LOGINلم يكن الصباح التالي يشبه أي صباح مرّ على البيت الأخضر.كانت رائحة الدخان ما تزال عالقة في الجدران، والزجاج المكسور يلمع في الزوايا، والرماد يسكن الشقوق كأنه يرفض المغادرة. لكن على الجدار الأسود، كانت الأسماء البيضاء واضحة، أقوى من أثر النار.وقفت ليان أمام الجدار طويلًا.قرأت الأسماء ببطء، كأنها تتأكد أن كل واحد منها بقي في مكانه:مريم.ليان.سامر.ليلى / رنا.نور بنت سلوى.ديمة / ناهد بنت رباب.مها بنت ريم.ريم.فاطمة.رباب.سلوى.زكية.أم البحر.سعاد.يوسف.وكل من لم يصل اسمه بعد.قالت مريم من خلفها:"هل كنتِ تظنين يومًا أن بيتنا سيحمل كل هذه الأسماء؟"أجابت ليان دون أن تلتفت:"كنت أظن أنه لا يحمل إلا غيابكِ."اقتربت مريم منها، ووقفت بجانبها."وأنا كنت أظن أنني إذا دخلته يومًا، سأدخل وحدي لأعتذر."قالت ليان:"دخلتِ ومعكِ نصف النساء اللواتي حاولوا محوهن."ابتسمت مريم بحزن."ربما لأن غيابي لم يكن غيابي وحدي."سكتتا.لم تعد ليان تخاف من هذا النوع من الصمت. في السابق، كان الصمت يعني أن أحدًا يخفي شيئًا. الآن صار الصمت أحيانًا مساحة ليستوعب القلب ما عرفه العقل.في الساحة، كان آدم ويوسف
عادوا إلى البيت الأخضر قبل الفجر بقليل.لم يكن البيت كما تركوه أول مرة، ولا كما عادوا إليه بعد النار. كان واقفًا بصعوبة، جدرانه سوداء من الداخل، رائحته دخان ورماد وماء، لكن بابه كان مفتوحًا. وهذا وحده كان كافيًا ليجعل مريم تقف عند العتبة وتتنفس.قالت ليان وهي تنظر إلى الجدار المحترق:"لم يسقط."قالت مريم:"لأنه لم يكن قائمًا على الخشب."دخلت أم البحر خلفهما، تحمل اللفافة الزرقاء بيديها كأنها تحمل طفلًا نائمًا. دخلت ريم ومها، ثم نور وناهد، ثم يونس وآدم ورنا ويوسف. كان التعب ظاهرًا على الوجوه جميعًا، لكن أحدًا لم يطلب الراحة. لم يعودوا حاملين مجرد صفحات جديدة. كانوا يحملون الدليل الذي حاول عادل أن يحرق الطريق إليه.وقف سامر بصعوبة عندما رأى مريم تدخل.كان وجهه ما يزال متعبًا من الدخان، لكنه ابتسم عندما رأى يدها في يد ليان."عدتما."قالت مريم:"عدنا."ثم نظرت إلى ليان."كلتانا."اقتربت نور من الطاولة التي نجت جزئيًا من الحريق. وضعت عليها قطعة سلوى التي أعطتها أم البحر، ولم تتركها من يدها إلا بعد أن لمستها مرة أخيرة.قالت بصوت خافت:"أمي قالت إنني يجب أن أعيش كمن عاد إليه صوته."قالت مريم
كان رصيف العين يقع في طرف لا يشبه الميناء.الميناء يعرفه الناس. فيه قوارب، وصيادون، وصوت بيع ونداء، ورائحة شباك مبللة. أما رصيف العين، فكان امتدادًا حجريًا قديمًا يدخل في البحر كإصبع متعب، حوله صخور داكنة ومخزن صغير نصفه مائل، وباب خشبي عليه علامة باهتة: موجة وفوقها عين.قال يونس وهو يطفئ ضوء القارب قبل الاقتراب:"من هنا لا نتكلم بصوت عالٍ."كانت ليان تجلس في مقدمة القارب، ويداها متشبثتان بالحافة. خلفها مها تمسك يد ريم، ونور تضع حقيبة صغيرة فيها نسخة من صفحات سجل الأحياء، أما ناهد فكانت تحمل قطعة ديمة كأنها تعويذة ضد الخوف.قالت ليان هامسة:"هل ترى نارًا؟"أجاب يونس:"ليس بعد. لكن هناك ضوء داخل المخزن."نظرت ليان إلى الرصيف.كان هناك ضوء ضعيف يتحرك خلف الشقوق الخشبية، وصوت رجال يتحدثون بصوت منخفض. ثم سمعت صوتًا تعرفه جيدًا الآن.صوت عادل.قال من الداخل:"لا أريد كل شيء. فقط الصفحات التي تربط الأحياء بالموتى. الباقي اتركوه يحترق."همست نور:"إنه هنا."شدت مها على يد ريم.قالت ريم بصوت خافت:"أم البحر؟"لم يجب أحد.اقترب القارب من الجهة الخلفية للصخور، لا من مدخل الرصيف. أشار يونس إلى ف
لم تحتج ليان إلى أن تسمع عادل مرة أخرى كي تصدقه.قال: بالنار.ثم انقطع الاتصال.وفي البعيد، كان الدخان الأسود يرتفع من جهة البيت الأخضر.وقفت مريم في القارب كأنها تريد أن تقفز إلى البحر لتسبق الموج."البيت… ليان، البيت!"صرخ يونس:"اجلسوا! إذا تحركتم هكذا سننقلب!"لكن مريم لم تكن تسمعه. كانت ترى في الدخان كل ما خافت أن تخسره مرة ثانية: الحقيبة، الخيوط، الشهادات، والأهم من كل ذلك… الناس الذين تركتهم هناك.أمسكت ليان بذراع أمها."ماما، انظري إليّ. سنصل."قالت مريم بصوت مخنوق:"سامر هناك. يوسف. رنا. نور. سعاد. الأسماء كلها هناك."قالت ريم، التي كانت ما تزال ترتجف من عودتها إلى ابنتها:"والله لا تكون النار نهاية الطريق."كانت مها تمسك يد ريم بقوة، كأنها وجدتها منذ دقائق ولا تحتمل أن تبدأ خسارة أخرى أمامها.قالت ليان وهي تخرج هاتفها:"سأتصل بآدم."رن الهاتف.مرة.مرتين.لا جواب.اتصلت برنا.لا جواب.اتصلت بيوسف.جاء الصوت بعد الرنة الثالثة، متقطعًا وسط صراخ وضجيج."ليان!""يوسف! أين أنتم؟""خارج البيت… معظمنا خارج البيت… النار في الجهة الداخلية…""الجميع بخير؟"سكت لحظة."سعاد دخلت."تجمدت
لم تكن جملة زكية عادية.إذا نُقلت ريم إلى أم البحر… فقد تكون ما زالت حية.بقيت مها واقفة في بيت الرمل، وقطعة القماش الزرقاء في يدها، وعيناها معلقتان بالجدار الذي كتبته أمها:مها، إذا وصلتِ، كنتُ هنا.لم تكن تعرف هل تبكي لأنها وجدت أثرًا جديدًا، أم تخاف لأن الأثر لم يكن نهاية. أمها لم تترك رسالة وداع. لم تقل: انتهى الطريق. بل كتبت: اسألي عن أم البحر.قالت مها بصوت مرتجف:"من هي أم البحر؟"نظرت زكية إلى الأرض، كأنها كانت تتمنى أن لا يصلوا إلى هذا الاسم."امرأة اسمها الحقيقي لا أعرفه. كانوا يسمونها أم البحر لأنها تعيش في جزيرة صغيرة خلف قرية المراكب. لا تظهر كثيرًا. لا تدخل السجلات. بعض النساء اللواتي لا يريد عادل إعلان موتهن ولا إبقاءهن في البيوت المعروفة، كنّ يصلن إليها."قالت ليان:"مكان إخفاء؟"قالت زكية:"نعم… ولا."نظر إليها آدم."ماذا يعني نعم ولا؟"قالت زكية:"أم البحر لم تكن مثل عادل. لم تكن من رجاله كما أعرف. لكنها كانت جزءًا من منطقة رمادية. تستقبل من يُرسَل إليها، لا تسأل كثيرًا، وتبقي النساء بعيدات عن العيون. أحيانًا كانت تحميهن من الأسوأ، وأحيانًا كان صمتها يساعد على استمرا
لم تتحرك مها.كانت تقف في وسط البيت الأخضر، ووجهها متجمد كأن الجملة التي قالتها زكية لم تصل إلى أذنها فقط، بل إلى كل السنوات التي عاشت فيها وهي تحاول أن تصدق أن غياب أمها لا اسم له.قالت بصوت خافت:"كنتِ تعرفين اسم أمي؟"لم ترفع زكية عينيها."نعم."قالت مها:"وكانت حية؟"أغمضت زكية عينيها."نعم."تراجعت مها خطوة أخرى، كأن البيت نفسه صار ضيقًا."وأنتِ قلتِ لي إنكِ لا تعرفين."قالت زكية بسرعة، والدموع في عينيها:"قلتُ لكِ إنني لا أملك ورقًا عنها."قالت مها بصوت أعلى:"لا تلعبي بالكلمات الآن. أنتِ كنتِ تعرفين اسمها."سكتت زكية.قالت مها:"اسمها ريم."قالت الكلمة ببطء، كأنها تلمس وجهًا لا تعرفه."ريم."ثم نظرت إلى ليان."هل ترين؟ حتى أنا كنت أظن أنني انتهيت من الكذبة. والآن يظهر أن أمي التي بقيت معي أخفت عني أمي التي ولدتني."قالت زكية وهي تبكي:"لم أخفِها لأسرقكِ."ضحكت مها ضحكة قصيرة مكسورة."كلهم قالوا ذلك بطريقة أو بأخرى."تألم وجه زكية كأن الجملة صفعتها، لكنها لم تدافع فورًا.قالت مريم بهدوء:"زكية، احكي كل شيء. لا تختاري لنا الجزء الذي يبرئكِ."رفعت زكية رأسها إلى مريم."أعرف."ثم ن







