرتعشة تتبع العجوز لولا عبر ممرات القصر الحجرية المعتتمة، ورائحة الغبار والزمن القديم تملأ الأرجاء.
توقفت العجوز أمام باب حديدي ثقيل نقشت عليه رموز غريبة، ودفعته بصمت ليصدر صريراً بطيئاً يكشف عن قاعة مظلمة تضيئها طلاسم زرقاء خافتة. التفتت الجدة لولا، ونظرت إليها بنظرة نافذة: — "أعلم جيداً أنكِ فتاة عصرية، بشرية بالكامل، لا تؤمنين بكل هذه الخرافات. لكن... أحياناً تتجاوز الحقيقة كل ما تخيلته عقول البشر." انتفضت يارا، وعقدت حاجبيها بعدم تصديق: — "عن أي حقيقة تتحدثين؟ كفوا عن هذه الألعاب السخيفة!" اقتربت العجوز ببطء ممسكة بعصاها، وفتحت مخطوطة جلدية قديمة تزينها رسومات معقدة لذئاب بشرية وعوالم مظلمة: — "العالم الذي تعيشين فيه ليس سوى قشرة رقيقة. هناك ما وراء الحدود؛ عائلة آل فارس، الألفا، المستذئبون الذين يحقنون التوازن في هذا الكوكب، ومن بينهم نادر. وهناك في المقابل، مملكة الشياطين التي تتربص بالجميع. أما أنتِ، فالوشم على ظهركِ ليس عبثاً، بل هو مفتاح طاقة سيجعلكِ يوماً مساعدة للألفا، ومحور صراع لا يرحم." كان ريان يقف في زاوية القاعة المظلمة، يراقب الحوار بصمت مطبق وملامح جامدة كالجليد. وحين اقتربت الجدة من خط تجاوز الحدود وهمّت بفتح باب الحديث عن خيوط أخرى حساسة، التقت عيناها بعيني ريان. ألقى عليها نظرة حادة وقاطعة كالسيف، نظرة واحدة تحمل تحذيراً دموياً صامتاً يمنعها تماماً من النطق بكلمة إضافية عن التوائم. استدارت الجدة وغادرت المكان بخطوات بطيئة، بينما خرج ريان خلفها بهدوء، فتحت يارا باب غرفتها بعنف وأغلقته خلفها، مستندة بظهرها إلى الخشب وتنفسها يتسارع بجنون. أمسكت رأسها الذي كاد ينفجر، لتتذكر تلك الليلة الغامضة في الفصل الرابع مع نادر. استرجعت نظراته الحادة وقسوته، ليضرب عقلها شك مرعب ومزلزل: — "هل... هل قضيت ليلتي حقاً مع مستذئب حقيقي؟!" انسابت دمعة حارقة على وجنتيها، وانهارت على الأرض بلا حول ولا قوة، تطلق شهقات منكسرة تملأ الغرفة بالفراغ والوحشة. في الخارج، كان إياد يخرج من المكتبة الكبرى حاملاً ملفات ودراسات أبحاثه، متجهاً بخطوات سريعة نحو جناح يارا ليخبرها بما اكتشفه. لكن قبل أن يقترب من الممر، ظهر أمامه ريان فجأة ووقف في طريقه بملامح صارمة: — "إلى أين أنت ذاهب يا إياد؟" — "أريد الذهاب إلى يارا. لقد اكتشفت شيئاً مهماً بخصوص أصول دمها، ويجب أن تعرفه." هز ريان رأسه ببرود ورفض قاطع: — "هي منهارة ومتعبة جداً وفي حالة صدمة حالياً، اتركها لوحدها الآن ولا تذهب إليها." عقد إياد حاجبيه بتشكك: — "لماذا هذا الإصرار يا ريان؟ أنت تمنعني عنها منذ البداية وكأن هناك شيئاً تخفيه." تنهد ريان بعمق، ثم أشار برأسه نحو الكوخ المهجور الواقع على أطراف حديقة القصر الخلفية حيث يعزل نادر نفسه، وقال بنبرة هادئة ومدروسة: — "تعال معي إلى الكوخ أولاً، نادر هناك وهو في حالة اشتعال تامة. يجب أن نتحدث كإخوة قبل أن تفعل أي خطوة طائشة تدمر كل ما بنيناه." استسلم إياد للتردد، وتبعه نحو الكوخ المظلم والبارد. داخل الكوخ، كان نادر يطوف في المكان ذهاباً وإيابا كوحش حبيس في قفص، وعيناه تشتعلان بغضب محارق. وما إن دخل ريان وإياد حتى انفجر نادر بسخرية حادة: — "إذن! هل أنتم سعيدون بما آلت إليه الأمور؟ تلك الفتاة أصبحت تعرف الكثير، وقريباً ستدمر كل شيء!" أغلق ريان الباب بهدوء، ووقف أمامهما بملامح واثقة ومكرة، وقال بصوت منخفض وحاسم: — "اجلسا أنتما الاثنين، واسمعا جيدا ما أقوله. إذا أراد أحدنا النجاة وضمان ألا تفقد السيطرة، فعلينا الالتزام بالقواعد بدقة. يارا تؤمن الآن تماماً بأننا شخص واحد يعاني من اضطراب الانفصام. إذا حاول أي منكم التدخل بطريقته الخاصة أو كشف سر التوائم الثلاثة أمامها، فسنفقد اللعبة للأبد وسيكتشف الجميع خديعتنا." نظر إياد إلى ريان بعينين حادتين: — "ولكن إلى متى ستستمر هذه التمثيلية يا ريان؟ إلى متى سنبقى نخدعها ونلعب بعقلها بهذه الطريقة الملتوية؟" تدخل نادر بصوت أجش وغاضب: — "وما تهتم لأمرها أنت يا إياد؟ لتذهب إلى الجحيم! إنها السبب في كل الفوضى التي ضربت القطيع والشركة." التفت ريان نحو نادر بنظرة حادة وباردة جمدت الكلمات في حلقه: — "إياك وأن تنسى يا نادر أننا لسنا هنا لننتقم لعواطفك العابثة، بل لنحمي أسرارنا. أنت ستلعب دور الشخص المضطرب الذي يتردد على غرفتها ويترك أثراً في حياتها، وأنت يا إياد ستكون العقل الهادئ الذي يراقب من بعيد دون أن يكشف شيئاً عن الدم والأصول. وأنا... سأبقى الظل الذي يحرك خيوط اللعبة من الخلف. هل هذا واضح؟" ساد صمت ثقيل داخل الكوخ، تبادل فيه الإخوة نظرات التحدي والحذر، بينما كان ريان يبتسم ببرود، واثقاً من أنه أحكم السيطرة على اللعبة بالكامل. بالتوازي مع ذلك الصمت المطبق في القصر، نهضت يارا متوجهة بخطوات مترنحة نحو حمام غرفتها لتغسل وجهها وتهدئة روعها المشتعل. فتحت صنبور الماء البارد، وملأت كفيها ورشته على وجهها مراراً وتكراراً. ثم رفعت رأسها ببطء لتمسح الماء عن عينيها وتنظر في زجاج المرآة الكبيرة الممتدة أمامها. تجمد الدم في عروقها، وتوقف قلبها عن النبض للحظة واحدة. على سطح زجاج المرآة، خطت حروف دموية داكنة تنزف ببطء كأنها كُتبت لتوها: > "أهلاً بكِ في عالمكِ يا ابنة لونا... عائلتكِ هي من قتلت أباكِ." اتسعت عيناها بفزع جنوني وهي تطالع الحروف المقطرة، وقبل أن تستوعب مصدر تلك الظلال الخفية، أطلقت يارا صرخة مرعبة شقت سكون الليل وأرجاء القصر، معلنة سقوطها الأخير في جحيم الأسرار المظلمة.دفع نادر باب الشركة بخطوات ثابتة، يحاول فرض هيبته المعتادة. الطابق العلوي كان هادئاً بشكل غريب. دفع باب قاعة الإدارة بقوة، فتجمد في مكانه. طارق يجلس في المقعد الرئيسي بكل ثقة. العم نواف بجانبه، وجهه بارد كالجليد. اقترب نادر غاضباً: — ماذا تفعل هنا؟ رفعه نواف يده بصوت قاطع: — لا ترفع صوتك. طُردتم من القيادة العليا. المنصب انتقل إلى طارق وأخيه يزيد. أنت مجرد نائب الآن، وأنا أحكم تحت صلاحيات طارق. اندفع نادر إلى الأمام: — هل جننتم؟ تتنازلون للعدو بهذه السهولة؟ ابتسم طارق ابتسامة مستفزة ودفع تقريراً على الطاولة: — ليست جنوناً، أرقاماً. خمسة عشر مستذئباً قتلوا في أسبوع واحد بسبب فوضاك. لولا أموال عائلتي لسحقكم الشياطين منذ أيام. خرج نادر من القاعة محطماً. الدم يغلي في عروقه. رأى في كل شيء وجه يارا. السبب. من مكتبه المظلم أمر مديره: — جهّز الصندوق الأسود. الهدية المرعبة. وأكتب الرسالة بيدي. كتب بخط غاضب: «هل صدقتِ حقاً أنني أميل إليكِ عاطفياً؟ افتحيه بنفسكِ.» وصل الصندوق إلى القصر. أخذته يارا ببرود ووضعته جانباً. قبلت دعوة إياد للخروج. أرادت أن تهرب من الأفكار التي تحاصرها. ذ
في قاعة مظلمة ساكنة تقع في أعماق البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل اليونان، بعيداً عن أعين البشر وعالم المستذئبين، انعقد اجتماع طارئ لأمراء مملكة الشياطين الخمسة. تصدرت الطاولة الحجرية الطويلة القائدة الشيطانية الكبرى. امرأة ذات هيبة طاغية وجمال مظلم يجمد الدم. رفعت الكأس الزجاجية المليئة بسائل قرمزي داكن، ونظرت إليهم بابتسامة ماكرة: — أخيراً... وصلت الرسالة إلى وجهتها. عرفت تلك الفتاة عالمها الحقيقي، وباتت تدرك بوضوح من هم أعداؤها. رفع الجميع كؤوسهم بصمت مشوب بالترقب. تابعت بنبرة حازمة: — نحن لا نتحرك بعجرفة الألفا، بل بالصبر والمكيدة. الوشم على ظهرها يقودنا خطوة بخطوة إلى الكنز. سأجعلها تأتي إلى أحضاننا طوعاً. أريدها هنا غداً في هذا القاع، سراً ودون أن يرف جفن لأحد من آل فارس. سأعرف كيف أروضها، وستنضم إلينا بكامل إرادتها. علق أحد الأمراء بتساؤل حاد: — لكن الخريطة لا تزال مختفية يا سيدتي، والوشم وحده قد لا يكفي. — بل يكفي لنعرف أين تختبئ بدقة. الأهم الآن أن نكسب ولاءها ونزرع الحقد والسم في عقلها ضد قاتلي أبيها. بالتزامن مع عتمة القاع، كانت يارا واقفة متسمرة أمام زجاج حمام غرفت
نزلت يارا بخطوات مرتعشة تتبع العجوز لولا عبر ممرات القصر الحجرية المعتتمة، ورائحة الغبار والزمن القديم تملأ الأرجاء. توقفت العجوز أمام باب حديدي ثقيل نقشت عليه رموز غريبة، ودفعته بصمت ليصدر صريراً بطيئاً يكشف عن قاعة مظلمة تضيئها طلاسم زرقاء خافتة. التفتت الجدة لولا، ونظرت إليها بنظرة نافذة: — "أعلم جيداً أنكِ فتاة عصرية، بشرية بالكامل، لا تؤمنين بكل هذه الخرافات. لكن... أحياناً تتجاوز الحقيقة كل ما تخيلته عقول البشر." انتفضت يارا، وعقدت حاجبيها بعدم تصديق: — "عن أي حقيقة تتحدثين؟ كفوا عن هذه الألعاب السخيفة!" اقتربت العجوز ببطء ممسكة بعصاها، وفتحت مخطوطة جلدية قديمة تزينها رسومات معقدة لذئاب بشرية وعوالم مظلمة: — "العالم الذي تعيشين فيه ليس سوى قشرة رقيقة. هناك ما وراء الحدود؛ عائلة آل فارس، الألفا، المستذئبون الذين يحقنون التوازن في هذا الكوكب، ومن بينهم نادر. وهناك في المقابل، مملكة الشياطين التي تتربص بالجميع. أما أنتِ، فالوشم على ظهركِ ليس عبثاً، بل هو مفتاح طاقة سيجعلكِ يوماً مساعدة للألفا، ومحور صراع لا يرحم." كان ريان يقف في زاوية القاعة المظلمة، يراقب الحوار بصمت مطب
في سكون منزل بيان، غرق آدم في نوم ثقيل كأنه يهرب من العالم. راقبته يارا بهدوء ثم انسحبت كظلال الليل. مرت ليلتان بطيئتان كحلم مزعج، حتى انفجر الباب في الليلة الثالثة. دخل ريان بخطوات واثقة كالموت نفسه، بدلته القاتمة تبتلع الضوء وحارساه خلفه كشبحين صامتين. تجمدت يارا، ظهرها يلتصق بالحائط البارد، عيناها تشتعلان غضباً: «كيف وصلت إلى هنا؟!» خرجت بيان مرتجفة، دموعها تجري وهي تهمس بالخيانة: «نفوذهم لا يُقاوم... وعدوني ألا يمسوا آدم». انفجر غضب يارا كبركان، اتهمتها ببيع الصداقة بأبخس الأثمان. تقدم ريان بهدوء قاتل: «آدم بأمان تحت حمايتنا... انزلي باختيارك أو بالقوة». رفعت يارا رأسها بتحدٍ ناري: «سآتي... لكنني سأحرق جحرتكم من الداخل!» في السيارة الفاخرة التي كانت تخترق ظلام الليل بسرعة جنونية، لم تكن يارا جالسة في الخلف، بل جلست إلى جانبه في المقعد الأمامي مباشرة. عمّ صمت ثقيل ومكهرب أرجاء المقصورة، قبل أن يضغط ريان على المكابح فجأة ويتوقف في زاوية مظلمة ومنعزلة على جانب الطريق. التفت إليها ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ومستفزة، ثم أخرج من جيب معطفه ملفاً طبياً رسمياً يحمل ختماً
في جناح الاجتماعات المعتم بقصر آل فارس، كان الغضب يخنق الهواء كضباب أسود. عاد إياد فجأة من مهمته داخل قلعة الشياطين، ورأى على الطاولة التقارير التي جمعها. رماها بحدة حتى تناثرت الأوراق، وهتف بنبرة محذرة تقطع الصمت: "هل تدركون ما يحدث حقاً؟! انهيار شركة آل فارس لا يعني ضياع المال فحسب... بل هو انهيار الدرع الحامي لقطيع الألفا بأكمله! إن سقطنا، فلن تتردد شياطين أستاروث في اجتياح أراضينا وإبادتنا عن بكرة أبيه. الجاسوس أكد أن الهجوم قادم خلال أيام!" هتف العم نواف بوجل واضح وهو يضرب الطاولة بيديه المرتعشتين: "عليك أن تتصرف يا نادر! العملاء ينسحبون واحداً تلو الآخر، وطارق حوراني يبتلع أسهمنا في البورصة علانية كأنه يلتهم جثة! افعل شيئاً قبل أن نصبح مجرد ذكرى!" وسط هذا الضغط الخانق، اجتمع التوأم الثلاثة سراً في غرفة العتمة مع الجدة لولا. كانت العجوز تجلس مستقيمة، وعيناها الثاقبتان تلمعان في الظلام. رفعت صوتها بحزم لم يُسمع منذ سنوات: "تلك الفتاة، يارا، ليست بشرية عادية. إنها تحمل في عروقها دماً هجيناً قديماً، وهي المفتاح الأساسي لخريطة الكنز الأسطوري الذي يحمي سلالتنا من الانقراض." عقد
في مدينة أثينا باليونان، جلس إياد في زاوية معتمة من مقهى مهجور يتبادل الحديث بحذر شديد مع جاسوس من قطيع الألفا متغلغل منذ أشهر داخل مملكة الشياطين. كان الرجل متوتراً، عيناه تتحركان باستمرار نحو الأبواب والنوافذ."أستاروث لم يعد ينتظر"، همس الجاسوس بصوت خفيض متقطع. "جمع ملوك الظلام السبعة في قاعة الدم السوداء. يخطط لهجوم شامل خلال الاسابيع القادمة يريد الجوهرة والرمز معاً. يقول إن حاملة دم لونا هي المفتاح الأخير، وإن لم يحصل عليها فسيحرق المدينة كلها ليجدها. هناك خائن داخل القصر يرسل له مواقعكم بدقة... شخص قريب جداً من العائلة."قبل أن يرد إياد، شعر فجأة بوخز حارق في صدره كأنه سكين ملتهب. تملّكته دوخة عنيفة أفقدته توازنه تماماً. ارتجفت عيناه واتسعتا، ثم توهجتا ببريق أزرق خافت لثوانٍ معدودة قبل أن يعود إلى طبيعته وهو يلهث.في اللحظة نفسها تماماً، على بعد آلاف الأميال، كان ريان يحقق مع أحد المجرمين في غرفة الاستجواب بمركز الشرطة. فجأة ضربته موجة ألم غامضة اجتاحت رأسه كصاعقة. استأذن بسرعة وهرع نحو الحمام، وأسند يديه المرتجفتين على المغسلة وهو يسكب الماء البارد على وجهه. رفع نظره إلى الم







