LOGINلم تكن ليان تعلم أن الهدوء الذي بدأت تشعر به… كان مجرد استراحة قصيرة قبل عاصفة لا تشبه أي شيء مرّت به من قبل.
في ذلك الصباح، استيقظت وهي تبتسم دون سبب واضح، لكنها كانت تعرف جيدًا من يقف خلف هذا الشعور. سيف لم يعد مجرد اسم في حياتها، بل أصبح حضورًا ثابتًا، فكرة لا تغيب، وصوتًا يتردد داخلها حتى في لحظات صمتها. لكن في مكان آخر…كان هناك من عاد بعد اربعة سنوات من دراسة البكالوريوس في امريكا تخصص اقتصاد في منزل عائلة الزين – مدينة النهر صوت الباب الكبير يُفتح ببطء، وخطوات خفيفة تدخل المكان وكأنها تعرفه جيدًا، وكأنها لم تغب عنه يومًا. وقفت أمام المدخل، عيناها تتجولان في التفاصيل، الجدران، السلالم، رائحة المكان… " اشتقت " قالتها بصوت منخفض. " روان " صوت نجوى الزين جاء من الداخل، مليئًا بالدهشة، ثم تحوّل إلى فرح واضح وهي تقترب بسرعة. " روان! متى عدتِ؟ ولماذا لم تخبرينا؟ " ابتسمت الفتاة برقة، وارتمت في حضنها: " أردت أن أفاجئكم." نجوى أمسكت وجهها بحنان: " كبرتِ… لكنكِ ما زلتِ كما أنتِ." همست روان: " انا لم أتغير… أنا فقط عدت إلى بيتي." دخل سيف المنزل، وهو يراجع رسالة على هاتفه، لكنه توقف فجأة عندما رأى المشهد أمامه. نجوى تبتسم… وفتاة تقف بجانبها. رفع نظره ببطء… وتجمّد. " روان؟" التفتت إليه فورًا، عيناها لمعتا، وابتسامتها اتسعت بشكل صادق… أو بدا كذلك. "سيف… " قالت اسمه وكأنها لم تنطقه منذ سنوات، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة تحديدًا. اقتربت منه دون تردد، ثم احتضنته. لحظة قصيرة… لكنها لم تكن عادية. سيف لم يبادلها الحماس نفسه، لكنه لم يبعدها أيضًا. " متى عدتِ؟"سألها بهدوء. " اليوم… ولم أستطع أن أبقى بعيدًا أكثر." ابتعدت قليلًا، نظرت إليه بتركيز، ثم قالت بنبرة خفيفة: " اشتقت لك." سيف اكتفى بابتسامة بسيطة: "أهلاً بعودتك." لكن عينيها… لم تكن تبتسمان فقط. كانتا تراقبانه. تدرسانه. وكأنها تبحث عن شيء تغير فيه. في المساء... جلسوا جميعًا على مائدة العشاء، الأحاديث تدور، الضحكات خفيفة، لكن روان كانت هادئة أكثر من اللازم. تراقب....تستمع ثم قالت فجأة: " سيف، يبدو أنك مشغول جدًا هذه الأيام." نظر إليها: " العمل… كالمعتاد." ابتسمت بخفة: " أم أن هناك شيء آخر يشغلك؟" نجوى تدخلت بلطف: " روان، دعيه يأكل أولًا." لكن روان لم ترفع عينيها عنه. "فقط أسأل… لأنك تبدو مختلفًا." سيف لم يجب فورًا... ثم قال: " كلنا نتغير." ابتسمت… لكن هذه المرة ابتسامتها كانت أبطأ: " ليس عني." الصمت الذي تلا جملتها لم يكن مريحًا. في نفس الوقت في مدينة النسيم... كانت ليان تسير بجانب ياسمين، تتحدثان عن أمور عادية، لكن فجأة توقفت ليان. "ما بكِ؟" سألتها ياسمين. ليان وضعت يدها على صدرها بخفة: "لا أعرف… شعرت بشيء غريب." "مثل ماذا؟" " لا اعلم " ياسمين ضحكت: " هذا لأنك وقعتِ في الحب." لكن ليان لم تضحك. قالت بهدوء: "لا… هذا مختلف." في منزل الزين... وقفت روان في الشرفة، تنظر إلى أضواء المدينة، بينما سيف كان يستعد للمغادرة. "ستخرج؟" "نعم، لدي بعض الأمور." التفتت إليه، ثم سألته فجأة: " هل هناك فتاة في حياتك؟" السؤال كان مباشرًا. سيف توقف. نظر إليها، ثم قال بهدوء: " لماذا تسألين؟" اقتربت خطوة، صوتها أصبح أخفض: " لأنني أعرفك… وعندما تتغير هكذا، يكون هناك سبب." صمت للحظة… ثم قال: "نعم." كلمة واحدة. لكنها كانت كفيلة بكسر شيء داخلها. لم تُظهر ذلك فورًا. فقط ابتسمت. " افهم…" لكن أصابعها… كانت مشدودة. وقلبها… لم يكن هادئًا. "هل تحبها؟" نظر إليها مباشرة: " نعم " وهنا… اختفت الابتسامه ببطء. قالت بصوت هادئ جدًا: "لكن… أنت لي." سيف عقد حاجبيه: " ماذا؟" اقتربت أكثر، عيناها لمعتا بشيء جديد، شيء لم يكن براءة هذه المرة. " انا تربيت هنا… معك… لأجلك." " روان… قاطعته: " انت وعد… وأنا لا أنسى وعودي." الصمت كان ثقيلًا. سيف لم يعجبه ما يسمع. قال بوضوح: " أنا لم أعد ذلك الطفل يا روان." ابتسمت… لكن هذه المرة كانت ابتسامة مختلفة تمامًا. "وأنا لم أعد تلك الطفلة أيضًا."ضغط لوتشيانو زر المصعد بحدة مكتومة ثم وقف ينتظر وصوله بينما كانت ملامحه لا تزال بهدوء بارد و خلفاه غضب مشتعل وما إن انفرج الباب المعدني حتى دخل بخطوات ثابتة وأغلقه خلفه، ثم رفع يده ببطء وبدأ يفك الزرين العلويين من قميصه الأسود الفاخر وكأنه يحاول منح نفسه بعض الهواء. ارتفع وهبط صدره ببطء ثم استند بكفه على المرآة الواسعة التي غطت أحد جدران المصعد ونظر إلى انعكاس صورته. كانت عيناه الداكنتين تتّقدان شراراً مخيف و عضلات فكه مشدودة بقوة حتى كادت تبرز من تحت بشرته. أما أنفاسه فقد أصبحت أضيق مع كل ثانية تمر و شعر برغبة عارمة في تحطيم شيء ما....أي شيء. لكن أصابعه انقبضت فوق حافة المرآة بقوة قبل أن يغمض عينيه ويتمتم بصوت خافت: "ليس الآن يا لوتشيانو....ليس بعد." أطلق زفرة عميقة طويلة ثم اعتدل في وقفته قبل أن يصل به المصعد إلى الطابق الأرضي. انفتح الباب أخيراً فخرج منه بهدوء لا يوحي بشيء مما يعتمل داخله. واتجه مباشرة نحو سيارته السوداء الفاخرة المتوقفة أمام المبنى، تلك السيارة التي استأجرها منذ وصوله إلى مدينة النهر من أحد أشهر معارض السيارات فيها. كانت مدينة النهر مألوفة له ب
جلست ليان إلى جوار سيف داخل السيارة، بقيت ملامحها هادئة على غير عادتها، كانت لا تزال غارقة في ليلة أمس، أما سيف فقد ظل يراقبها للحظات قبل أن يمد يده نحوها ويلتقط كفها بين أصابعه، ثم رفعها إلى شفتيه وطبع قبلة دافئة فوقها دون أن يرفع عينيه عنها. ارتجف قلب ليان، بينما قال هو بصوت منخفض أجش: "موعد الإفطار هذا جاء في توقيت مزعج للغاية." التفتت إليه باستغراب، وقد ارتفعت عيناها الواسعتان نحوه بعفوية جعلت ابتسامته تتسع أكثر، ثم سألته بهدوء: "ولماذا تراه مزعجاً؟" أرخى سيف ظهره إلى المقعد، ثم أنزل يدها برفق وهو يعبث بأصابعها الناعمة ثم رفع يده الأخرى نحو وجهها ويمرر إبهامه فوق وجنتها بحنان: "لأنني لم أحصل على فرصة كافية للحديث معك." تسارعت نبضات قلبها دون إرادتها.... فاقترب سيف و هو ينظر الى وجهها البريء: "منذ الصباح وأنتي تهربين من النظر إلي...لم اسألك عن ليلة أمس .. هل آلمتك؟" ازدادت حمرة وجنتيها فوراً، فأشاحت بوجهها نحو النافذة محاولة إخفاء ارتباكها، لكنها لم تنجح فهمست: " قليلاً " ضحك سيف ثم اقترب منها اكثر و جعلها تلتفت بوجهها اليه حتى اختلطت انفاسهم ولمس جبينها بجبينه، وقال بص
في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تتسلل عبر نوافذ المبنى الفاخر عندما دوّت طرقات متلاحقة فوق باب شقة ماتيو، طرقات سريعة وعصبية أوحت منذ اللحظة الأولى بأن صاحبها لا يملك ذرة واحدة من الصبر.تململ ماتيو بانزعاج قبل أن ينهض من فراشه متثاقلاً، ثم اتجه نحو الباب وفتحه بعينين نصف مغمضتين من أثر النوم، وما إن وقعت عيناه على الزائرة حتى انعقد حاجباه وقال بصوت منخفض خشن:"ما الذي جاء بكِ إلى هنا منذ الصباح الباكر يا ليلى؟"لكن ليلى لم تبدِ أي اهتمام بسؤاله، بل تجاوزته مباشرة ودفعته جانباً ودخلت الشقة بخطوات سريعة.زفر ماتيو بضيق وأغلق الباب خلفها دون أن ينتبه هو ولا ليلى إلى ذلك الظل الطويل الذي كان يتبعها منذ خروجها من منزلها.كان لوتشيانو.وقف في نهاية الدرج من الاعلى الذي يقود الى الممر الذي انفتح فيه باب المصعد وعيناه تراقبان الباب المغلق ببرود قاتل، لكنه ما إن سمع صوت ماتيو حتى تبدلت ملامحه فجأة، واشتد التوتر في فكه حتى برزت عضلاته بوضوح.لقد ظن أنه مستعد لكل شيء إلا أنه لم يكن مستعداً لهذا.أطبق أسنانه بقوة ثم صعد بخطوات ثقيلة، وكأن الغضب وحده كان يدفعه إلى الأعلى.لكن قبل أن يصل إلى
أغلق سيف باب غرفة الاستحمام خلفه حتى اندفع نحو المياه الباردة وكأنها طوق النجاة الوحيد القادر على انتشاله من ذلك الاضطراب الذي اجتاحه، فوقف تحت اندفاع الماء محاولاً اطفاء حرارته، بينما كانت قطرات الماء تنساب فوق كتفيه وشعره الداكن دون أن تنجح في إخماد الرغبه التي كانت تشتعل داخله شيئاً فشيئاً. أغمض عينيه بقوة وزفر أنفاساً حارة وهو يسند كفيه إلى الجدار الرخامي أمامه، ثم مرر يده بين خصلات شعره المبتلة وأعادها إلى الخلف في محاولة يائسة لاستعادة سيطرته على نفسه و لكن بلا جدوى فقد كان ينتصب جسده بقوه وبعد دقائق طويلة أدرك أن البقاء تحت الماء لن يغير شيئاً، فغادر غرفة الاستحمام واتجه إلى غرفته الواسعة التي كان الهواء البارد يتدفق فيها من أجهزة التكييف، إلا أن ذلك لم ينجح في تهدئة ملامحه المتوترة ولا في تخفيف الاحمرار الذي بدأ يظهر فوق وجهه. في الأسفل كانت ليان قد انتبهت إلى غيابه المفاجئ، فبحثت عنه بعينيها بين الحاضرين قبل أن تتوجه إلى فارس وتسأله بقلق: "هل رأيت سيف؟" فأجابها بعد لحظة تفكير: "نعم، رأيته يدخل الفيلا منذ نحو ربع ساعة." ازداد قلقها أكثر، فاستأذنت منه واتجهت نح
ومع حلول نهاية الأسبوع، كانت الحديقة الخلفية الفاخرة في فيلا الزين تكتسي بأجواء هادئة على غير المعتاد، فلم يكن هناك صخب حفلات الزفاف الكبيرة ولا الأضواء الصاخبة التي اعتادت العائلات الثرية إقامتها، بل اقتصر الأمر على عدد محدود من المقربين والأصدقاء، بناءً على رغبة سيف الذي تعمد أن يبقي زواج روان بعيداً عن أعين الناس وألسنتهم، حتى لا تنتشر الأخبار سريعاً وتصبح حديث المجتمع. جلس الجميع فوق المقاعد الفاخرة المصطفة حول الممر الذي زينته الورود البيضاء، وكان هشام ورائد وفارس يتبادلون الأحاديث الخافتة، بينما جلست بسمة وياسمين ولارا بالقرب منهم، أما سيف فقد جلس إلى جانب ليان، ولم يكن يرفع عينيه عنها إلا ليعود وينظر إليها مجدداً، وكأن الأيام الماضية جعلته أكثر تعلقاً بها من ذي قبل، فيما جلست نجوى بصمت يكسو ملامحها التعب والحزن، وإلى جانبها دلال وزوجها كمال الراشد اللذان كانا يتابعان الاستعدادات بهدوء. ولم تمض دقائق حتى وصلت ليلى برفقة جيهان، فاتجهتا نحو المقاعد المجاورة لسيف وليان، وما إن جلستا حتى شعرت ليان بذلك الضيق الخفي الذي كان يزورها كلما وجدت ليلى بالقرب منه، ورغم أنها حاولت أل
كان الشوق المشتعل في عينيه الحادتين أكثر وضوحاً من أي شيء آخر، ابتسم سيف ابتسامة صغيرة فيها الحنين والألم وهمس بصوت خافت مرتجف: "لياني..." ارتعشت شفتيها الجميلتان دون إرادة منها، بينما همست بعدم تصديق وقد انعكس الذهول على وجهها الناعم: "سيف...؟!" ثم استعادت شيئاً من تماسكها وسألته بثبات رغم رجفة قلبها العنيفة: "ما الذي جاء بك إلى هنا؟" تأملها سيف للحظات طويلة وكأنه يروي ظمأ روحه من مجرد النظر إليها، ثم قال بصوت يحمل من الشوق ما يكفي لإذابة أقسى القلوب: "جئت لأنني أحبك يا ليان، ولأن فكرة أنك تتألمين وحدك بينما أبقى بعيداً عنك كانت أمراً لا أستطيع احتماله، جئت لأنني لا أعرف كيف أعيش بينما أنت غاضبة مني." شعرت ليان بأن قلبها يخونها، فحاولت بسرعة إغلاق الباب في وجهه خوفاً من ضعفها أمامه، إلا أن سيف وضع قدمه مانعاً الباب من الانغلاق، ثم نظر إليها بعينين متوسلتين وقال بحرقة: "لا تفعلي هذا بنا يا ليان، أرجوك... أعلم أنني أخطأت، وأعلم أنني أحرجتك، لكنني لم أخفِ عنك شيئاً لأنني لا أحبك أو لأنني أردت خداعك، بل لأن خوفي من خسارتك كان أكبر من قدرتي على التفكير بعقلانية." كانت ا
في صباح اليوم التالي، فتحت بسمة عينيها ببطء شديد بينما أشعة الشتاء الباهتة تتسلل عبر الستائر البيضاء إلى داخل شقتها الهادئة. بقيت للحظات مستلقية على السرير، وابتسامة صغيرة دافئة ترتسم فوق شفتيها وهي تتذكر ذراعي فارس حولها الليلة الماضية... رائحته... همساته... ونظرته التي جعلتها تشعر لأول مرة أن
جلست ليان على الأريكة بصمت غريب، بينما كانت أضواء مدينة النهر تنعكس خلف الزجاج الواسع فتغرق الشقة بوهج ذهبي دافئ.أما سيف، فكان يراقبها منذ دخولهما.يرى شرودها... وتوترها الذي تحاول إخفاءه خلف هدوئها.اقترب منها ببطء، وفي يده كأسَا نبيذ أحمر، ثم جلس بجانبها ومدّ أحدهما إليها قائلاً بصوت منخفض: حب
وقف فارس أمام باب شقة بسمة طويلًا، بينما الثلج يتساقط خلفه بصمت ثقيل، ويده ما تزال معلقة في الهواء قبل أن يطرق الباب. كان مترددًا... وكأن خلف هذا الباب شيئًا قادرًا على تغيير كل ما حاول الهروب منه. أغمض عينيه للحظة ثم طرق الباب أخيرًا. وبعد ثوانٍ قصيرة... فُتح الباب. وتوقفت أنفاسه. ظهرت بسمة
بعد منتصف الليل بقليل، بدأت أجواء الحفل تهدأ تدريجيًا، وخفتت الموسيقى الصاخبة لتتحول إلى ألحان ناعمة تختلط بصوت الرياح الشتوية خلف الجدران الزجاجية العالية.في الخارج، كان الثلج يهطل بكثافة أكبر، حتى اختفى الساحل بالكامل خلف الضباب الأبيض، وكأن العالم انعزل عنهم في تلك الليلة وحدها.أما داخل القاعة







