بيت / الرومانسية / أقرب مما ينبغى / مواجهة الغرفة المغلقة

مشاركة

مواجهة الغرفة المغلقة

last update تاريخ النشر: 2026-07-11 16:29:13

تسمّرت عينا رانيا على اسم "آسر" المكتوب بخط بارز في نهاية عقد الشراكة. للوهلة الأولى، شعرت بضربة في منتصف صدرها، وكأن الماضي بذكرياته الثقيلة يتسلل مجدداً عبر أوراق رسمية. لكنها أخذت نفساً عميقاً، وأغلقت عينيها لثانية واحدة، ثم فتحتهما بتصميم جديد.

تمتمت بصوت خفيض وهي تحدق في الأوراق:

– "أنا هنا عشان أثبت نفسي وشطارتي، مش عشان أفتكر حد نساني ولا همني وجوده!"

ركزت ذهنها واستجمعت ذكاءها الفطري، وبدأت تقرأ البنود بعين فاحصة. وخلال أقل من ساعة، اكتشفت المفاجأة! لم تكن فريدة تبحث عن إحراجها بالوقت فقط، بل إن آسر بصفته ممثل شركة "الماس" كان قد وضع بنداً ملغوماً يضمن لشركته نسبة أرباح إضافية في حالة الأزمات، وهو بند لم ينتبه له قطاع القانونية سابقاً.

ابتسمت رانيا ابتسامة انتصار غير متوقعة، وقالت بتلقائية وهي تعدل صياغة البند:

– "والله برافو يا آسر.. فخ جميل، بس وقعت مع اللي هيفكك لك القنبلة دي ويردها في وشك!"

في تمام الساعة العاشرة صباحاً، فتحت رانيا باب قاعة الاجتماعات الكبرى بثبات. كان الجميع قد اكتملوا؛ يجلس كريم على رأس الطاولة بهيبته المعتادة ونظراته الثاقبة، وإلى جواره حسام، وعلى الطرف الآخر آسر بابتسامته الواثقة، بينما كانت فريدة تجلس وهي تضع قدماً فوق الأخرى وتنتظر اللحظة التي تتعثر فيها رانيا.

وقفت فريدة ونظرت لساعتها، ثم قالت بنبرة تهكمية مستترة:

– "أهلاً يا رانيا.. أظن ساعتين مكنوش كفاية لملف بالكتلة دي، لو معرفتيش تخلصيه عادي قوليلنا ونأجل العرض."

تقدمت رانيا بوقار هادئ، ووزعت النسخ المعدلة أمام الجميع، ثم نظرت لفريدة وابتسمت بثقة:

– "بالعکس يا فندم، الوقت كان كافي جداً.. والملف مش بس اتراجع، ده اتصلح فيه بلاوي كانت هتكلف الشركة ملايين!"

تغيرت ملامح فريدة فوراً، بينما اعتدل كريم في جلسته وشخصت عيناه نحو رانيا باهتمام بالغ. تنحنح آسر وقال بنبرة هادئة يحاول بها إرباك رانيا واستصغار حجمها أمام الحاضرين:

– "تعديلات؟ مع احترامنا للموظفة الجديدة، بس بنود العقد دي اتصاغت بواسطة خبراء قانونيين في شركتنا، وماظنش إن نظرة سريعة في ساعتين هتنقض شغلاً أخد أسابيع!"

التفتت رانيا نحو آسر مباشرة، ونظرت في عينيه بصلابة وذكاء حاد، ثم قالت بنبرة صوت واثقة ورزينة:

– "الخبراء بتوعكم يا أستاذ آسر نسوا -أو تناسوا- إن البند السابع بيدي شركتكم الحق في سحب الأصول في حالة الهبوط المالي، وده بند بيخلي شراكتنا معاكم زي اللي بيبني بيت على رمل! أنا أعدت صياغة البند بما يضمن حماية حصرية لشركة الفريدة، وده الشغل اللي أنا جاية أعمله هنا."

تبادل أعضاء مجلس الإدارة النظرات بذهول وإعجاب شديدين، بينما انقبض وجه آسر تماماً واختفت ابتسامته المعتزة بنفسه، وتحول وجه فريدة إلى الصفرة من الصدمة. أما كريم، فقد ظل صامتاً يراقب رانيا، وكان كبرياؤه ورزانته يخفيان إعجاباً جارفاً بشرارة ذكائها وشجاعتها في الحديث.

نقر كريم بأصابعه على الطاولة ببطء، ثم قال بصوت رجولي حاسم قطع به الذهول في القاعة:

– "تعديلات رانيا ممتازة، وهي البنود الرسمية اللي هيتم التوقيع عليها.. أو نلغي الشراكة فوراً. الاجتماع انتهى."

قام الجميع بالانسحاب، لكن بينما كانت رانيا تجمع أوراقها لترحل، اقترب آسر منها بخطوات خفيفة وقال بصوت خفيض وملغوم لم يسمعه غيرها:

– "برافو يا رانيا.. لسه ذكية وشاطرة زي زمان.. بس افتكري إن كريم الألفي مش هيسيبك تلعبي في ملعبه كتير لما يعرف السر اللي بيننا!"

وفجأة، قبل أن ترد رانيا، سمعت صوت خطوات كريم تقترب خلفها مباشرة، ثم قال بنبرة جافة وهادئة هزت أرجاء المكان:

– "سر إيه ده اللي بينكم يا آسر؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أقرب مما ينبغى   الفصل الأخير (عهد جديد)

    مرت الأشهر التالية كنسيمٍ دافئ يضفي سكينةً وطمأنينة على حياة كريم ورانيا. كانت تلك العواصف المتتالية التي عصفت بزواجهما وبأعمالهما بمثابة كير النار الذي صقل معدنهما، واختبار قاسي أزال كل الرواسب القديمة والظنون العالقة، ليعيد بناء علاقتهما على أرضية صلبة ومساحة واضحة من التفاهم الصادق، والاحترام المتبادل، والصراحة المطلقة التي لا تترك مكاناً للكبرياء الأعمى.في مقر "مجموعة كريم للإنشاءات والتطوير"، بدأت أعمال التنفيذ الفعلي لـ "مناقصة المعمار الكبرى" بخطوات واثقة وجدول زمني محكم. أظهر كريم قيادة استثنائية ورؤية هندسية نافذة في إدارة المشروع العملاق، وحقق توازناً مثالياً لم يشهده من قبل بين بيئة العمل الصارمة في شركته وبين الحفاظ على وقته الخاص وبيته مع زوجته. أدرك كريم أن النجاح المهني مهما بلغت أرقامه يظل ناقصاً وشاحباً ما لم يستند إلى بيث دافئ وقلب يشاركه الفرحة والتعب.أما السكرتيرة "نور"، فقد التزمت تماماً بالحدود الإدارية والجافة التي فرضها كريم عقب انتهاء أزمة أرض الصعيد والمناقصة. أدركت نور بذكائها وفراستها الأنثوية أن المساحات الثنائية والشرخ النفسي الذي كانت تتسلل منه بين كري

  • أقرب مما ينبغى   عاصفة المناقصة

    مرّت أيامٌ قليلة انغمس فيها كريم بكل طاقته في إعداد الردود النهائية لملاحظات لجنة التقييم الخاصة بمناقصة المعمار الكبرى. كان هذا المشروع هو الرهان الأكبر في مسيرته المهنية، ورغم الحصار النفسي والمعارك الجانبية التي خاضها في الأسابيع الماضية، إلا أن إغلاق ملف أرض الصعيد واستقرار بيته أمدّاه بقدرة عالية على التركيز وحسم التفاصيل المالية والهندسية.في صبيحة يوم جلسة البتّ المالي والفتح النهائي للمظاريف، كانت رانيا تقف معه عند باب الڤيلا قبل مغادرته. رتبت ياقة بدلته بلمسات ناعمة، وابتسمت له بنظرة تشع ثقة وأماناً:– "ركز في شغلك يا كريم.. أنت عملت كل اللي عليك وزيادة، وإن شاء الله النصر هيكون من نصيب شركتك."قبّل كريم يدها بامتنان دافئ وقال:– "دعواتك معايا يا رانيا.. النهاردة اليوم الحاسم بينّا وبين شركة طاهر جاد الله."في قاعة المؤتمرات الكبرى التابعة لوزارة الإسكان، كانت أجواء التوتر تسود المكان. جلس ممثلو الشركات الكبرى في صفوف متوازية، وكان طاهر جاد الله يجلس على بعد أمتار من كريم، يرتدي بدلة داكنة ونظراته تفيض بالترقب والشرارة. عندما التقت أعينهما، اكتفى كريم بهزة رأس رصينة دون أن تن

  • أقرب مما ينبغى   المواجهة فى أرض محايدة

    شرعت رانيا وكريم في ترتيب أوراقهما بمنتهى الدقة. كان العثور على أصل إيصال الفسخ الرسمي بين والد رانيا ووالد طاهر بمثابة القشة التي قصمت ظهر الابتزاز القانوني الذي مارسه طاهر؛ فلم يعد ثمة خيط واحد يمسك به لتهديد كبرياء عائلتها، أو تشتيت كريم عن مناقصة المعمار الكبرى.في صبيحة يوم الأحد، اتصل محامي عائلة رانيا بـ "الأستاذ فاروق" – محامي طاهر – وبلّغه بوجود المستند التاريخي الموثق، وطلب عقد اجتماع حاسم ونهائي في صالة الاجتماعات الخاصة بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة لإغلاق ملف أرض الصعيد رسمياً، وإلا ستصل البلاغات فوراً إلى النيابة العامة بتهمة الابتزاز والتزوير.في تمام الساعة الرابعة عصراً، كان كريم ورانيا يجلسان في القاعة الخاصة بالفندق. كانت رانيا ترتدي طقماً أنيقاً بلون رمادي دافئ "جريدج"، يعكس حضوراً مهاباً وهادئاً، وبجوارها كريم بكامل أناقته ورزانته الهندسية.دخل طاهر جاد الله برفقة محاميه فاروق، وعلى وجهه ابتسامة ثقة متصنعة حاولت التغطية على توتره. جلس طاهر وقال بنبرة تحاول الاحتفاظ بصلفها:– "أهلاً بكريم بيه ورانيا هانم.. أظن الدعوة دي معناها إننا نوصل لحل وسط يرضي جميع الأطراف."ن

  • أقرب مما ينبغى   تحركات تحت السطح

    مرّ أسبوعٌ كاملٌ سادت فيه الڤيلا حالة من الاستنفار الهادئ. كان كريم يواصل الليل بالنهار في شركته لمراجعة كراسة الشروط الخاصة بـ "مناقصة المعمار الكبرى"، تلك الصفقة التي ستحدد ملامح التوسع الجديد لمجموعته. وفي الوقت ذاته، كان الشك يساوره في أن ظهور "طاهر جاد الله" المفاجئ وعرضه الخيالي لشراء أرض الصعيد ليس سوى مناورة ذكية لإرباكه وتشتيت انتباهه عن تفاصيل المناقصة.من جانبها، لم تقف رانيا مكتوفة الأيدي؛ بل نسقت مع محامي العائلة لإرسال مندوب قانوني خاص إلى مسقط رأس والدها في الصعيد، بهدف فحص السجلات العقارية القديمة في المحكمة الابتدائية هناك، والتحقق من صحة العقود التي أخرجها طاهر.في صباح يوم الخميس، كانت رانيا تجلس في مكتبها الجديد بالتجمع الخامس، تراجع بعض المخططات الهندسية لفيلا جديدة استلمت تشطيبها. أضفى نجاح المكتب عليها رونقاً وثقة بالنفس، وجعلها تشعر بأنها تبني جداراً من الاستقلالية الحقيقية.قُطع تركيزها بدخول صديقتها "مي" وهي تحمل ملفاً صغيراً، والابتسامة تعلو وجهها:– "صباح الخير يا رانيا.. العميل بتاع ڤيلا الشروق وافق على التصاميم المبدئية كاملة، وطالب نحدد ميعاد التوقيع بكر

  • أقرب مما ينبغى   ظلال العرش القديم

    ساد صمتٌ ثقيل في أرجاء المكتب فور أن نطق طاهر بنبرته الهادئة الحادة. كانت عينان كريم تثقبان الشاب الشاب الجالس أمامه كصقر يترصد لخصمه؛ فالاسم "جاد الله" لم يكن اسماً عابراً في دنيا البيزنس والمعمار، بل كان يمثل واحدة من أكبر العائلات الاستثمارية في الجنوب التي حاولت مراراً اختراق سوق العاصمة وضرب مناقصات شركته في السنوات الأخيرة.التفت كريم ببطء نحو طاهر، واستند بذراعيه على الطاولة بثبات وقال بصوت خفيض يقطر بالحدّة والرزانة:– "أهلاً يا أستاذ طاهر.. بس أظن إن المقابلات التجارية اللي بالشكل ده بتكون أوراق وأرقام، مش ذكريات وأحلام قديمة. والد رانيا المرحوم عبد الرحمن بيه متوفي من سنين، وعيلته ليها ملكية مسجلة ومستقرة، فتقصد إيه بكلمة 'حق كان مفروض يرجع'؟"ابتسم طاهر ابتسامة خفيفة لم تصل لعينيه الجادتين، ونقل نظره ببراعة بين كريم ورانيا، متجاهلاً نبرة التحدي في صوت كريم:– "أهلاً بكريم بيه.. طبعاً عارف شغلك واسمك في السوق كويس. بس موضوع الأرض ده يخص عيلة 'عبد الرحمن' وعيلتنا بشكل مباشر. والدي الله يرحمه كان شريك مناصفة بعقود ابتدائية في قطعة الأرض الكبيرة دي قبل ما الظروف تتغير ووالد ران

  • أقرب مما ينبغى   ظلال من الصعيد

    ساد الصمت لثوانٍ عبر الخط، بينما كانت رانيا تحدق في الأوراق المفرودة على مكتبها الأنيق. أعادها كلام أحمد سنينًا إلى الخلف، إلى ذكريات قديمة حول والدها الراحل وأملاكه النائية في جنوب مصر، تلك التركة المعقدة التي طالما اعتبرتها العائلة ملفًا طواه الزمن ولا طائل من نبشه.سألت رانيا بنبرة فاحصة تشوبها الحذر:– "محامي مين يا أحمد؟ وده عرف رقمك منين أساسًا؟ والأهم من ده كله، ليه يطلب يقابلني أنا بالذات مش أنت بصفتك الراجل اللي ماسك أوراق العيلة؟"تنهد أحمد بقلق ظاهر وقال:– "أنا سألته نفس الأسئلة دي يا رانيا.. الراجل كلمني بأسلوب راقي جدًا ومحترف، وقال إن الموكل بتاعه مشتري جاد ومستعد يدفع عربون خيالي فورًا، بس شرطه الوحيد إن التفاوض والتوقيع يتم مع الشريكة الأساسية في التركة اللي هي أنتِ، بحجة إن اسمه وسمعته في السوق مش عايزهم يظهروا للعلن دلوقتي."أرجعت رانيا ظهرها إلى مقعدها الجلدي، وأخذت تقلب القلم بين أصابعها. كانت في بداية مرحلة استقرار مهني ونفسي، وبدأت تحصد ثمار نجاح مكتبها الجديد وتستعيد دفء زواجها مع كريم، ودخول سر جديد أو صفقة غامضة في هذا التوقيت بالذات جعل جهاز الإنذار الداخلي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status