Mag-log inفي سكون منزل بيان، غرق آدم في نوم ثقيل كأنه يهرب من العالم.
راقبته يارا بهدوء ثم انسحبت كظلال الليل. مرت ليلتان بطيئتان كحلم مزعج، حتى انفجر الباب في الليلة الثالثة. دخل ريان بخطوات واثقة كالموت نفسه، بدلته القاتمة تبتلع الضوء وحارساه خلفه كشبحين صامتين. تجمدت يارا، ظهرها يلتصق بالحائط البارد، عيناها تشتعلان غضباً: «كيف وصلت إلى هنا؟!» خرجت بيان مرتجفة، دموعها تجري وهي تهمس بالخيانة: «نفوذهم لا يُقاوم... وعدوني ألا يمسوا آدم». انفجر غضب يارا كبركان، اتهمتها ببيع الصداقة بأبخس الأثمان. تقدم ريان بهدوء قاتل: «آدم بأمان تحت حمايتنا... انزلي باختيارك أو بالقوة». رفعت يارا رأسها بتحدٍ ناري: «سآتي... لكنني سأحرق جحرتكم من الداخل!» في السيارة الفاخرة التي كانت تخترق ظلام الليل بسرعة جنونية، لم تكن يارا جالسة في الخلف، بل جلست إلى جانبه في المقعد الأمامي مباشرة. عمّ صمت ثقيل ومكهرب أرجاء المقصورة، قبل أن يضغط ريان على المكابح فجأة ويتوقف في زاوية مظلمة ومنعزلة على جانب الطريق. التفت إليها ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ومستفزة، ثم أخرج من جيب معطفه ملفاً طبياً رسمياً يحمل ختماً بارزاً لعيادة نفسية شهيرة، ووضعه أمام عينيها على لوحة القيادة. حدقت يارا في الملف بتهكم وحرقة واضحة: — ما هذا العرض السخيف الآن؟ هل جلبتني إلى هنا لتؤلف لي قصة جديدة؟! تحدث ريان بصوت هادئ، عميق، ومدروس بعناية تامة، متقمصاً ومؤكداً لها تماماً ما كانت تظنه: — أنتِ لم تكتشفي شيئاً بعد يا يارا... أنتِ محقة تماماً في كل شكوككِ. أنا... أعاني فعلاً من اضطراب الهوية الانفصامي الحاد. اتسعت عينا يارا بذهول حقيقي صدم حواسها. واصل ريان حديثه بنبرة هادئة ومرعبة وهو يفتح الملف أمامها: — انظري بنفسكِ. تقرير طبي رسمي. ثلاث شخصيات مختلفة تسكن هذا الجسد الواحد يا يارا... الشخصية الهادئة واللطيفة التي تراقب وتصمت وتأخذكِ باللين... والشخصية القاسية والمرعبة التي تدمر كل شيء بلا رحمة... وأحياناً الشخصية اللعوب التي تضحك وتمازح وكأن العالم مجرد لعبة. تلك اللحظات التي ترينني فيها أتغير فجأة... لم تكن تمثيلاً. كانت سيطرة لشخصية أخرى لا أملك القدرة على كبحها دائماً. اقترب منها أكثر داخل مساحة السيارة الضيقة، وانخفض صوته هامساً بحرارة غريبة: — لهذا أبدو أحياناً كطبيب يداويكِ، وأحياناً كوحش يتربص بكِ، وأحياناً كمن يلعب بأعصابكِ. هذا مرضي العضال، وهذا الملف يثبت كلامي بالحرف. وإن كنتِ تريدين حقاً معرفة الحقيقة الكاملة عن والدكِ، وعن كل الأسرار المظلمة التي أخفيها عن العالم... فتعالي وابحثي بنفسكِ داخل خزنتي الخاصة في القصر. كوني هناك تحت حمايتي المباشرة، ولنرى إن كنتِ قادرة حقاً على كشفي. شعرت يارا بأن عقلها يكاد ينفجر من شدة التناقض. الكذبة التي زرعتها بنفسها في بداياتها، أصبحت الآن "حقيقة دامغة" أمامها بلسانه واعترافه الرسمي. برودها انكسر للحظة خوف حقيقي، لكنها رفضت أن تظهر ضعفاً أمام عدوها: — ولماذا أصدقك الآن بهذه السهولة؟ — لأنكِ رأيتِ التغيرات بنفسكِ وعشتها. ولأن الملف الطبي أمام عينيكِ. ولأن آدم باقٍ تحت حمايتنا طالما أنتِ داخل جدران قصري. إن رفضتِ... فسأعود بكِ بالقوة، وأضمن لكِ ألا تريه مرة أخرى طوال حياتك. صمتت ثوانٍ طويلة ممتدة، قبل أن تقول بصوت خشن مقطوع: — أقبل... لكن إن كذبت عليّ مرة أخرى، فسأحرق كل شيء في طريقكم حتى لو احترقت معهم! ابتسم ريان ابتسامة باردة ومظلمة. وفي اللحظة التي اقترب فيها وجهه منها لمسافة قصيرة أثناء سحب يده، داهم أنفه ذلك العبير الفريد والمجهول المنبعث من عطرها الطبيعي. توقفت أنفاسه فجأة وبشكل كامل. خفق قلبه بقوة جنونية ومفاجئة لم يعرفها طوال حياته القاسية. تراجع بسرعة كمن لسعته نيران مفاجئة، عدل ياقة قميصه بتوتر غير مبرر، وهمس لنفسه بذهول حارق: — تبّاً... ما هذا الجحيم الذي يجتاح صدري الفجأة؟! للمرة الأولى في حياتي ينبض قلبي بهذا الجنون لمجرد الاقتراب من امرأة... ما الذي تفعله بي هذه البشرية؟! بعيداً عن أضواء العاصمة وصخبها، وفي كوخ مهجور ومظلم تحيط به الأشباح، جلس نادر على ركبتيه أمام قبر قديم ومنسي لفته الأعشاب الضارة. وضع يده العارية على التراب البارد، وصوته مخنوق بندم عميق ومحرق: — مرّت سنوات طويلة يا أخي... وأنا أعيش في هذا الجحيم المستعر. أنا آسف... أشعر أن الوحدة تقتلني يوماً بعد يوم، سئمت هذه القسوة، سئمت المسؤولية اللعينتين اللتين طوقتا عنقي، وسئمت كره عائلتي لي... أنا القاتل. أنا السبب في موتك. لم أكن أقصد أبداً أن أوقعك من تلك النافذة العالية وأنت طفل صغير بريء... ليتني كنت مكانك. ليتني مت معك أنت! انهمرت دموعه بصمت حارق على التراب. وفي ذات اللحظة، داخل مكتبة المخطوطات المحرمة في أعماق قصر آل فارس، كان إياد يحمل قلماً دقيقاً ويرسم بحذر شديد الرمز الغامض الذي رصده على ظهر يارا سابقاً. مرر أصابعه المرتجفة على الحروف والطلاسم القديمة، ثم اتسعت عيناه فجأة بصدمة بالغة وهو يقرأ المقطع الأخير من المخطوطة: > «... وحين يختلط دم سلالة الظلام بنقاء البشر، يخرج نسل هجين يحمل طاقة الجحيم والنور معاً... ووالد تلك الفتاة لم يكن بشرياً خالصاً، بل سريان من دماء الشياطين القديمة.» سقط القلم من يده المرتجفة وارتطم بالأرض الخشبية. رفع رأسه ببطء شديد وهمس بذهول يكاد يجمّد دمه: — إذن... هذا هو السر الخطير. والد يارا كان نصف شيطان! في قاعة خانقة تفوح منها رائحة الأسرار، استقبلت لولا يارا بصوت مرعب: «أهلاً بكِ يا ابنة الدم المختلط... عدتِ بنصف الحقيقة فقط، والنصف الآخر أشد ظلمة مما تتخيلين!» تقدمت يارا بحذر: «وما هذا النصف؟» ابتسمت لولا ابتسامة غامضة ومدت يدها العجوز: «ينتظرك في الطابق السفلي الممنوع... هناك ستفهمين لماذا لم ينم أحد في هذه العائلة منذ مئة عام، ولماذا تظهر على وجوهنا وجوه غريبة لا نعرفها!»تخبطت الأنفاس في صدر يارا، وانعقد لسانها وهي تقف وسط صالون القصر الكبير. النظرات المتبادلة بين إياد ونادر كانت تحمل طابعاً ثقيلاً من الإنكشاف التام. لقد انتهت تمثيلية الانفصام الأبدي، وسقطت أوراق التوت عن حقيقة هذين الشقيقين، لكن المفاجأة الكبرى لم تكتمل فصولها بعد.تقدّم نادر بخطوات بطيئة، وقطب حاجبيه بقسوة بالغة بينما يقطر شعره بماء المسبح. وقف أمامها مباشرة، وابتسامته الساخرة والباردة تزيد من اشتعال غضبها:— "أهكذا تترجمين امتنانك لأن أخي أنقذ حياتك من الغرق قبل قليل؟ أم أن صدمة الحقيقة جعلتك تفقدين ما تبقى من عقلك الصغير يا يارا؟!"ردت يارا بصوت يقطر احتقاراً وغلًا، وهي ترمقه بنظرات حارقة:— "امتنان؟! لك أنت؟! كنت أتمنى لو أنك ابتلعت كل ماء المسبح ومت غرقاً لتريح هذا القصر من سمومك وشرورك يا نادر! كنت أظنك مريضاً فأشفق عليك، لكنك لست سوى مسخ متكبر ووضيع يتلاعب بمشاعر الآخرين!"اشتعلت عينا نادر بغضب أعمى، ورفع يده المبللة بقسوة مهدداً إياها، لكن إياد تدخّل في اللحظة الحاسمة، وأمسك بمعصم أخيه بحدة، ووجهه ممتلئ بالصدمة والألم العظيم:— "كفاكما جنوناً! ألا يكفي ما نمر به من انهيار عائ
رفعت يدها بكل ما تحمله من قهر وغضب مكبوت، وهوت بصفعة مدوية على وجهه. طبعت أثرها واضحاً تحت ضوء المصابيح الخافتة، وارتجفت أصابعها وهي تقول بصوت يشبه فحيح أفعى جريحة: — «أنت وحش حقاً… وكل يوم تثبت لي أنك القاتل الحقيقي لأبي. أقسم أنني سأقتلك بيدي هاتين عندما تسنح لي الفرصة، ولن أتردد لحظة واحدة.» لم يتحرك ريان من مكانه. أدار وجهه ببطء، وابتسامة استهزاء ساخرة ومستفزة ارتسمت على شفتيه، ليرد بصوت بارد كالصقيع: — «ضربة مذهلة من دمية ظنت أنها فهمت اللعبة… لكن احذري يا يارا. كلما رغبتِ في الانتقام، وجدتِ نفسكِ مجبرة على الغرق في أعماقي أكثر فأكثر. والغرق هنا… لا يرحم.» استدار بخطوات بطيئة واثقة وغادر المكان، تاركاً إياها تشتعل غضباً وحرقة في منتصف الحديقة الصامتة. في الجناح الطبي المظلم، إياد جالساً على حافة السرير الأبيض. يمسك بيدي الجدة الشاحبتين النائمتين ويضعهما بين كفيه المرتجفتين كأنهما آخر خيط يربطه بالحياة. همس بصوته مكسور: — «استيقظي يا جدتي… أرجوكِ افتحي عينيكِ ولا تختفي عنا أنتِ أيضاً. لقد ذهب أبي… وفقدنا استقرارنا في دوامة الصراعات. وإذا فقدتكِ أنتِ، فلن يبقى لهذا القصر أي
رن الهاتف المحمول بصوت مزعج في يد إياد بينما كان يقف بجانب يارا تحت أطلال المعلم الأثري في اليونان. نظر إلى الشاشة، ثم رفع الهاتف وأجاب بنبرة متجهمة: — "ما الأمر؟" جاء صوت الحارس من القصر من الطرف الآخر مكسوراً ومرتجفاً: — "سيدي إياد... عليك العودة فوراً! الجدة... لقد سقطت مغشياً عليها ونقلت للعناية المركزة في حالة حرجة للغاية!" اتسعت عيناه إياد بذهول، وسقط الهاتف من يده لثوانٍ قبل أن يلتقطه بقوة، وهتف بصوت شاحب: — "ماذا تقول؟! كيف سقطت؟!" — "أزمة قلبية حادة... والسبب... السبب هو ما فعله نادر !" صاح إياد بغضب هستيري: — "ما الذي تفوه به؟! ماذا فعل اللعنة؟!" — "لقد... لقد شن هجوماً دموياً طائشاً ومباغتاً على قطيع طارق الحوراني والمافيا بمفرده دون علم أحد، وقد طرده السيد نواف ومجلس القطيع للتو من منصبه ومن شركة الشحن!" صعق إياد وصرخ بجنون: — "يا الاهي كيف يفعل هذا ...تبا أغلق إياد الهاتف بحدة، ووجهه مصدوم وشاحب بالكامل. ركضت نحوه يارا بملامح قلقة، وسألته بلهفة: — "نادر! ماذا هناك؟ لماذا تغيرت ملامحك هكذا؟" — "يجب أن نعود إلى القصر فوراً يا يارا... الجدة... الجدة طريحة الفرا
مضى شهر كامل على رحيل يارا عن قصر آل فارس. في بلدة ريونية الساحلية الهادئة على ضفاف بحر اليونان، اختبأت بين أزقة التاريخ والحجر العتيق. كرست أيامها لفك شيفرات الوشم الذهبي على ظهرها، تتنقل بين المخطوطات والخرائط كمن يطارد شبح أمها.في تلك الأمسية، جلست على طاولة خشبية قديمة في شرفتها المطلة على الأفق المظلم. ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المتعب، والمرآة الصغيرة أمامها تعكس رموز الوشم كأنها تهمس بأسرار لا تريد أن تُكشف.قاطع السكون صوت مألوف، دافئ، ومحمل بشيء أعمق من مجرد الفضول:— «الرمز الثالث لا يُقرأ هكذا يا يارا… أنتِ تنظرين إليه من الزاوية الخطأ.»رفعت رأسها بفزع. إياد يقف مستنداً إلى عتبة الباب، ملامحه الوسيمة هادئة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أيام.تصلبت في مكانها:— «نادر؟! كيف عرفت مكاني؟ ولماذا ظهرت فجأة كأنك خرجت من الظل؟»تقدم بخطوات بطيئة مدروسة، وجلس على الكرسي المقابل لها دون أن يطلب إذناً. نظراته لم تفارق وجهها لحظة— «أرهقتُ قلبي شهراً كاملاً وأنا نبحث عنكِ. عائلة آل فارس قلبت الأرض بحثاً عنكِ، لكنني وحدي استطعت تتبع أثر طاقة الوشم… لأنها مرتبطة بنا. أكثر مما ت
فتحت يارا عينيها ببطء شديد وسط عتمة غرفتها الساكنة. استوت جالسة بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط كأن أمواجاً لا تزال تضربه من الداخل. رفعت يدها المرتجفة تلمس كتفها وذراعيها، فشعرت بآثار ملوحة لزجة تلتصق ببشرتها وثيابها. تسلل الرعب إلى عروقها كسمٍ بارد. لم يكن كابوساً. كان واقعاً يقطر ملوحة البحر ودم المرآة.نهضت بخطوات مترنحة ودخلت الحمام. اصطدم بصرها مباشرة بالكتابة الدموية القاتمة على الزجاج: «ابنة لونا». العبارة لا تزال واضحة كجرح مفتوح. أدركت بجنون أن رحلتها إلى قاع البحر وتلك المرآة الشيطانية لم تكن وهماً، وأن عالمها انقلب إلى الأبد.اغتسلت بسرعة كمن يحاول غسل الحقيقة نفسها، ثم ارتدت ملابسها وفتحت الباب. فاجأها إياد واقفاً هناك بملامح قلقة، كأنه حارس ليل لم ينم.رمقته باستهزاء مرير وقالت بصوت مشحون:— «لا تلمسني. ولا تقترب مني بألاعيبكم الماكرة. لست في مزاج لأي تمثيلية سخيفة اليوم.كل تقدم خطوة واحدة فقط، ونبرته متوسلة لكنها حازمة:— «يارا… أرجوكِ اسمعي. لدي معلومة ستغير كل شيء تعيشينه الآن.»— «قلت لك توقف! لا أريد شيئاً منكم. أين الجدة؟ أريد مقابلتها الآن.»لم يستمع. أمسك بمعصمها برفق
وقبل أن يكمل إياد لومَه على نفسه، صدح صوت أجش وبارد من خلفه مباشرة، يحمل نبرة استهزاء مستفزة كأنها سكين تُغرس في الظهر:— «وما الذي يزعجك إلى هذا الحد يا إياد؟ دعني أراهن أنك مأخوذ بما يفعله هناك في الماء.»التفت إياد مفزوعاً ليجد نادر يقف خلفه بملامح جامدة وذراعين مكتوفتين على صدره، يتابع المشهد بعينين تمتلئان بالازدراء البارد. تابع نادر بتهكم وهو يرمق المسبح:— «دعه يستمتع بتلك المعتوهة! بصراحة... كنت سأستمتع بها ليلتها لو لم أتردد في اللحظة الأخيرة، رغم أنني وجدتها مملة ولا تستحق كل هذا العناء. جسدها جميل، لكن عقلها فارغ.»تشنجت عضلات وجه إياد من هول الكلمات، واشتعل الدم في عروقه غضباً، فالتفت إليه بحدة:— «أنت لا تعرف شيئاً يا نادر! إياك وأن تتحدث عنها بهذه الطريقة الوضيعة مجدداً!»ابتسم نادر ببرود مستفز، ثم اقترب وهمس بنبرة سامة:— «أنصحك ألا تقع في غرام هذه الفتاة يا أخي... ألا تتعظ؟ هل تريد أن نقع مرة أخرى في نفس حفرة ليلى وندمر أنفسنا من جديد؟»تطايرت الشرارات من عيني إياد، وفقد السيطرة، فدفع نادر بقوة من كتفه وصرخ:— «اخرس! لا تحشر ليلى في هذا الموضوع اللعين!»استدار إياد بغض







