LOGINجلست فيوليت أمام أليخاندرو بعد أن سحبت كرسيها الخشبي بهدوء إلى الأمام، لتقترب منه بشكل أكبر، مسهلةً بذلك عملية استيعابها للشرح المعقد وتجنب أي خطأ قد يستوجب عقاباً جديداً. بدأ أليخاندرو في الشرح المتقن بعد أن ارتدى نظارته الطبية الأنيقة التي أضفت على ملامحه مسحة من الوقار، ورفع أكمام قميصه الأبيض حتى مرفقيه، فبدا للناظر إليه وكأنّه لوحة فنية أبدعتها يد العناية الإلهية لتتجسد بكامل هيبتها وجمالها في الواقع المعيش.
*"تباً له.. أيتوجب عليه أن يكون بهذه الوسامة الطاغية حتى في أوقات العمل الصارمة؟! كيف لي أن أركز في قواعد الاقتصاد وشرح الصفقات الآن، وهل هذا وجه يُحتمل التركيز أمامه أساساً؟!"* تمتمت فيوليت في سرها، بينما كانت شارذة تماماً في تفاصيل ملامحه الحادة والمنحوتة بدقة.
لاحظ أليخاندرو سهوها وتشتتها الملحوظ، فطرق بيده القوية بقوة على الطاولة الفاصلة بينهما، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت أفكارها:
"انتبهي جيداً للكتاب يا آنسة.. الشرح الاقتصادي ليس مرسوماً على وجهي."مرت برهة قصيرة دون أن يبدأ في الشرح، بل أبقى عينيه الحادتين مسمرتين عليها بنظرات محذرة تزن كل حركة تصدر منها. سرعان ما استدركت فيوليت خطأها الفادح، فانتفضت في جلستها وقالت بصوت واضح ومضطرب:
"نعم يا سيدي، أعتذر.. سأنتبه بكامل تركيزي الآن."
أومأ لها ببرود مطلق، وأعاد تكرار ما شرحه لها سابقاً بتفاصيل دقيقة ومسهبة. ولم يكد يمضي وقت طويل حتى توقف أليخاندرو عن الشرح الفعلي، وأسند ظهره العريض إلى مسند الكرسي الفاخر، ثم أردف بنبرة جادة وحاسمة:
"حسناً، انتهى وقت التلقي، والآن سأطرح عليكِ بعض الأسئلة المباشرة وعليكِ الإجابة بدقة متناهية. وإذا عجزتِ عن الإجابة.. فسيكون هناك عقاب فوري لا رجعة فيه."
ما إن سمعت عبارته الوعيدية حتى أغمضت عينيها بيأس شديد وتمتمت بخفوت مرير: *"يا لي من سيئة الحظ، ألم يكفه عذاب الأيام الماضية؟"* لقد كانت مرعوبة حقاً من فكرة العقاب البدني بالمسطرة، لاسيما وأن بعض الفقرات كانت معقدة للغاية ولم تستوعبها بالكامل تحت ضغط التوتر. ولم يغب هذا الخوف عن بصيرة رئيسها الفاحصة؛ فهو يدرك تماماً متى تعجز عن الفهم، وكأنه يتعمد وضعها في مأزق متكرر ليدفعها إلى الاعتماد عليه وطلب المساعدة بنفسها:
"أولاً: تحدثي عما استوعبتِه وتوصلتِ إليه بخصوص هذه الصفقة بالتحديد."
أومأت فيوليت برأسها سريعا وبدأت تشرح باختصار ملوحة بيديها الاثنتين بلطف وعفوية اعتادت عليها منذ الطفولة كلما توترت. كان أليخاندرو شارداً مع حركات يديها الصغيرتين ونبرة صوتها الواثقة في نهاية الشرح، لكنه عاد سريعاً لطباعه الصارمة التي لا تعرف المجاملة:
"لماذا تُعقد صفقة ضخمة ومكلفة بهذا الشكل بين أفراد شباب وليس بين المديرين التنفيذيين لشركاتهم الكبرى؟"
تعمد طرح هذا السؤال تحديداً لأنه يعلم يقيناً أنها لم تستوعب مغزاه أثناء قراءة الصفقة. مرت لحظات صمت طويلة ومحرجة وهي تجول بعينيها الخضراوين في أرجاء المكتب بحثاً عن مخرج وهمي. تنهد أليخاندرو بعمق وافتعل التبرم، ثم سحب المسطرة الخشبية ببطء من على سطح مكتبه، وأردف ببرود قاطع:
"امسدي يديكِ للأمام."
تغيرت تعابير وجه فيوليت مئة وثمانين درجة، وكأن ملامحها تنطق قائلة: *"أتمزح معي حقاً؟! أهذا جاد في عقابي على سؤال تعجيزي لم تذكره في كتابك اللعين؟!"*
أغمض أليخاندرو عينيه محاولاً كبح ابتسامة خفيفة كادت تفلت منه، ثم أردف وهو يجز على أسنانه بحنق مصطنع: "يديِكِ يا فيوليت، لا تضيقي وقتي."
مدت يدها اليمنى ببطء وخوف شديد من القادم. وما هي إلا ثانية حتى دوى صوت المسطرة في أرجاء المكتب وهي تهبط بعنف مدروس على كف يدها الصغير.
"هذا يؤلم حقاً!" صرخت فيوليت بألم وهي تنفخ في كفها المحمر، وعيناها تلمعان بدموع حارقة أبت أن تنزل كبرياءً: "هذا عقاب لكي تسأليني فوراً حين لا تفهمين شيئاً بدلاً من الصمت المكابر." نظرت إليه بعينين طفوليتين باكيتين، وهي تلوي شفتيها للأسفل بإغواء بريء غير مقصود. تأمل أليخاندرو ملامحها البريئة وأقسم في نفسه أن أي شخص آخر كان لينفجر ضحكاً على شكلها الطفولي في هذه اللحظة.
"والآن.. لماذا فشلت الصفقة من الأساس قبل أن تكتمل؟" حدقت فيوليت في ملامح وجهه الجذابة والتي بدت عليها مسحة من الخبث والمكر وهو يبتسم لها بابتسامة جانبية مستفزة:
"لماذا تتعمد إلقاء أسئلة لا أعرفها؟ هذا ظلم واجحاف تام بحقي!"
ضحك عليها بسخرية وهو يلوح بالمسطرة في يده، مشيراً إليها بمد يدها مجدداً دون أن ينطق بحرف واحد.
"أنا آسفة حقاً، لن أكررها،" قالتها وهي تخفي يديها خلف ظهرها وتنظر إليه بعينيها الواسعتين متوسلة:
"هيا يا صغيرة، كفّي عن المماطلة.. يدكِ الأخرى."
مدت يدها اليسرى هذه المرة بعد أن التقت يمناتها احتفال الموت. أغمضت عينيها بقوة بانتظار العقاب الجديد.
وبعد مرور فترة على استكمال الشرح، لم يخلُ الأمر من عقوبات خفيفة ومتكررة، حتى أقسمت هي في سرها أن تلك الفقرة أصبحت فقرتها المفضلة في التعذيب والتوبيخ!
"هذا مؤلم جداً، أنت حقاً رجل شرير وقاسٍ ولا تملك قلباً،" تمتمت وهي تنفخ في كفيها المحمرتين وترمقه بنظرات حاقدة.
"أنتِ من تستحقين ذلك، في المرة القادمة كوني أكثر انتباهاً أثناء الشرح.. هاتي يديكِ."
نظرته باستغراب وشك من طلبه الغريب هذه المرة: "لا، ستضربني مجدداً بالمسطرة، أدرك ألاعيبك ولن أنخدع!"
ضحك أليخاندرو هذه المرة بصدق وبصوت جوهري مرح: "لن أعاقبكِ، أعدكِ بذلك."
مدت كفيها بتردد وصراع طويل بين عقلها وقلبها. وما فعله فاجأها حقاً؛ إذ أخذ يسكب بعض الماء البارد الملطف على يديها بحنان مفاجئ، وبدأ يفركهما بأصابعه الخشنة الدافئة:
"في المرة القادمة لن أتسامح معكِ أبداً إن تكرر الأمر،" أضاف بصوت رجولي خشن ودافئ وهو يحاط كفيها الصغيرتين بين كفيه الضخمتين. أما هي، فلم تجد ما ترد به وفضلت الصمت المطبق كي لا تخرب هذه اللحظة الأسطورية النادرة.
---
وفي مكان آخر بعيد عن هذه الأجواء، سار سام بخطوات واثقة ودلف إلى مكتب جوزيف الذي كان مستنداً إلى كرسيه بابتسامة ماكرة وشريرة:"أطلبت حضوري يا صديقي؟" سأل سام بفضول وهو يغلق الباب."أريد تأهيل وترويض قطة شرسة وجدتها في مكتب أليخاندرو."عقد سام حاجبيه بعدم فهم: "قطة؟ ترويض؟ عن ماذا تتحدث يا رجل؟" تحرك سام ليقترب من مكتبه ويركّز عليه. تنهد جوزيف بملل من كثرة استفساراته، ثم استقام في جلسته وأردف ببرود:"استأجر لي شخصاً ما، أريد أن أدّب فتاة هناك لتتخلى عن غرورها."اتسعت عينا سام بصدمة عارمة مما يسمعه من صديقه الذي يبدو أن الشر ينهش روحه تدريجياً؛ فهو لم يكن هكذا قط في السابق، لكن الغيرة العمياء من شقيقه أليخاندرو هي ما حولته إلى هذا الكائن المظلم: "أأنت جننت تماماً؟! هل ترغب في إيذاء فتاة بريئة لا ذنب لها؟!"نظر إليه جوزيف بضيق مبالغ فيه وقال بتهكم: "لم أقل قتل، لكنها ستتلقى درساً لا ينسى طوال عمرها.. هذا كل ما في الأمر لكسر شوكة أخي."يعلم سام أنه متواطئ معه في الكثير من الأمور، لكنه لا يستطيع مشاهدته وهو يغرق في هذه الصراعات الدموية المدمرة، فالأمر يتفاقم وعليه إيقافه قبل أن تبتلع عتمة ا
جلست فيوليت أمام أليخاندرو بعد أن سحبت كرسيها الخشبي بهدوء إلى الأمام، لتقترب منه بشكل أكبر، مسهلةً بذلك عملية استيعابها للشرح المعقد وتجنب أي خطأ قد يستوجب عقاباً جديداً. بدأ أليخاندرو في الشرح المتقن بعد أن ارتدى نظارته الطبية الأنيقة التي أضفت على ملامحه مسحة من الوقار، ورفع أكمام قميصه الأبيض حتى مرفقيه، فبدا للناظر إليه وكأنّه لوحة فنية أبدعتها يد العناية الإلهية لتتجسد بكامل هيبتها وجمالها في الواقع المعيش.*"تباً له.. أيتوجب عليه أن يكون بهذه الوسامة الطاغية حتى في أوقات العمل الصارمة؟! كيف لي أن أركز في قواعد الاقتصاد وشرح الصفقات الآن، وهل هذا وجه يُحتمل التركيز أمامه أساساً؟!"* تمتمت فيوليت في سرها، بينما كانت شارذة تماماً في تفاصيل ملامحه الحادة والمنحوتة بدقة.لاحظ أليخاندرو سهوها وتشتتها الملحوظ، فطرق بيده القوية بقوة على الطاولة الفاصلة بينهما، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت أفكارها:"انتبهي جيداً للكتاب يا آنسة.. الشرح الاقتصادي ليس مرسوماً على وجهي."مرت برهة قصيرة دون أن يبدأ في الشرح، بل أبقى عينيه الحادتين مسمرتين عليها بنظرات محذرة تزن كل حركة تصدر منها. سرعان ما اس
---"لقد عاد،" توقف كريس بصدمة وهو يستمع لأنفاس أليخاندرو المتخبطة وأصابعه التي تمرر بعنف عبر شعره الكثيف."ماذا.. ماذا تقصد بعودته؟" سأل كريس وهو يتابع أليخاندرو بعينيه وهو يدور حول نفسه كالأسد في قفصه.التفت أليخاندرو إليه بعيون تقدحان شراراً من الغباوة المفاجئة لصديقه:"كريس، أرجوك ليس هذا وقت غبائك واستبلائك!" صرخ به بصوت ارتعشت له أركان الغرفة، وقد تحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني من شدة العصبية:"حسناً اهدأ قليلاً، أنت تعلم أن جوزيف ليس نداً حقيقياً لك."هز أليخاندرو رأسه ببرود وهو يجلس على الأريكة عاقداً ذراعيه ومطرقاً برأسه:"لا، أنت لا تعرفه جيداً؛ إنه أجبن من أن يأتي ويهددني علانية هكذا دون أن يدعمه شخص آخر من الخلف."ربت كريس على كتفه مواسياً: "لا تقلق، لن يستطيع فعل شيء. سأطلب من الخادمة إرسال شخص لتنظيف هذه الفوضى،" قالها وهو يستدار نحو الباب، لكنه توقف في المنتصف والتفت إليه بجدية بالغة:"وعليك أن تتحكم في نوبات غضبك هذه؛ فقد كادت تلك الطفلة تموت رعباً من منظرك المخيف قبل قليل."رفع أليخاندرو رأسه وجال بنظراته في المكتب وكأنه تذكر وجودها للتو: "هل تذكرها حقاً؟! أين هي
في مكان آخر، بعيداً كل البعد عن هذه الأحداث المتصاعدة وأروقة الشركات، كان هناك شاب في أواخر العشرينيات من عمره، يقف ناظراً من النافذة الزجاجية الشاسعة لمكتبه الفخم، ممسكاً بكأس من الشامبانيا الفاخرة بيده المرتخية. لم يكن يُسمع داخل مكتبه سوى صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تعزف بأنغام حالمة، بينما كانت ملامح القسوة والبرود تطفو على وجهه الوسيم رغم خبثه الذي يجري في عروقه مجرى الدم."سيدي، لقد وُضع الطعم في الصنارة بنجاح،" قال مساعده سام بصوت خافت.ابتسم الشاب بخبث ومكر، وهو يحتسي رشفة بطيئة من كأسه:"إذن يا سام، حان الوقت لنقوم بزيارة لطيفة لصديقنا القديم أليخاندرو.. ستكون مفاجأة لطيفة للغاية لا يمكنه رفضها،" قالها بنبرة باردة وابتسامة ماكرة تطوق شفتيه. أومأ له سام بطاعة عمياء.---مرت ساعات الليل الثقيلة، وعاد الجميع إلى منازلهم.سقط بعضهم في سبات عميق فور وضع رؤوسهم على الوسائد من شدة الإرهاق والتعب، بينما استلقى آخرون على ظهورهم ناظرين إلى أسقف غرفهم بعيون خاوية فارغة من الحياة وعجزوا تماماً عن النوم، في حين واصل البقية حياتهم كأن شيئاً لم يكن.أشرقت شمس الصباح معلنة عن يوم جد
نظر عبر النافذة ليرى عشرات السيارات المقلوبة والمتفحمة نتيجة حوادث متسلسلة بسبب الانزلاقات. ووقعت عيناه على مياه الأمطار التي تحولت إلى اللون الأحمر القاني جراء دماء الضحايا والمصابين. سيطر صمت مرعب وثقيل على الشارع الذي تحول إلى مقبرة جماعية حصدت أرواح الكثيرين. وقد عُرف هذا الحادث لاحقاً في نشرات الأخبار باسم: **"حادث سياتل الكبير"**.*---عاد سيمون من سحيق ذكرياته، وقد فرت دمعة حارة وصغيرة من عينه، سارع بمسحها بسرعة، ثم أنزل أكمام قميصه ليخفي ندبه المشؤوم، وقال بصوت متحشرج:"صدقيني يا فيوليت، لا توجد أي رغبة لديكِ في معرفة تفاصيل ما حدث."أومأت فيوليت ببطء شديد محاولة إخفاء نظرات الشفقة والتعاطف التي غمرت عينيها؛ فهي أكثر من يدرك معنى الألم والفقد.سار سيمون بخطوات متعثرة ومترنحة خارج المستودع، بعد أن شعر بأن الأكسجين قد نفد من صدره تماماً.---"ما الذي تنوي فعله حقاً؟" سأل كريس ناظراً إلى أليخاندرو الذي كان منغمساً في عمله بهدوء تام.تنهد أليخاندرو بملل من أسئلة صديقه المتكررة، وقال ببرود:"سترى بنفسك بعد قليل. هيا بنا إلى قاعة الاجتماعات، وأبلغ ذلك المشاكس بحضور الاجتماع فوراً."
"ما اللعنة التي تعنيها بحق الجحيم؟!" تمتم أليخاندرو بذهول وعينيه معلقتان بما هو مكتوب في التقرير، إذ كان يظن أن ما حدث في ملف فيوليت مجرد صدفة غريبة، لكن أن يتشارك الاثنان في نفس هذا التطابق المرعب فهذا ما لا يصدقه عقل! حقاً إنها لظاهرة نادرة الحدوث، لا سيما إن كانت في ذات السنة والسياق."لم يسبق لي قط أن دققت في تاريخ شخص وظهرت له سنة فراغ تامة لا يوجد فيها أي نشاط، ولا دراسة، ولا عمل! وكأن صاحبها قد مات في تلك السنة تحديداً واختفى من الوجود،" أضاف كريس بجدية وتأثر بالغ؛ لكونه عجز تماماً عن حل هذا اللغز المحير."لا أحد يستطيع محو سنة كاملة من حياته بهذه الطريقة العبثية! لابد أنهما يملكان معارف ومعاونين نافذين في دوائر الدولة العليا،" قال أليخاندرو بجدية بالغة، محولاً نظراته نحو كريس الذي كان يقف أمامه بابتسامة باهتة ويداه مستقرتان على خصره."ولكن.. لماذا قد يرغب شخص عاقل في محو سنة كاملة من عمره؟" تمتم كريس وهو يتجه نحو الكرسي المقابل لمكتب أليخاندرو ليجلس عليه. أومأ له أليخاندرو ببطء؛ إذ لم يكن يملك إجابة شافية وسط هذه الكومة المتراكمة من الألغاز التي تتطلب حلولاً فورية، بينما كان







