Share

4

Author: Broze
last update publish date: 2026-11-05 07:07:26

أضاف مارشال مكتباً آخر في إحدى زوايا الغرفة ليضع عليه الأوراق أمامه، بينما وقفت هي متصنمة في مكانها من شدة الصدمة؛ فمن ذا الذي قد يُكلف شخصاً في عصرنا هذا بنسخ الأوراق يدوياً؟! لكنها طبعاً لم تملك ترف الاعتراض أو الرفض، واكتفت بالإيماء برأسها موافقة على أوامره التعسفية. جلست إلى مكتبها والغضب يعتصر قلبها، تلوم نفسها بمرارة على ضعفها وعجزها عن مواجهته أو الوقوف في وجهه حتى الآن.

وبعد ساعتين متواصلتين من الكتابة الشاقة والإجهاد، تحركت بتململ وشعور بعدم الراحة جراء الجلوس الطويل والمضني على الكرسي. وما إن أنهت خط كلماتها الأخيرة حتى غمرتها موجة فرح عارمة، فتقدمت بخطوات متفائلة نوه ونظمت الأوراق على سفح مكتبه، مُغمضةً عينيها بقوة ورهبة، خشية أن تلقى منه ردة فعل غاضبة أخرى. جاءها صوته البارد يقطع حبل توترها وهو يتجه نحو الرفوف الخشبية المعلقة على الجدار، والتي ازدحمت بمئات الكتب المجلدة الفاخرة.

شعرت بنشوة خفيفة وارتسمت على شفتيها ابتسامة راضية بحق، مسرورة بخطها الأنيق الذي طالما كان محط إشادة وثناء من معلميها في الماضي.

"احفظي الجزء الخامس من هذا الكتاب، وأمامك مهلة يومين فقط لإتقانه."

أردف قوله بنبرة باردة ووجه خالي تماماً من أي تعبير بشري، ممرراً الكتاب الضخم نحوها. انفرج فم الأخرى بذهول تام أمام طلب التعجيزي، وكعادتها الاستسلامية لم تزد على أن هزت رأسها بالقبول، عاجزة عن معارضته في أي شيء.

وحين لمح ردة فعلها الصامتة، خيل إليه أنها ستنفجر اعتراضاً، لكنه فوجئ بقبولها السلس والمطيع لكل ما يمليه عليها. تساءلت بنبرة خافتة خجولة وهي تتلقف الكتاب الثقيل من بين يديه: "وماذا بشأن الأوراق التي نسختها؟"

أطلق أليخاندرو ضحكة ساخرة ومتهكمة، ثم قال بنبرة جادة وقاسية: "ماذا؟ هل تنتظرين مني الإطراء والمداحة مثلاً؟!"

تململت في مكانها دون أن تجد أي راحة، واعتصرها الخجل من كلماته اللاذعة والمسمومة. أي قسوة يحملها هذا الرجل، وأي قائد هذا الذي يقف أمامها؟!

نَكَسَت رأسها في الأرض، وقالت بصوت خفيض يكاد لا يُسمع:

"لا، ليس كذلك."

امتعض ملامح الآخر وهز رأسه بسخط، ثم مرر يده على وجهه بإرهاق وتعب، قبل أن ينطق بصوت جهوري حاسم:

"عندما تتحدثين إليّ أو إلى أي شخص آخر، ارفعي صوتك وحدقي في عينيه مباشرة."

هزت رأسها مجدداً بالإيجاب بطاعة عمياء، لكن هذه المرة رشقته بنظرة حادة ملتهبة بالغضب.

"استخدمي الكلمات، ولا تكتفي بالإشارات."

قالها بصوت صارم وبارد، وكأن لديه قائمة طويلة من الدروس التي ينبغي أن يعلمها إياها.

"حسناً،" قالتها بتلعثم، فأومأ لها بيده مشيراً بالانصراف، دون أن يكلفها بأي عمل آخر. اتجهت نحو مكتبها بخطوات ثقيلة، بينما كانت تتخيل في رأسها مئات السيناريوهات الإجرامية لقتله والتخلص منه.

"يا له من وغد متغطرس ومستبد.. سأدرس هذا الكتاب اللعين ما دام ليس لدي ما أفعله."

فتحت الكتاب على الفصل الخامس، لتجد أمامها شروحات وافية وتفاصيل دقيقة عن الصفقات الناجحة التي أُبرمت على مر السنين، بالإضافة إلى الانتكاسات والخسائر التي تكبدتها الشركات الأخرى عند فشل تلك الصفقات.

غاصت في دراسة الكتاب بتركيز شديد، ودونت ملاحظاتها بدقة باستخدام أقلام ملونة وملاقط أوراق زاهية، متميزة بقدرتها العالية على الحفظ السريع، وهي الميزة التي طالما ضمنت لها احتلال المركز الأول بين زملائها دائماً.

أما أليخاندرو، فقد كان مستغرقاً في دراسة صفقة تجارية معقدة، لكن تركيزه تشتت لبعض الوقت. وحين رفع رأسه نحوها، وجدها غارقة في دراسة الكتاب بجدية وتأمل عميق. تتابعت على وجهها تعابير شتى بين الدهشة وصعوبة استيعاب بعض المصطلحات المعقدة، فتهللت ملامحه برضا خفي وتمتم بنبرة خافتة: "جيد، لا بأس بهذا."

لكن سرعان ما قطع تركيزها صوته الواثق وهو يأمرها:

"فيوليت، إحضري لي فنجاناً من القهوة السادة فوراً."

سكتت الأخرى أمام طلبه المفاجئ؛ فهي هنا متدربة وتحت إشرافه العلمي، وليست سكرتيرة أو مساعدة شخصية له! أي عذاب هذا الذي أُلقيت فيه؟!

قررت أن تجيبه وتضع حداً لاستغلاله قبل أن يتمادى أكثر في معاملتها كخادمة:

"سيدي، أنا هنا بصفتي متدربة، ولست سكرتيرتك أو مساعدتك الشخصية."

أنهت جملتها وهي ترفع رأسها بكبرياء وثبات تتحدى نظراته، لكن تلك الثقة سرعان ما تبخرت وهوت إلى الحضيض في ثوانٍ معدودة؛ حين رأته يطقطق رقبته ببطء ويشخص بنظرات حادة ومفترسة نحوها وكأنه يوشك على الانقضاض عليها ونهشها.

"لقد قلتِها بنفسك.. أنتِ متدربة! أي أنك لا تدفعين فلساً واحداً مقابل تدريبك هنا وتحت إشراف شخصي مني، لذا ستنفذين كل أمر لعين أطلبه منكِ دون أدنى اعتراض!"

أنهى كلماته وهو يضرب البلاط بمشت قبصته القوية على الطاولة بصدمة مدوية. جفلت الأخرى ورعبت من صوته الصارم، فحرّكت رأسها بالإيجاب عدة مرات متتالية بقلة حيلة، ثم هرولت نحو الباب لتلوذ بالفرار من عرينه قبل أن يطباق عليها ويتغذى على لحمها، فهي بالتأكيد ليست نداً له.

وما إن أغلقت الباب خلفها حتى استقام هو بكامل قامته المهيبة، وسار بخطوات رزينة نحو مكتبها، واضعاً إحدى يديه في جيب بنطاله. وحين وصل إلى مكتبها، سحب الكتاب نحو وجهه ليستكشف ما كانت تدوّنه.

وجد بين السطور ملاحظات دقيقة وعلامات استفهام حول بعض المصطلحات التي تعذر عليها فهمها. وكانت قد قررت أن تسأل صديقتها آنا عنها فور خروجها، غافلةً عن حقيقة أنها تتدرب على يد رئيس الشركة بنفسه، وأن من واجبها أن تستفسر منه هو عن كل ما تلاقيه من صعاب.

ترك الكتاب جانباً ثم سحب دفتر ملاحظاتها الخاص، ليقع بصره على يد تدويناتها اليومية الصغيرة ورسوماتها الأنيقة، إلى جانب النوتات الموسيقية المتناثرة بشغف. اعتراه الذهول من ذلك المنظر، وظن في نفسه أنها مجرد هاوية رسم لا أكثر!

فلا أحد يعلم أنها عازفة كمان بارعة وتجيد العزف بسحر أخاذ؛ وذلك يعود إلى شعورها الدفين بالنقص والحرمان لفقدانها الدفء العائلي، مما جعلها تقاتل بشراسة لتحتل المرز الأول في كل مجال وتتقن كل هواية، حتى تكف العيون عن رشقها بنظرات الرحمة أو الشفقة والازدراء.

---

وفي هذه الأثناء، كانت فيوليت تمشي في الممرات وتمتم بشتائم خفية بسبب طلب القهوة؛ إذ لم تكن تلك الخلطة المحددة متوفرة داخل كافيتريا الشركة، مما اضطرها للخروج إلى الشارع لشرائها له، داعيةً في سرها أن يصاب بالغصة وهو يحتسيها.

وفي طريق عودتها، التقت بكريس الذي يبتسم بلطف، وقال بصوته الواثق الذي طالما حسدته عليه لقدرته على الحديث بجاذبية وأريحية: "أوه فيوليت، ماذا تفعلين هنا؟"

ابتسمت الأخرى بسخرية متهكمة وهي ترفع كوب القهوة أمامه: "اشتريت القهوة للسيد الرئيس."

ابتسم كريس بقلة حيلة وأسف من تصرفات صديقه النزقة، وفرك رأسه بنوع من الندم:

"انظري يا فيوليت، لا تكوني عنيدة معه، واستمعي لنصائحه دائماً، فهو يفهم الأُمور أكثر منا جميعاً."

ثم ودعها بابتسامة مشجعة تحثها على الصمود، محادثاً نفسه بالسر: "سحقاً له، إنها مجرد فتاة صغيرة، فكيف لها أن تصمد أمام هذا المنحوت من الصخر؟!"

ولجت فيوليت إلى المكتب بعد أن طرقته بخفة، ووضعت كوب القهوة أمامه على الطاولة بحذر شديد خشية أن ينكسر أو ينسكب على أوراقه المهمة.

"ثلاث عشرة دقيقة كاملة من أجل كوب قهوة لعين؟!" قالها وهو ينظر إلى ساعة يده الفاخرة، فأجابت فيوليت تدافع عن نفسها: "لم تكن تلك القهوة متوفرة في الشركة، ولذا اضطررت للخروج..."

قاطع كلامها برفعة من يده أمراً إياها بالصمت: "عليكِ بالحركة والسعي المتقن، واعلمي أنه في عالم الأعمال لا تملكين سوى سلاح واحد في يدكِ وهو الوقت، فتعلمي كيف تستخدمينه بمهارة كي لا تجرحي نفسكِ بسلاحكِ ذاته."

أردف كلماته بثقة كاسحة وبرود شديد وهو يلوح بقلمه نحوها، فصمتت فيوليت ولم تجد ما ترد به؛ فقد كان محقاً في قوله وها هي تخسر أمامه جولة أخرى.

"أخبريني إن لم تفهمي بعض المفردات الصعبة من الكتاب."

أومأت له برأسها ومشت متجهة إلى مكتبها، لكن صوته الغاضب أوقفها مجدداً: "استخدمي الكلمات ولا تلجئي للغة الإشارة، فأنا لست أصم!"

عادت أدراجها نحو مكتبها وهي ترمقه بنظرة حادة ملتهبة، ضاغطةً بيدها على القلم بغضب لتسحب الكتاب، محاولة استعادة تركيزها الذي تشتت بسبب ذلك المتعجرف القابع خلف مكتبه بكل شموخ وكبرياء. لماذا يتملك شخصاً ما كل هذا الشغف بتعذيب الآخرين؟!

وبعد انتهاء ساعات العمل الرسمية، اتصلت آنا بفيوليت المستغرقة في دراسة كتابها: "ماذا تريدين؟ أنا مشغولة جداً الآن."

أجابت على المكالمة وهي تنحني بجسدها متحدثة بصوت خفيض وناعم، كي لا يسمعها ذلك المغرور.

ندهشت آنا من ردها، فرفعت الهاتف عن أذنها لتتأكد من الرقم على الشاشة ثم أعادته قائلة: "ماذا أريد؟! أيتها الغبية، لقد حان موعد الانصراف، هيا أنا أنتظركِ في الأسفل!"

نظرت فيوليت إلى ساعتها فشهقت بخفة؛ إذ نسيت نفسها تماماً أثناء الدراسة. تمتمت في سرها وهي ترنو نحو ذلك القابع على كرسيه بهيبته ووسامته الطاغية وهو يغوص في الأوراق، فجمعت أشياءها وقفت أمام مكتبه بثبات:

"سيدي، إنها الساعة الخامسة، سأنصرف الآن."

رفع أليخاندرو رأسه عن الأوراق وقال ببرود:

"أنا لم آذن لكِ بالانصراف بعد، ألم تقرئي لوائح الشركة وتطلع على قوانينها؟! عليكِ اتباعها بدقة."

فاض الكيل بفيوليت وقررت أن تخرج عن صمتها وتتحدث بشيء من الفظاظة والجرأة؛ فقد أرهقها التعب حتى النخاع من طلباته التعسفية وتذمره المستمر وكأنه عجوز طاعنة في السن:

"أنت تتحدث عن القوانين، إذن سأتحدث بناءً عليها؛ فالقوانين تنطبق على موظفي الشركة فقط، ولا تشمل المتدربين الجدد!"

ابتسم القابع على الكرسي ببرود وثقة خالطها غضب مكتوم وهو ينظر إليها بنظرة تهديد؛ فهذه الغبية تجيد الرد والمساجلة أحياناً بشكل غير متوقع.

وما إن خرجت فيوليت من الغرفة حتى ابتسمت بنصر وتمتمت في سرها: "نقطة واحدة لي وخمس نقاط له.. اللعنة، هو المنتصر في النهاية، لكن لا يهم!" أنهت كلماتها بابتسامة راضية وهي تتهادى خارج المبنى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أمتلك قلبي   20

    وفي مكان آخر بعيد عن هذه الأجواء، سار سام بخطوات واثقة ودلف إلى مكتب جوزيف الذي كان مستنداً إلى كرسيه بابتسامة ماكرة وشريرة:"أطلبت حضوري يا صديقي؟" سأل سام بفضول وهو يغلق الباب."أريد تأهيل وترويض قطة شرسة وجدتها في مكتب أليخاندرو."عقد سام حاجبيه بعدم فهم: "قطة؟ ترويض؟ عن ماذا تتحدث يا رجل؟" تحرك سام ليقترب من مكتبه ويركّز عليه. تنهد جوزيف بملل من كثرة استفساراته، ثم استقام في جلسته وأردف ببرود:"استأجر لي شخصاً ما، أريد أن أدّب فتاة هناك لتتخلى عن غرورها."اتسعت عينا سام بصدمة عارمة مما يسمعه من صديقه الذي يبدو أن الشر ينهش روحه تدريجياً؛ فهو لم يكن هكذا قط في السابق، لكن الغيرة العمياء من شقيقه أليخاندرو هي ما حولته إلى هذا الكائن المظلم: "أأنت جننت تماماً؟! هل ترغب في إيذاء فتاة بريئة لا ذنب لها؟!"نظر إليه جوزيف بضيق مبالغ فيه وقال بتهكم: "لم أقل قتل، لكنها ستتلقى درساً لا ينسى طوال عمرها.. هذا كل ما في الأمر لكسر شوكة أخي."يعلم سام أنه متواطئ معه في الكثير من الأمور، لكنه لا يستطيع مشاهدته وهو يغرق في هذه الصراعات الدموية المدمرة، فالأمر يتفاقم وعليه إيقافه قبل أن تبتلع عتمة ا

  • أمتلك قلبي   19

    جلست فيوليت أمام أليخاندرو بعد أن سحبت كرسيها الخشبي بهدوء إلى الأمام، لتقترب منه بشكل أكبر، مسهلةً بذلك عملية استيعابها للشرح المعقد وتجنب أي خطأ قد يستوجب عقاباً جديداً. بدأ أليخاندرو في الشرح المتقن بعد أن ارتدى نظارته الطبية الأنيقة التي أضفت على ملامحه مسحة من الوقار، ورفع أكمام قميصه الأبيض حتى مرفقيه، فبدا للناظر إليه وكأنّه لوحة فنية أبدعتها يد العناية الإلهية لتتجسد بكامل هيبتها وجمالها في الواقع المعيش.*"تباً له.. أيتوجب عليه أن يكون بهذه الوسامة الطاغية حتى في أوقات العمل الصارمة؟! كيف لي أن أركز في قواعد الاقتصاد وشرح الصفقات الآن، وهل هذا وجه يُحتمل التركيز أمامه أساساً؟!"* تمتمت فيوليت في سرها، بينما كانت شارذة تماماً في تفاصيل ملامحه الحادة والمنحوتة بدقة.لاحظ أليخاندرو سهوها وتشتتها الملحوظ، فطرق بيده القوية بقوة على الطاولة الفاصلة بينهما، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت أفكارها:"انتبهي جيداً للكتاب يا آنسة.. الشرح الاقتصادي ليس مرسوماً على وجهي."مرت برهة قصيرة دون أن يبدأ في الشرح، بل أبقى عينيه الحادتين مسمرتين عليها بنظرات محذرة تزن كل حركة تصدر منها. سرعان ما اس

  • أمتلك قلبي   18

    ---"لقد عاد،" توقف كريس بصدمة وهو يستمع لأنفاس أليخاندرو المتخبطة وأصابعه التي تمرر بعنف عبر شعره الكثيف."ماذا.. ماذا تقصد بعودته؟" سأل كريس وهو يتابع أليخاندرو بعينيه وهو يدور حول نفسه كالأسد في قفصه.التفت أليخاندرو إليه بعيون تقدحان شراراً من الغباوة المفاجئة لصديقه:"كريس، أرجوك ليس هذا وقت غبائك واستبلائك!" صرخ به بصوت ارتعشت له أركان الغرفة، وقد تحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني من شدة العصبية:"حسناً اهدأ قليلاً، أنت تعلم أن جوزيف ليس نداً حقيقياً لك."هز أليخاندرو رأسه ببرود وهو يجلس على الأريكة عاقداً ذراعيه ومطرقاً برأسه:"لا، أنت لا تعرفه جيداً؛ إنه أجبن من أن يأتي ويهددني علانية هكذا دون أن يدعمه شخص آخر من الخلف."ربت كريس على كتفه مواسياً: "لا تقلق، لن يستطيع فعل شيء. سأطلب من الخادمة إرسال شخص لتنظيف هذه الفوضى،" قالها وهو يستدار نحو الباب، لكنه توقف في المنتصف والتفت إليه بجدية بالغة:"وعليك أن تتحكم في نوبات غضبك هذه؛ فقد كادت تلك الطفلة تموت رعباً من منظرك المخيف قبل قليل."رفع أليخاندرو رأسه وجال بنظراته في المكتب وكأنه تذكر وجودها للتو: "هل تذكرها حقاً؟! أين هي

  • أمتلك قلبي   17

    في مكان آخر، بعيداً كل البعد عن هذه الأحداث المتصاعدة وأروقة الشركات، كان هناك شاب في أواخر العشرينيات من عمره، يقف ناظراً من النافذة الزجاجية الشاسعة لمكتبه الفخم، ممسكاً بكأس من الشامبانيا الفاخرة بيده المرتخية. لم يكن يُسمع داخل مكتبه سوى صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تعزف بأنغام حالمة، بينما كانت ملامح القسوة والبرود تطفو على وجهه الوسيم رغم خبثه الذي يجري في عروقه مجرى الدم."سيدي، لقد وُضع الطعم في الصنارة بنجاح،" قال مساعده سام بصوت خافت.ابتسم الشاب بخبث ومكر، وهو يحتسي رشفة بطيئة من كأسه:"إذن يا سام، حان الوقت لنقوم بزيارة لطيفة لصديقنا القديم أليخاندرو.. ستكون مفاجأة لطيفة للغاية لا يمكنه رفضها،" قالها بنبرة باردة وابتسامة ماكرة تطوق شفتيه. أومأ له سام بطاعة عمياء.---مرت ساعات الليل الثقيلة، وعاد الجميع إلى منازلهم.سقط بعضهم في سبات عميق فور وضع رؤوسهم على الوسائد من شدة الإرهاق والتعب، بينما استلقى آخرون على ظهورهم ناظرين إلى أسقف غرفهم بعيون خاوية فارغة من الحياة وعجزوا تماماً عن النوم، في حين واصل البقية حياتهم كأن شيئاً لم يكن.أشرقت شمس الصباح معلنة عن يوم جد

  • أمتلك قلبي   16

    نظر عبر النافذة ليرى عشرات السيارات المقلوبة والمتفحمة نتيجة حوادث متسلسلة بسبب الانزلاقات. ووقعت عيناه على مياه الأمطار التي تحولت إلى اللون الأحمر القاني جراء دماء الضحايا والمصابين. سيطر صمت مرعب وثقيل على الشارع الذي تحول إلى مقبرة جماعية حصدت أرواح الكثيرين. وقد عُرف هذا الحادث لاحقاً في نشرات الأخبار باسم: **"حادث سياتل الكبير"**.*---عاد سيمون من سحيق ذكرياته، وقد فرت دمعة حارة وصغيرة من عينه، سارع بمسحها بسرعة، ثم أنزل أكمام قميصه ليخفي ندبه المشؤوم، وقال بصوت متحشرج:"صدقيني يا فيوليت، لا توجد أي رغبة لديكِ في معرفة تفاصيل ما حدث."أومأت فيوليت ببطء شديد محاولة إخفاء نظرات الشفقة والتعاطف التي غمرت عينيها؛ فهي أكثر من يدرك معنى الألم والفقد.سار سيمون بخطوات متعثرة ومترنحة خارج المستودع، بعد أن شعر بأن الأكسجين قد نفد من صدره تماماً.---"ما الذي تنوي فعله حقاً؟" سأل كريس ناظراً إلى أليخاندرو الذي كان منغمساً في عمله بهدوء تام.تنهد أليخاندرو بملل من أسئلة صديقه المتكررة، وقال ببرود:"سترى بنفسك بعد قليل. هيا بنا إلى قاعة الاجتماعات، وأبلغ ذلك المشاكس بحضور الاجتماع فوراً."

  • أمتلك قلبي   15

    "ما اللعنة التي تعنيها بحق الجحيم؟!" تمتم أليخاندرو بذهول وعينيه معلقتان بما هو مكتوب في التقرير، إذ كان يظن أن ما حدث في ملف فيوليت مجرد صدفة غريبة، لكن أن يتشارك الاثنان في نفس هذا التطابق المرعب فهذا ما لا يصدقه عقل! حقاً إنها لظاهرة نادرة الحدوث، لا سيما إن كانت في ذات السنة والسياق."لم يسبق لي قط أن دققت في تاريخ شخص وظهرت له سنة فراغ تامة لا يوجد فيها أي نشاط، ولا دراسة، ولا عمل! وكأن صاحبها قد مات في تلك السنة تحديداً واختفى من الوجود،" أضاف كريس بجدية وتأثر بالغ؛ لكونه عجز تماماً عن حل هذا اللغز المحير."لا أحد يستطيع محو سنة كاملة من حياته بهذه الطريقة العبثية! لابد أنهما يملكان معارف ومعاونين نافذين في دوائر الدولة العليا،" قال أليخاندرو بجدية بالغة، محولاً نظراته نحو كريس الذي كان يقف أمامه بابتسامة باهتة ويداه مستقرتان على خصره."ولكن.. لماذا قد يرغب شخص عاقل في محو سنة كاملة من عمره؟" تمتم كريس وهو يتجه نحو الكرسي المقابل لمكتب أليخاندرو ليجلس عليه. أومأ له أليخاندرو ببطء؛ إذ لم يكن يملك إجابة شافية وسط هذه الكومة المتراكمة من الألغاز التي تتطلب حلولاً فورية، بينما كان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status