Home / الرومانسية / أنياب القمر / الفصل الرابع و العشرون: العلامه

Share

الفصل الرابع و العشرون: العلامه

last update publish date: 2026-07-12 20:47:50

استيقظت ليلى في منتصف الليل على وخز غريب في كتفها الأيسر، تمامًا في المكان الذي وضع فيه راكان يده قبل ساعات. أشعلت المصباح الصغير بجانب سريرها، وأزاحت طرف قميصها لترى ما يحدث، فتجمّد نفسها في صدرها.

كان هناك رسمٌ رفيع يتشكّل تحت جلدها، خطوط فضية باهتة تلتف حول بعضها كأنها هلال داخل دائرة، تمامًا مثل الرمز الذي رأته منقوشًا على غلاف مفكرة جدتها فاطمة. لم يكن وشمًا، ولم يكن جرحًا، بل كأن شيئًا كان نائمًا تحت جلدها منذ سنوات، وقرر الآن أن يستيقظ.

لفّت شالًا حول كتفيها وهرعت إلى غرفة طارق، مدربها، الذي كان لا يزال مستيقظًا يراجع بعض الأوراق القديمة على ضوء الشمعة. حين رأى وجهها الشاحب، نهض فورًا. «ماذا حدث؟ هل تأذيتِ؟»

أرته العلامة دون أن تنطق بكلمة. توقف طارق طويلًا، ثم اقترب ببطء شديد، كأنه يخشى أن تختفي إن اقترب بسرعة. قال بصوت مرتجف قليلًا: «هذه هي علامة حارسة الذاكرة. رأيتها مرة واحدة فقط في حياتي، على ذراع فاطمة، في الليلة التي سبقت هروبها.»

شعرت ليلى بالدوار. «تقصد أنني الآن... حارسة الذاكرة؟ لكنني لا أعرف حتى ما تعنيه هذه الكلمة بالضبط!»

جلس طارق أمامها، وحاول أن يشرح لها بأبسط ما يستطيع. «حارسة الذاكرة هي من تحمل تاريخ القبيلة كله في دمها، كل معاهدة، كل خيانة، كل اسم دُفن تحت الرماد. الأمر ليس هبة يا ليلى، بل عبء ثقيل. من يحمل هذه العلامة يصبح هدفًا لكل من يريد إخفاء الماضي.»

«ولهذا هربت فاطمة؟ لأنها كانت تحمل هذه العلامة؟»

أومأ طارق برأسه. «نعم، لكنها لم تهرب فقط بسبب الخطر عليها هي. كانت تعرف أن العلامة تنتقل، جيلًا بعد جيل، إلى من يحمل دمًا خاصًا بما يكفي لاستقبالها. كانت تأمل أن تظل نائمة فيك إلى الأبد، لكن يبدو أن ظهورك بجانب راكان أيقظها قبل الأوان.»

شعرت ليلى بغضب مفاجئ يتسلل إلى صوتها. «كل من حولي يعرف شيئًا عني لا أعرفه أنا. متى سأتوقف عن كوني آخر من يعرف حقيقتي؟»

لم يجب طارق مباشرة، بل نهض وأحضر صندوقًا خشبيًا صغيرًا كان مخبأً خلف رفوف الكتب. فتحه ببطء، وأخرج قطعة قماش قديمة ملفوفة بعناية. حين فردها أمامها، وجدت ليلى نفسها تحدّق في رسم مطابق تمامًا للعلامة على كتفها، لكنه محاط هذه المرة برموز أخرى، كأنها خريطة صغيرة.

«هذه كانت مع أغراض فاطمة التي تركتها هنا قبل هروبها. لم أفهم معناها قط، لكنني احتفظت بها لأنها الشيء الوحيد الذي طلبت مني حمايته بنفسها.» قالها طارق وهو يمرر أصابعه فوق الرموز بحذر.

أخذت ليلى القطعة القماشية بيد مرتجفة، وشعرت للحظة أن رائحة جدتها ما زالت عالقة فيها، رائحة الياسمين الممزوجة بخشب الصندل. أغمضت عينيها، وفجأة، ومضت في ذهنها صورة سريعة: امرأة تركض في الظلام، تحمل طفلة صغيرة، وصوت عواء بعيد يطاردهما.

فتحت عينيها بفزع. «رأيت شيئًا الآن... رأيت فاطمة تركض، كانت تحمل طفلة. هل كانت أمي؟»

تجمّد وجه طارق للحظة، وكأن سؤالها لامس جرحًا لم يكن يتوقع أن يُفتح الليلة. قال أخيرًا بصوت منخفض: «العلامة لا تمنحك القوة فقط يا ليلى، بل تمنحك أيضًا شظايا من الذاكرة، ذكريات ليست لك، بل لكل من حمل هذه العلامة قبلك. ستأتيك أكثر من ذلك، وربما لن تكون كلها لطيفة.»

ارتجفت ليلى، وسألت بصوت أقرب إلى الخوف من الفضول: «هل يعرف راكان بهذا؟»

«ليس بعد. لكن يجب أن يعرف، لأن ظهور هذه العلامة الآن، في هذا التوقيت بالذات، ليس صدفة. إن كانت قبيلة الظل تراقب هذه القلعة كما نظن، فإنها ستشعر بيقظة العلامة قبل أن تشعري أنتِ بها بوقت طويل.»

نظرت ليلى إلى العلامة الفضية على كتفها من جديد، وشعرت أنها لم تعد مجرد امرأة تحاول فهم عالم جديد، بل أصبحت فجأة حلقة وصل بين ماضٍ مدفون ومستقبل لم يُكتب بعد. طوت قطعة القماش بعناية، وضمّتها إلى صدرها، وقالت بصوت أكثر ثباتًا مما توقعت: «إذن سأتعلم كل شيء عن هذه العلامة، بسرعة، قبل أن يجدني من يبحث عنها.»

في طريق عودتها إلى غرفتها، مرّت ليلى بالممر الذي يطل على حديقة القلعة الداخلية، ورأت راكان واقفًا هناك وحيدًا، ينظر إلى القمر بعينين شاردتين. توقفت للحظة، غير متأكدة إن كانت تريد إخباره الآن أم تنتظر حتى الصباح. لكن قدميها قادتاها نحوه دون قرار واعٍ منها.

لاحظ وجودها قبل أن تصل، والتفت نحوها بابتسامة خفيفة سرعان ما تلاشت حين رأى التوتر على وجهها. سألها: «ماذا حدث؟ وجهك يخبرني أن شيئًا ما تغيّر الليلة.»

أزاحت طرف قميصها ببطء وأرته العلامة الفضية على ضوء القمر. توقف تنفسه للحظة، واقترب منها ببطء شديد، وكأنه يخشى أن تختفي العلامة إن لمسها. قال بصوت خافت: «هذه هي علامة حارسة الذاكرة... رأيتها في الرسوم القديمة فقط، لم أظن أنني سأراها حقيقية يومًا.»

«طارق أخبرني أنها كانت على ذراع جدتي قبل هروبها. هل تعرف أنت أيضًا ماذا يعني ظهورها الآن بالتحديد؟» سألته ليلى بصوت يحمل قلقًا حقيقيًا.

أجاب راكان بجدية: «يعني أن الرابطة بيننا أقوى مما كنا نتصور، وأن جسدك بدأ يتقبل هويتك الحقيقية أخيرًا. لكنه يعني أيضًا أن قبيلة الظل ستشعر بهذا التغيير عاجلًا أم آجلًا، لأن يقظة العلامة تترك أثرًا يمكن تتبعه لمن يعرف كيف يبحث.»

شعرت ليلى بثقل الخبر يترسخ في صدرها. سألته: «هل هذا يعني أنني في خطر أكبر مما كنت عليه قبل الليلة الماضية؟»

لم يكذب عليها، وهذا ما أحبته فيه دائمًا. قال ببساطة: «نعم. لكن هذا يعني أيضًا أنك أصبحت أقوى من أي وقت مضى، وأننا سنحميك بكل ما نملك، معًا هذه المرة، لا أنا وحدي.»

جلسا معًا على مقعد حجري في الحديقة، والصمت بينهما لم يكن غريبًا بل مريحًا نوعًا ما، رغم ثقل ما حملته الليلة. بعد دقائق، سألته ليلى سؤالًا كان يشغل بالها منذ أن رأت الرمز على قطعة القماش القديمة: «هل تعرف ماذا تعني الرموز المحيطة بالعلامة في الرسم الذي وجدته مع طارق؟»

فكّر راكان قليلًا، ثم قال: «تبدو لي وكأنها خريطة، أو ربما دليل لمكان معين. الرموز القديمة التي تستخدمها القبيلة نادرًا ما تكون للزينة فقط، فكل خط له معنى محدد في لغتنا الأصلية.»

أومأت ليلى برأسها، وقررت في تلك اللحظة أنها ستطلب من طارق وسيرا مساعدتها على فك رموز تلك الخريطة في أقرب وقت ممكن، فربما كانت المفتاح الذي يقودها أخيرًا إلى الحقيقة الكاملة عن هروب جدتها، وعن الخائن الذي ما زال يتربص بينهم حتى اليوم.

قبل أن تنهض للعودة إلى غرفتها، أمسك راكان بيدها بلطف وقال: «مهما اكتشفتِ في الأيام القادمة، عدّيني بأن تخبريني أولًا، قبل أن تتصرفي بمفردك. لا أريد أن أخسرك بسبب سر كان يمكن أن نواجهه معًا.»

ابتسمت ليلى رغم التعب البادي عليها، وقالت: «أعدك. لكن عدني أنت أيضًا بألا تخفي عني شيئًا بعد الآن، حتى لو كان مؤلمًا.»

أطرق راكان برأسه موافقًا، رغم أن نظرة عابرة في عينيه أوحت لليلى بأن هناك ما زال يخفيه، شيئًا يتعلق بذلك الاسم الذي بدأ يشك فيه ولم يجرؤ بعد على النطق به.

عادت ليلى إلى غرفتها أخيرًا، لكنها لم تستطع النوم بسهولة. جلست أمام المرآة الصغيرة، وأزاحت قميصها لترى العلامة الفضية من جديد، وهي تتوهج بخفوت في الظلام كأنها نجمة صغيرة محبوسة تحت جلدها. لمستها بأطراف أصابعها، وشعرت بدفء غريب يسري في جسدها، وكأن العلامة تتعرف عليها كما تتعرف هي عليها.

فكّرت في جدتها فاطمة، في الخوف الذي عاشته وهي تحمل هذا السر وحدها لسنوات طويلة، وقررت في تلك اللحظة أنها لن تكرر خطأها بالصمت. ستشارك كل ما تكتشفه مع من تثق بهم، مهما كان الأمر مخيفًا، لأن السر الذي يُحمل وحيدًا هو أثقل سر على الإطلاق.

نامت أخيرًا وهي تحتضن قطعة القماش القديمة بين يديها، وكأنها تحاول أن تستمد منها بعضًا من قوة جدتها التي لم تعرفها يومًا وجهًا لوجه، لكنها بدأت تشعر بحضورها في كل ركن من أركان هذا العالم الجديد الذي أصبحت جزءًا منه بلا رجعة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنياب القمر    الفصل الخمسون: تحت القمر المكتمل

    مرت أشهر عديدة منذ حفل التتويج، واستقرت الأوضاع في القبيلة بشكل ملحوظ تحت قيادة راكان وليلى المشتركة، التي أثبتت نفسها يومًا بعد يوم كملكة حكيمة وعادلة، تجمع بين قوة الذئبة البيضاء وحكمة حارسة الذاكرة في شخصية واحدة متكاملة أحبها أفراد القبيلة جميعًا دون استثناء تقريبًا، حتى أولئك الذين تحفظوا في البداية على رابطتها مع الملك بسبب دمها المزدوج.لم يظهر صاحب العينين الحمراوين مرة أخرى طوال هذه الأشهر، لكن راكان وليلى لم يتوقفا عن الحذر واليقظة، مدركين أن ظله قد يعود يومًا ما، ربما بعد سنوات، ربما في جيل قادم، تمامًا كما عاد بعد هروب فاطمة الأولى قبل ثلاثة وثلاثين عامًا. قررا معًا أن يوثقا كل تفاصيل هذه القصة في أرشيف الذاكرة بدقة متناهية، ليكون درسًا للأجيال القادمة، بدلًا من إخفاء الحقيقة كما فعلت الأجيال السابقة خوفًا من مواجهتها.في مساء أحد الأيام، تحت ضوء قمر مكتمل جديد أضاء سماء الوادي بأكمله، وقفت ليلى وراكان معًا على الشرفة نفسها التي شهدت الكثير من محادثاتهما المهمة عبر هذه الرحلة الطويلة. أخبرته ليلى بابتسامة مشرقة عن خبر جديد أثار فرحًا عارمًا بينهما: أنها تحمل الآن حياة جديد

  • أنياب القمر    الفصل التاسع و الاربعون : تتويج الملكه

    بعد أسابيع قليلة من استقرار الأوضاع الأمنية بشكل ملحوظ، قرر مجلس الحكماء أن الوقت حان أخيرًا لتنظيم حفل تتويج رسمي لليلى كملكة كاملة الصلاحيات للقبيلة، إلى جانب راكان، تكريمًا لدورها المحوري في حماية القبيلة خلال أحلك أوقاتها، ومكافأة لشجاعتها ونكرانها لذاتها التي أثبتتها مرارًا عبر هذه الرحلة الطويلة والشاقة منذ وصولها الأول إلى هذا العالم الغريب عليها في البداية.استقبلت ليلى هذا الخبر بمزيج من الفخر والتواضع الحقيقي، وقالت لراكان بصدق: «لا أشعر أنني أستحق لقب ملكة بقدر ما أشعر أنني جزء من عائلة كبيرة أحمي أفرادها بكل ما أملك من قوة وحب.» ابتسم راكان بحنان، وقال: «وهذا بالضبط ما يجعلك تستحقين هذا اللقب أكثر من أي شخص آخر، لأن القيادة الحقيقية تنبع من الحب والتواضع، لا من الرغبة في السلطة أو التفاخر بالمكانة.»تحضّرت القلعة لحفل التتويج بحماس متجدد، وشارك الجميع في الترتيبات: طارق تولى تنظيم عرض عسكري رمزي بمشاركة كل المحاربين الذين قاتلوا في المعركة الكبرى، بينما أشرفت سيرا على الجانب الروحي للطقس التتويجي التقليدي، الذي يتضمن وضع تاج فضي قديم توارثته الملكات السابقات عبر أجيال طويل

  • أنياب القمر    الفصل الثامن و الأربعون: ظل يعود

    بعد أسبوع من احتفالات الاقتران التي امتدت بفرح متجدد عبر القبيلة بأكملها، وصل خبر مقلق كسر هذا الهدوء النسبي: رُصدت مجموعة صغيرة من أتباع صاحب العينين الحمراوين المتبقين تتجمع مرة أخرى قرب الحدود الشمالية، في محاولة يائسة أخيرة ربما، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا حقيقيًا يجب التعامل معه بجدية تامة قبل أن يتفاقم إلى أزمة أخرى مماثلة لما سبق.جمع راكان قادته فورًا لمناقشة الموقف، وقرروا إرسال فريق صغير بقيادة نادر وطارق للتحقيق في الأمر عن كثب دون الدخول في مواجهة مباشرة إلا إذا كان ذلك ضروريًا تمامًا. طلبت ليلى المشاركة في هذه المهمة، مدركة أن خبرتها المتزايدة في التعامل مع أتباع هذا الرجل الغامض قد تكون حاسمة لفهم نواياهم الحقيقية ومنع أي تهديد مستقبلي محتمل ضد القبيلة وأمنها المستعاد بصعوبة بالغة.وافق راكان بتردد، مشترطًا مرافقته لها شخصيًا هذه المرة، غير مستعد لتحمل فكرة تعرضها لأي خطر إضافي بعد كل ما مرا به معًا. انطلق الفريق الصغير عند الفجر، متتبعين أثر المجموعة المشبوهة عبر تضاريس وعرة قرب الحدود، حتى وصلوا أخيرًا إلى معسكر صغير مؤقت مخفي بين الأشجار الكثيفة، حيث وجدوا عددًا قليلً

  • أنياب القمر    الفصل السابع و الأربعون: طقس الاقتران

    حلّت أخيرًا ليلة طقس الاقتران، تحت قمر مكتمل ثانٍ أضاء سماء القلعة بضوء فضي ساحر يشبه إلى حد كبير ذلك الذي رافق ليلة استيقاظ الذئبة البيضاء قبل أسابيع قليلة. تجمّع أفراد القبيلة بأكملهم في الساحة الكبرى، مرتدين أفضل ثيابهم، ينتظرون بترقب حقيقي بداية أعظم احتفال شهدته هذه الأسوار منذ سنوات طويلة مضت.ارتدت ليلى ثوبًا أبيض طويلًا مطرزًا برموز فضية دقيقة تشبه تلك الموجودة على علامتها، من تصميم سيرا نفسها التي أشرفت على كل تفصيلة بحب وعناية فائقة. وقفت أمها بجانبها تساعدها في اللمسات الأخيرة، ودموع الفخر تملأ عينيها وهي ترى ابنتها تستعد للحظة لم تكن تحلم يومًا أن تشهدها بأم عينيها بعد كل سنوات الغياب والخوف الطويلة.دخلت ليلى الساحة الكبرى وسط تصفيق حار وعواء جماعي مهيب، ووجدت راكان ينتظرها عند النصب الحجري القديم، مرتديًا زيًا ملكيًا فاخرًا يليق بهذه المناسبة التاريخية. تبادلا نظرة طويلة مليئة بكل ما مرا به معًا، من اللقاء الأول في الغابة إلى المعركة الكبرى، وشعرا كلاهما أن كل لحظة ألم سابقة كانت تستحق الوصول إلى هذه اللحظة بالذات.بدأت سيرا الطقس بتلاوة كلمات قديمة بلغة الحراس الأصلية،

  • أنياب القمر    الفصل السادس و الأربعون: التحضير لطقس الاقتران

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل الخامس و الأربعون: لقاء بعد غياب

    وقفت ليلى وأمها وجهًا لوجه للمرة الأولى منذ عشرين عامًا كاملة، والدموع تنهمر من عيني كلتيهما دون أن تستطيعا نطق كلمة واحدة للحظات طويلة. أخيرًا، فتحت الأم ذراعيها، وانهارت ليلى بين أحضانها، تشعر بدفء لم تختبره منذ الطفولة، دفء أم افتقدته دون أن تدرك حجم هذا الفراغ الحقيقي في قلبها طوال كل هذه السنوات.دعتهما الأم للدخول، وجلسوا معًا حول طاولة بسيطة في منزلها المتواضع، بينما راقبهما راكان بصمت محترم، مدركًا أن هذه اللحظة تخص ليلى وأمها وحدهما بالدرجة الأولى. بدأت الأم تروي قصتها الكاملة: كيف اضطرت للهروب حين أدركت أن نفس الخطر الذي طارد فاطمة بدأ يقترب منها ومن ابنتها الصغيرة، وكيف اختارت التضحية بحضورها في حياة ليلى مقابل ضمان سلامتها بعيدًا عن كل هذه المخاطر.سألتها ليلى بصوت متأثر: «هل تعرفين أي شيء عن صاحب العينين الحمراوين؟ اسم غامض ورد في مفكرة جدتي دون تفاصيل كافية.» ابتسمت الأم بحزن عميق، وقالت: «أعرف أكثر مما تتخيلين للأسف. كان يومًا خطيبًا لفاطمة قبل زواجها من جدك، قبل أن يُطرد من القبيلة بتهمة الخيانة الأولى، وظل يحمل حقدًا لا ينتهي تجاه كل من رفضه، وتجاه القبيلة بأكملها الت

  • أنياب القمر    الفصل العاشر : التحدي

    الفصل العاشرالتحدياسمها كانت ريم.طويلة، ذات شعر أسود قصير وعيون عسلية ونظرة تعوّدت على أن تُزيح ما أمامها. واحدة من المقاتلات الأولى في القبيلة، تعرّفت عليها ليلى خلال الأيام الأولى من طرف نظراتها، النوع من النظرات التي تقيس وتحكم قبل أن تسأل.ريم لم تُخفِ رأيها. لم تقله بصوت عالٍ لكنها لم تُخفه

  • أنياب القمر    الفصل التاسع: الخيوط

    الفصل التاسعالخيوطجلسا على جانبي الطاولة الكبيرة في مكتب راكان والمفكّرة بينهما.الساعة كانت قبل الضحى بقليل، الضوء يدخل من النافذة الكبيرة بزاوية باردة، وكوبا قهوة يُبخّران في أطراف الطاولة لم يتجرّع منهما أحد بعد. قرّر راكان أن يقرأ بصوت عالٍ والمفكّرة في يده، وقرّرت ليلى أن تستمع وتكتب ما يلزم

  • أنياب القمر    الفصل الثاني: الاختفاء

    الفصل الثانيالاختفاءلم تكن الغرفة سجنًا.هذا ما قالته ليلى لنفسها وهي تنظر حولها في الصباح الباكر، بعد ليلة نامت فيها نومًا أعمق مما ينبغي لشخص في مكان غريب. الغرفة واسعة، جدرانها من الحجر الداكن المصقول، والسرير فيها أضخم مما تعوّدت عليه في شقتها الصغيرة. على الطاولة الخشبية إلى جانب النافذة كان

  • أنياب القمر    الفصل الأول : الغابة لا تنام

    كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين أدركت ليلى أنها ضلّت الطريق.لم يكن ذلك ما أرادته حين قرّرت تصوير الغابة ليلاً. أرادت القمر الكامل يرسم ظلاله بين الأشجار، أرادت الصمت الذي لا يجده المصوّر إلا في ساعات الذروة الظلامية، حين ينام الضجيج ويصحو الجمال الخفي. لكن الغابة كان لها رأي آخر.بدأت المشكلة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status