Share

14

Author: Hany
last update publish date: 2026-09-30 06:15:26

لم تدرِ روبي من أين أتتها تلك القوة المفاجئة لتدفعه بعيداً عنها حتى يرتطم رأسه بحافة مقعد الشاحنة بقوة. صرخ كارلوس متأوهاً وهو يضع يده على موضع الألم، ثم زمجر بغضب عارم:

"يا لكِ من وحشية! ماذا فعلتِ؟! تباً، لقد كانت الضربة قوية جداً!"

وضعت روبي كفها على فمها لتمحي شهقة الذهول، لكنها سرعان ما استعادت جلافتها وقسوة ملامحها فور سماع شكواه:

"تستحق ذلك وأكثر! لقد حذرتك من قبل ألا تقترب مني."

كان ما يزال يضغط بيده على رأسه وهو يجيبها بنبرة مظلمة:

"لو أردتُ الاقتراب منكِ فلن تستطيعي منعي إطلاقاً! تعلمين جيداً أنكِ زوجتي، ومن واجبكِ تلبية رغباتي.. تباً، رأسي يؤلمني بحق!"

كتفت روبي ذراعيها حول صدرها وقالت بتحدٍ وكبرياء:

"لا تتوقع أنني سأبقى معك طوال العمر؛ في يوم ما سأهرب منك ولن تجد لي أثراً."

اعتدل في جلسته وهو ينظر إليها بنظرة حازمة وكاسرة:

"حاولي فعل ذلك فقط، وسأجدكِ ولو كنتِ في سابع أرض!"

وفجأة، قاطع حديثهما المحتدم صوت مارينا المبتهج من الخارج:

"أيها العروسان، ألم تستيقظا بعد؟! لقد أشرقت الشمس وأحضرتُ لكما طعام الفطور."

نهض كارلوس وفتح الباب بيده الأخرى وهو يحني رأسه قليلاً:

"صباح الخير يا أختي العزيزة.. ماذا أحضرتِ لنا؟"

ابتسمت مارينا بسعادة فور رؤية أخيها، لكن ابتسامتها سرعان ما تلاشت وهي تراه يضع يده على موضع الضربة في رأسه:

"ماذا حدث لك؟ هل أنت بخير؟"

كانت روبي تجلس وتستمع إلى حوارهما، فأجاب كارلوس وهو يرمق روبي بنظرة خبيثة وذات مغزى:

"لا عليكِ.. إنه مجرد خدش من قطة برية متوحشة."

نظرت إليه أخته باستغراب متعجبة:

"قطة برية؟! ومن أين أتت هذه القطة؟"

أجابها ببرود:

"كانت تختبئ داخل الشاحنة وكانت مذعورة للغاية."

ردت مارينا بحنق وأسف:

" يا لها من قطة ملعونة! يجب أن أبحث عنها وأقوم بجلدها وترويضها بنفسي."

اتسعت عينا روبي باستنكار حين سمعت ذلك؛ فقد كانت واثقة تماماً أنه يقصدها هي لا القطة. وقال كارلوس بنبرة مطمئنة:

"لا تقلقي يا مارينا.. سأتولى أمر ترويض هذه القطة بنفسي."

"لكنك بحاجة إلى علاج لمداواة رأسك، سأحضر حقيبة الإسعافات الأولية فوراً."

وما إن ابتعدت مارينا قليلاً حتى صرخت روبي بغيظ واحتداد:

"وهذه القطة ستشوه وجهك إن لم تتوقف عن إزعاجها!"

التفت إليها وقال بنبرة خافته وساخرة:

"سنرى ذلك."

وضع صينية الطعام جانباً ثم قال بهدوء:

"ألن تشاركيني طعام الفطور؟"

"انسَ ذلك تماماً!"

وفجأة قاطع حديثهما عودة مارينا وهي تلتقط أنفاسها، ثم قالت وهي تضع الحقيبة بين يدي روبي:

"روبي.. خذي هذه الحقيبة وداوي جرحه بنفسكِ."

انتفضت روبي في مكانها بذهول:

"أنا?!"

"نعم، أليست زوجته؟ ومن واجبكِ العناية به ورعايته."

رمقها كارلوس بنظرة نصر واستهزاء كرهتها روبي حتى أقصى حد، وأثارت عيناه عاصفة من الغضب في داخلها. أجابت رغماً عنها وهي تأخذ الحقيبة:

"حقاً معكِ حق.. كارلوس زوجي، ومن واجبي العناية به."

كان جرحاً صغيراً يتوسط رأسه. قامت بتطهير الجرح ثم لفّت الضمادة حوله. ابتسمت مارينا براحة وهي ترى روبي مشغولة بمداواة أخيها، لكن فور أن ابتعدت مارينا وتوارت عن الأنظار، ضغطت روبي بقوة وقسوة على الجرح!

"هل تظن أنك انتصرت عليّ؟"

صرخ كارلوس متأوهاً وهو يمسك معصمها بحدة ويثبته:

"يا لكِ من مجنونة! ماذا تفعلين?!"

ردت بمرار وغضب:

"أرد لك القليل مما تفعله بي كل يوم!"

ثم انتزعت ذراعها منه بقوة، وغيرت ملابسها متجاهلة وجوده تماماً. خرجت من الشاحنة تاركة كارلوس يكمل إفطاره بمفرده. ذهبت للتنزه بمفردها بين الخيام؛ كان الجميع يبدون مشغولين بأعمالهم اليومية، وعلى الرغم من بساطة العيش، إلا أن الحياة تبدو جميلة هنا؛ كانت تستطيع رؤية السعادة تغمر وجوههم رغم المشقة.

جلست على جذع شجرة ضخمة وأخذت تتأمل ما حولها بشرد، وفجأة قاطع حبل أفكارها صوت من خلفها:

"منذ البارحة وأنتِ حزينة.. عروس لا تحب عريسها، هذا ما يبدو جلياً للعيان."

التفتت نحو مصدر الصوت لتجده شاباً أسمر البشرة، بشعر أسود كيرلي طويل، يصغر كارلوس بضع سنوات، وقد جلس بجانبها بلا استئذان. تأملته لبرهة ثم قالت ببرود جاف:

"أنت مخطئ.. أنا وكارلوس نحب بعضنا كثيراً."

لكنه أصر وواصل كلامه بثقة عالية ومستفزة:

"إيزابيلا هي حب حياته الوحيد.. لا مفر من هذه الحقيقة."

صفعته بنظرة ثائرة وصرخت به:

"كيف تجرؤ على الحديث عن زوجي بهذه الطريقة؟! ومن تكون أنت لتتفوه بمثل هذا الكلام؟"

"أنا خوان.. ويمكنكِ القول إنني لا أطيقه، وكان يجدر بي التخلص منه منذ زمن."

نهضت روبي ونهرته بحزم وقسوة:

"أياً كان اسمك، ابتعد عن وجهي وتوقف عن هذه الهراءات!"

خطت خطوات سريعة للابتعاد عنه، لكنه استوقفها بنبرة تحريضية:

"إيزابيلا هي حب حياته منذ الصغر أيتها الغبية!"

زفرت بضيق شديد وتابعت سيرها بعصبية وهي تتمتم:

"هذا ما كان ينقصني بالفعل.. غبي آخر! تباً لكم جميعاً."

فتحت باب الشاحنة فتفاجأت بأنها خالية منه. وسرعان ما قفزت إلى رأسها فكرة وجوده مع المدعوة إيزابيلا! قطمت شفتيها بغيظ وصرخت في سرها بضياع:

"ما الذي يحدث معي يا إلهي؟! أوشكتُ على الفقدان لعقلي.. ما الذي يجري لك يا قلبي؟ لماذا أشعر بضعفك الآن؟ لماذا تؤلمني أحشائي هكذا؟"

التفتت لتبحث عنه في الأرجاء، وفجأة شعرت بيدك تلمس كتفها.

"لماذا تقفين بمفردكِ يا ابنتي؟ أين كارلوس؟"

تنهدت روبي بضياع:

"لا أعلم."

تنهدت والدته بحزن وأسف:

"حين أراه سأوبخه شديد التوبيخ كيف يترك عروسه الجميلة بمفردها هكذا!"

وفجأة، خطرت لـ روبي فكرة البحث عن المدعوة إيزابيلا؛ فإذا اختفت هي الأخرى فهذا يعني بالتأكيد أنهما معاً! كانت والده تتحدث إليها لكن روبي لم تكن تستمع لأي كلمة؛ كان تفكيرها بلكامل محصوراً بين كارلوس وإيزابيلا. كان قلبها يعتصر ألماً، وتمنت لو تجدهما معاً لتقتلهما دون تردد.

عادت إلى واقعها حين شعرت بيد والده تضغط على ذراعها بلطف:

"ما رأيكِ إذاً؟"

لم تفهم روبي ولم تسمع ما قالته، فأجابتها دون وعي منها:

"آه.. بالتأكيد، موافقة."

ارتسمت على شفاه والده ابتسامة رضا وسعادة:

"أنا مسرورة جداً بقراركِ هذا.. كارلوس سيحب الأمر كثيراً."

قاطعتها روبي بعقل شارد وعيون تتفحص الأرجاء:

"عن إذنكِ الآن يا سيدتي."

"اذهبي يا حبيبتي."

أسرعت روبي بخطواتها نحو خيمة إيزابيلا، لكنها لم تجدها هناك! تمتمت بغضب وغل:

"تباً لكما! هل تتسللان خلف ظهري?!"

كانت تائهة ومتوترة للغاية؛ وفجأة انتبهت إلى نفسها وإلى الشعور القاتل الذي يسيطر عليها.. هل يعقل أنها بدأت تغار عليه؟! لكنها تكرهه وتمقته! كيف يتسلل هذا الشعور إلى أعماقها؟ وبخت نفسها في سرها: "من المستحيل أن أغار على هذا المتشرد الهمجي!"

تسلل صوت ساخر إلى أذنيها ليقطع أفكارها:

"إنهما بالقرب من البحيرة."

انتفضت روبي والتفتت بشدة نحو خوان الذي كان يقف خلفها مبتسماً:

"أنت تكذب! لن أصدق أي كلمة تقولها."

"أخبرتكِ أنها حب حياته، وهو يتلاعب بكِ فقط."

صرخت به بحنق:

"اخرس! لا أريد سماع صوتك.. أنت تحاول إحداث المشاكل بيننا فقط!"

لوح بيده وقال بابتسامة خبيثة:

"اسلكي هذا الطريق وستَرين بعينيكِ ما يحدث هناك."

ابتعد عنها خوان، بينما ظلت هي واقفة تحدق في الاتجاه الذي أشار إليه. ترددت في بداية الأمر، لكن قدميها جرفتاها رغماً عنها لكتشاف الحقيقة.

سارت بخطوات متوترة، لكنها حين وصلت لم تجد شيئاً يذكر؛ كان المكان يلفه الهدوء التام. تنفست براحة لأن ما دار في عقلها كان مجرد أوهام، لكن ملامحها تجهمت فور اقترابها من الضفة؛ كانت هناك آثار أقدام ل أحذية، وعلى الأرض ألمحت زر قميص مقطوعاً! انتشلته بكف يدها لشتعل عيناها غضباً وذهولاً؛ إنه زر قميص كارلوس!

لم تستطع تحمل مقدار الألم الذي اعتصر أعماقها، فتركت لدموعها الحارقة العنان لتنساب بحرية. إنه يخونها.. ومع ابنة عمه التي يحبها! جلست طويلاً تحت ظل الشجرة دون أن تشعر بالوقت، لا تريد رؤيته وإلا ستنتهي الأقدار بجريمة؛ ذلك الخائن الحقير سيدفع الثمن غالياً.

وفجأة، قاطع عزلتها صوت مارينا المندهش وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:

"روبي! أنتِ هنا وأنا أبحث عنكِ في كل مكان! أين اختفيتِ يا فتاة؟ ولماذا تجلسين هنا بمفردكِ؟"

أجابت روبي ببرود قاتل ودموع جافة:

"وجودي وعدمه واحد."

استغرقت مارينا من كلامها وقالت بلهفة:

"كارلوس فقد أعصابه حين لم يجدكِ! إنه يحبكِ بجلنون، فماذا تريد الزوجة أكثر من ذلك؟"

عقبت روبي على كلامها بنبرة تهكمية وابتسامة مريرة:

"حقاً؟ يحبني بجنون!"

وفجأة، وضعت مارينا يدها على بطنها البارز وتأوهت بألم شديد:

"آه.. أشعر بألم فظيع!"

صرخت روبي برعب واقتربت منها بسرعة:

"يا إلهي! كل هذا بسببي.. لم يكن يجدر بي الاختفاء هكذا!"

طمأنتها مارينا بابتسامة باهتة وهي تتلوى:

"ليس خطأكِ.. أعتقد أنني على وشك الولادة!"

لم تستطع مارينا الصمود وسقطت على الأرض بعدما خانتها قواها من شدة المخاض:

"روبي، أرجوكِ ساعديني.. أشعر أنني سأموت!"

شحبت ملامح روبي وتسارعت ضربات قلبها بذعر، وقالت بعجلة:

"ابقي هنا، سأركض لأحضر المساعدة!"

أغلقت مارينا عينيها وهي تجيبها بصعوبة:

"أرجوكِ لا تتأخري..."

ركضت روبي كالسهم وهي تشعر بقلق ينهك جسدها. لم تتحمل حذاءها الذي كان يعيق سرعتها، فخلعته وألقته جانباً، وواصلت الركض حافية القدمين دون أن تأبه بالأشواك والحجارة التي كانت تدمي كعبيها.

وفجأة، ارتطمت بصدر صلب كالفولاذ؛ ولم يكن سوى كارلوس الذي تفاجأ برؤيتها بهذه الحالة الثائرة!

"مارينا! إنها بحاجة للمساعدة، أرجوك تعال معي فوراً!"

عقد حاجبيه وسألها بهلع:

"أين هي الآن?!"

ركضت أمامه وتبعها بأقصى سرعته. وبعد لحظات، كان كارلوس يحمل أخته بين ذراعيه وينقلها إلى إحدى الخيام، وهو يصرخ ينادي الجدة:

"سيسيليا! تعالي إلى هنا فوراً!"

جلس كارلوس بجانب أخته وأمسك بيديها ليدهشها بالاطمئنان:

"اهدئي يا أختي، كل شيء سيكون بخير."

تمتمت مارينا بألم:

"أين أرموند؟ أريد رؤيته..."

"ذهب بابلو ليستدعيه."

تصبب العرق من جبهتها واشتدت عليها آلام المخاض. وفي هذه اللحظة دخلت الجدة سيسيليا برفقة والدتهما الخيمة، وقالت الجدة بتذمر وقلق:

"لكن هذا ليس موعد ولادتها بعد! ما الذي حدث بحق السماء?!"

كانت روبي تقف في الزاوية وهي تشعر بالرعب الشديد على مارينا، غير أبهة بالجروح الغائرة والدماء التي تغطي كعبي قدميها الحافيتين. أردفت سيسيليا وهي تجلس بالقرب من مارينا:

"خذ زوجتك واخرجا من الخيمة فوراً."

لعت روبي نفسها في سرها لأنها ظنت أنها السبب في إرهاق مارينا. وفي تلك اللحظة، أمسك كارلوس بذراع روبي بقبضة فولاذية كادت تكسر عظامها وهو يسحبها إلى الخارج بقسوة. صرخت روبي بحنق وغضب:

"ماذا تفعل؟! اترك يدي!"

وفجأة ألمحت روبي إيزابيلا تقف بالقرب من خيمتها، وتنظر إليها بابتسامة خبيثة تحمل آلاف المعاني القذرة. حدقت روبي في عيني كارلوس وصرخت مجدداً:

"اترك يدي!"

دفعتها كارلوس خلف الشاحنة وصرخ بها بسخط عارم، وعيناه تكادان تتفجران من الشرر والغضب:

"إن حدث أي شيء سيئ لأختي، فسأجعلكِ تتمنين الموت ولن تنالي مسامحتي!"

بدأت صورة كارلوس تتأرجح وتتلاشى أمام عيني روبي، ولم تعد تفهم شيئاً مما يقوله من شدة الدوار. قالت بصوت ضعيف وواهن:

"كارلوس.. أنا..."

لم تستطع إكمال جملتها، وسقطت مغشياً عليها بالكامل على الأرض.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنتقام قاسي    20

    خرجت روبي من السيارة بنفاد صبر وسخط عارم:"خوان! ماذا تفعل هناك؟! هيا بنا قبل أن يعثر علينا كارلوس!"أجابها خوان ببرود جاف، ملقياً إياها في منتصف الكابوس، لترفع حاجبيها بذهول وصدمة:"ماذا?!"أجابه الرجل الآخر نيابة عنه، لتحدق روبي فيهما برعب، ثم تتراجع خطوة إلى الخلف وهي تتأتأ بذهول:"خوان.. هذا الرجل يمزح، أليس كذلك؟"رفع خوان ذراعيه ثم خفضهما بخيبة أمل ووضاعة، لتنقل روبي نظراتها بينهما بذعر قاتل. لم يكن أمامها سوى إطلاق ساقيها للريح بأقصى ما تملك من قوة! فصرخ الرجل بصوت مدوٍّ:"أمسكوا بها الآن! لا تدعوها تهرب!"بدا كل شيء كأنه يتحرك ببطء شديد أمام روبي؛ الأرض تتزلزل تحت قدميها والمكان يضيق حولها، وقلبها يكاد يسقط رعباً من أهوال الموقف.. وفجأة، شعرت بقبضة حديدية قوية تتلفح معصمها وتتجدبها بحدة، بينما تسللت نبرة ساخرة بالقرب من أذنها:"إلى أين تظنين أنكِ ذاهبة يا حسناء؟"صارعت روبي صاحب الجثة الضخمة لتفلت منه، وصارت صرخاتها توقظ الطيور من أعشاشها:"اتركني! لا تلمسني!"قبض على ذراعيها بقوة وجرها لتقف رغماً عنها أمام سيدها الجديد.. لم تستطع روبي كبت المشتعل في صدرها من غضب عارم ونقمة تج

  • أنتقام قاسي    19

    لم تسطع روبي النوم في تلك الليلة؛ قضت الليل بطوله تتقلب في فراشها والأفكار السوداء تعتصر رأسها دون رحمة.. هل يعقل أن كارلوس قد قتل إليانور حقاً؟! وما هذا السر الذي يخشى أن تفشيه إيزابيلا أمامهما؟! وما الذي يخفيه عنها؟!وما إن سمعت وقع خطواته القريبة حتى أغلقت عينيها وتظاهرت بالنوم العميق.في الصباح التالي، استيقظت روبي مبكراً. بحثت عن كارلوس بعينيها فلم تجده؛ وكان واضحاً أنه لم يقضِ ليلته في الخيمة، فالطريقة التي رُتّب بها فراشه تدل على أنه لم يُلمس.وما إن خرجت، حتى رأت مارينا تحمل بعض الملابس المتسخة وتتجه نحو البحيرة، فاستوقفتها روبي قائلة:"صباح الخير.. هل أنتِ ذاهبة لغسل الملابس؟"ردت مارينا وهي تواصل سيرها:"صباح النور.. نعم، هل ستأتين معي؟"سألتها روبي بنبرة خافته ورجاء:"هل رأيتِ كارلوس؟ لم ينم في فراشه الليلة الماضية...""لا، لم أره منذ فترة.. ولا تبدين أنتِ أيضاً بخير. ما الذي حدث بينكما؟"جلست مارينا وانشغلت بغسل الملابس، بينما قالت روبي بحزن يمزق صدرها:"شقيقكِ لا يحبني يا مارينا..."ابتسمت مارينا بلطف وداعبت يدها:"روبي، لا تظني أن أي مشكلة تنشأ بين الزوجين تعني أن أحدهما

  • أنتقام قاسي    18

    في اللحظة نفسها، خرجت الجدة سيسيليا من الخيمة والحزن والأسى يغمران وجهها. تنهد كارلوس بتوتر وسألها بلهفة وقلق:"ماذا حدث?!"خفضت سيسيليا رأسها بخيبة أمل، ثم ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتيها وهي تقول:"أنا آسفة يا بني.. زوجتك لا تستجيب للعلاج. لقد فعلتُ كل ما في وسعي، اذهب وودعها..."تجمدت ملامح وجهه، وانقبض قلبه بشدة وهو يصرخ بغضب ورفض قاطع:"هذا مستحيل! روبي لن تموت، إنها أقوى مما تظنون!"ربدت سيسيليا على كتفه بأسف وحزن:"كن قوياً يا بني..."تنفس كارلوس بجموح محاولاً تهدئة ضربات قلبه المتسارعة وتصنُّع القوة والثبات. دخل الشاحنة ليرى روبي ما تزال غائبة عن الوعي بلا حراك، بينما كانت مارينا تنتحب بجانبها. وازداد بكاء مارينا فور رؤيتها لأخيها:"أخي.. روبي ستموت! يا إلهي يا أخي!"سقطت مارينا على صدر أخيها وهي تبكي بحرقة، فوضع يده على ظهرها وعيناه معلقتان بـ روبي المستلقية كالجسد بلا روح:"لن تموت.. روبي عنيدة وقوية، ولن تسمح للموت بأن يأخذها!"سحبت مارينا نفسها منه ونظرت إليه بذهول وصدمة، فقد كانت صدمته أكبر مما توقعت، وكأن كلماته مجرد هذيان وفقدان للعقل:"أخي أرجوك.. ارضَ بقضاء الله وقدره

  • أنتقام قاسي    17

    اتسعت عينا روبي بذهول وصدمة وهي تحدق في الفراشة الموشومة على ظهر إيزابيلا؛ علمت في تلك اللحظة أن إيزابيلا هي صاحبة الهدية التي غضب كارلوس من أجلها سابقاً. اعتصر الألم قلبها، وتلألأت الدموع في عينيها بعدما تيقنت أن إيزابيلا هي من تسكن قلبه دون غيرها.ارتدت ملابسها بعجلة وعادت إلى المخيم، ثم جلست على جذع شجرة والشرود يلفها. بعد لحظات، انضم إليها كارلوس وقال بنبرة هادئة:"الليلة سيكون هناك حفل خطوبة لأحد أصدقائي، وسأكون سعيداً لو انضممتِ إلينا."نظرت إليه بعيون تغمرها الحيرة والجمود، ثم أجابته ببرود جاف:"بالتأكيد سأحضر.. ماذا عن السارق؟ ألم تعرفه بعد؟"تنهد وقال بأسف:"للأسف لا، لكنني سأبذل قصارى جهدي للإمساك به.""لا يبدو أن إيزابيلا انزعجت مثلك؛ لقد نسيت الأمر ببساطة."رد بحزم:"أنتِ فقط متحيزة ضدها؛ ألم ترَيْ كيف كانت في حالة يرثى لها وهي تتوسل إلينا؟"أجابت بسخرية مريرة:"نعم أعلم، لقد أصبحنا صديقتين الآن.. لقد اعتذرت لي."رفع حاجبيه باستغراب وسأل:"حقاً؟! ألم أقل لكِ إنها فتاة طيبة؟"كانت كل كلمة ينطق بها كخنجر يغرس في قلبها؛ تراه يدافع عنها ويراها كملاك طاهر، بينما لا يرى في روبي

  • أنتقام قاسي    16

    التفت كارلوس نحو مصدر الصوت، بينما توقفت إيزابيلا وتطلعت إليهما بعيون تفيض بالخبث والحقد. أبعد كارلوس روبي عنه بلطف، ثم سأل إيزابيلا بدهشة وتعجب:"ماذا هناك يا إيزابيلا؟"صمتت لبرهة، ثم قالت بعصبية وتصنع:"أردتُ أن أخبرك بأمر مهم..."أجابها ببرود وقد بدأ صبره ينفد:"ليس الآن.. اذهبي."ترددت في المغادرة، وعيناها تتفحصان ملامح روبي بشر، لكنه قاطعها بحزم وقسوة:"قلتُ لكِ اذهبي!"انقادت ورجعت على أعقابها رغماً عنها، وظلت روبي تتابع خطواتها المبتعدة بنظرات ثاقبة. سبحت في خيالها قليلاً، حتى قاطع تفكيرها صوت كارلوس الدافئ:"فيمَ تفكرين؟"ابتلعت روبي ريقها بجهد وأجابته بتلعثم:"لا.. لا شيء.. عليّ الذهاب."سحبها إليه مجدداً، لكنها كانت مدركة أنه أبعدها للتو من أجل إيزابيلا، فشعرت بألم رهيب يعتصر قلبها وهي تحاول الفلات من بين يديه:"ما الذي حدث لكِ؟ لماذا تغيرتِ هكذا؟"أزاحت ذراعيه عنها وابعدت عنه بسخط، ولم تنتبه إلى أنها تقف على شفا جرف البحيرة مباشرة. حينها قال لها بقسوة وازدراء:"هل تشعرين بالاشمئزاز مني إلى هذا الحد؟"تأثرت روبي بكلماته الأخيرة، ورداً على قسوته، خُيل إليها أنها تستطيع الابت

  • أنتقام قاسي    15

    فتحت عينيها بصعوبة، وكان صوت كارلوس يتردد كالصدى بالقرب من أذنها:"روبي.. روبي.. استيقظي!"أجابته بنبرة خافته، وهي تكاد تفتح جفنيها:"ماذا حدث لي؟"صرخ بها بحنق:"يا لكِ من مجنونة! هل كنتِ تسيرين طوال الوقت بلا حذاء؟! لقد استخرجتُ بعض الأشواك وشظايا الزجاج من كعبي قدميكِ!"لم تهتم بما قاله، وأسرعت تقول بلهفة وقلق:"ماذا عن مارينا؟"طمأنها بابتسامة خفيفة ومغصوبة:"إنها بخير الآن.. لقد أنجبت طفلة جميلة."أشرقت ملامحها وحاولت الاعتدال في جلستها:"حقاً؟! هل يمكنني رؤيتها ورؤية الطفلة؟"وضع يده على كتفها ودفعها بلطف لتعود للاستلقاء:"نعم، ولكن ليس الآن.. لقد فقدتِ الكثير من الدماء ولا تستطيعين المشي."تجهمت ملامحها وقالت بضيق:"تباً.. كنتُ متلهفة جداً لرؤية الطفلة.""ستَرَينها لاحقاً.. الان تناولي هذه الوجبة لتستردي عافيتكِ."جلست وقدم لها الصينية، وبينما كانت تأكل، ألمحت أن أحد أزرار قميصه كان مقطوعاً! قطمت شفتيها بقمة الغيظ وتوقفت عن الطعام. تفاجأ هو الآخر من تصرفها وسألها:"لماذا توقفتِ عن تناول طعامكِ؟"حدقت فيه باستنكار وغل:"لماذا تدعي دور الزوج الحنون والمخلص؟ الجميع يعلم حقيقتك.. ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status