เข้าสู่ระบบالفصل الثاني: صفعة الحقيقة
ظلّت ليان تحدق في الباب الذي أُغلق خلف أختها، وكأنها تنتظر أن تعود وتخبرها بأن كل ما قالته لم يكن سوى مزحة ثقيلة. لكن الصمت كان أصدق من أي كلام. انحنت ببطء والتقطت خاتم خطبتها. كانت أصابعها ترتجف، بينما راحت تتأمل بريقه الذي كان يومًا رمزًا للحب، فإذا به يتحول إلى شاهد على أكبر خيانة عرفها قلبها. لم تشعر بالدموع وهي تنهمر فوق وجنتيها. شعرت فقط بأن شيئًا بداخلها انكسر إلى الأبد. مرت دقائق... أو ربما ساعات، فقدت خلالها الإحساس بالوقت، حتى دوى صوت طرقات قوية على باب غرفتها. قبل أن تسمح بالدخول، اندفعت أختها غير الشقيقة إلى الداخل. كانت ترتدي حذاء الزفاف الأبيض الذي اختارته ليان بنفسها قبل أشهر، وتمشي به داخل الغرفة وكأنها تستعرض غنيمة انتزعتها في معركة. دارت حول نفسها أمام المرآة، ثم ابتسمت قائلة: ــ أليس جميلًا؟ كنت خائفة ألا يناسب مقاسي... لكنه يبدو وكأنه صُنع من أجلي. لم ترد ليان. كانت تنظر إليها في صمت، محاولة أن تستوعب كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذا القدر من القسوة. ضحكت الأخرى وهي تقترب أكثر. ــ لا تنظري إليّ بهذه الطريقة. هل كنتِ تظنين حقًا أنه يحبك؟ ابتلعت ليان غصتها وقالت بصوت مبحوح: ــ اخرجي من غرفتي. لكن الفتاة تجاهلتها، وجلست على طرف السرير وكأن المكان ملكها. ــ ثماني سنوات؟ رقم كبير فعلًا... لكنه لا يعني شيئًا إذا كان القلب في مكان آخر. رفعت ليان رأسها، وقد بدأت ملامح الغضب تظهر لأول مرة. ــ قلت لك... اخرجي. ابتسمت أختها بسخرية. ــ أكبر خطأ ارتكبته هو أنك صدقتِ أن وجودك بجانبه كل هذه السنوات يعني أنه سيختارك في النهاية. كانت كل كلمة تسقط على قلب ليان كسكين حاد. وقفت فجأة وهي تصرخ: ــ اخرجي! وفي اللحظة نفسها أمسكت بذراع أختها لتبعدها عن طريقها. لكن ما حدث بعدها لم يكن متوقعًا. تراجعت أختها إلى الخلف عمدًا، ثم ألقت بنفسها على الأرض وهي تصرخ بأعلى صوتها. ــ أمي... أنقذيني! هرعت زوجة الأب إلى الغرفة. فتحت الباب بعنف، وما إن رأت ابنتها جالسة على الأرض حتى تغير وجهها. ــ ماذا حدث؟ أجهشت الابنة بالبكاء المصطنع وهي تشير إلى ليان. ــ دفعتني... كانت تريد إيذائي. لم تمنح زوجة الأب ليان فرصة واحدة للدفاع عن نفسها. اقتربت منها وصفعتها بقوة حتى انحرف وجهها إلى الجانب. ارتطم ظهر ليان بالحائط، وشعرت بحرارة الصفعة تشتعل فوق خدها. صرخت المرأة بغضب: ــ لولا أننا آويناك منذ سنوات، لكنتِ في الشارع! كيف تجرؤين على رفع يدك على ابنتي؟ رفعت ليان عينيها والدموع تملؤهما. ــ أنا لم... لكنها لم تكمل. دفعتها زوجة الأب مرة أخرى حتى كادت تسقط أرضًا. ــ من اليوم لن تخرجي من غرفتك إلا لخدمة أختك. ستغسلين ملابسها، وتنظفين غرفتها، وتجهزين كل ما تحتاج إليه حتى يوم الزفاف. ثم أشارت إليها بإصبعها قائلة: ــ تذكري مكانتك في هذا البيت. أمسكت بابنتها بحنان، وربتت على كتفها وهي تطمئنها، ثم خرجتا معًا. وقبل أن يُغلق الباب، التفتت الأخت إلى ليان. كانت الابتسامة التي ارتسمت على وجهها أكثر إيلامًا من الصفعة. اختفتا، وبقيت ليان وحدها. وضعت يدها على خدها الذي لا يزال يحترق، ثم نظرت إلى هاتفها الموضوع فوق الطاولة. كان هناك سؤال واحد يلتهمها من الداخل. هل انتهى كل شيء فعلًا؟ فتحت نافذة المحادثة بينها وبين خطيبها. كتبت ببطء: "أخبرني فقط... لماذا؟" انتظرت. مرت دقيقة. ثم دقيقتان. ثم ظهر إشعار صغير على الشاشة. "تمت القراءة." اتسعت عيناها. تشبثت بالأمل، تنتظر الرد. لكن لم تصل أي رسالة. ظل الإشعار كما هو... "تمت القراءة." ولا شيء بعده. ابتسمت ليان ابتسامة باهتة امتزجت بالمرارة. حتى كلمة اعتذار... لم تعد تستحقها. ألقت الهاتف داخل الدرج، وحين أغلقته لفت انتباهها ملف قديم كانت قد احتفظت به منذ أشهر. أخرجته ببطء، ونفضت عنه الغبار. كان يحتوي على خطة تنظيم حفل الزفاف التي عملا عليها معًا. قلبت الصفحات واحدة تلو الأخرى، حتى توقفت فجأة. تجمدت أنفاسها. في الصفحة الأخيرة كان اسمها مكتوبًا بجوار كلمة "العروس"... لكن الاسم شُطب بقلم أسود. وفوقه كُتب اسم أختها بخط واضح. وفي أسفل الصفحة تاريخ التعديل. قبل ثلاثة أشهر. ارتخت يدها، وسقط الملف على الأرض. لم تكن الخيانة قد بدأت اليوم... بل كانت تُحاك في الخفاء منذ أشهر، بينما كانت هي تحلم بفستان الزفاف، وتعد الأيام حتى تصبح زوجته.الفصل السبعون: الكلمة التي ماتت معها الحقيقةلم تتحرك ليان.كانت راكعة بجوار عبد الرحمن.تمسك بيده الباردة.وتنظر إلى عينيه المفتوحتين.همست بصوت مكسور:ــ لا...ــ أرجوك...ــ قل الاسم.لكن الرجل لم يعد يسمع.وصل المسعفون بعد دقائق.فحص الطبيب نبضه.ثم نظر إلى خالد وهز رأسه ببطء.ــ البقاء لله.أغمضت ليان عينيها.شعرت أن كل شاهد يقترب منها...يموت قبل أن يكمل الحقيقة.وقف آدم بجانبها.حاول مساعدتها على الوقوف.لكنها رفضت.قالت بصوت ضعيف:ــ كل من يساعدني...يموت.أجاب آدم بحزم:ــ لا تقولي هذا.ــ القاتل هو المسؤول.وليس أنت.لكن كلماتها بقيت عالقة في قلبه.---بدأ رجال الأمن بتفتيش محطة القطار.وجدوا آثار أقدام.وبقايا القنبلة الدخانية.ورصاصة مستقرة في أحد الأعمدة الحديدية.قال خالد وهو ينظر إلى المكان:ــ هذه ليست عملية عشوائية.ــ كان يعرف أين نقف.ــ ويعرف من يجب أن يموت.اقترب ياسر من جثة عبد الرحمن.لاحظ أن الرجل كان يقبض على شيء داخل يده.فتح أصابعه بحذر.وجد قطعة قماش صغيرة ممزقة.سوداء اللون.قال خالد:ــ انتزعها من ملابس المهاجم أثناء الاشتباك.وضعها داخل كيس الأدلة.ــ سن
الفصل التاسع والستون: شاهد الليلة الأخيرةوقفت ليان في ساحة محطة القطار القديمة.الرياح كانت تحرك الأوراق اليابسة فوق القضبان الصدئة.المكان خالٍ تمامًا...إلا من الرجل العجوز الذي يقف أمامها.كان يمسك عصاه بكلتا يديه، وعيناه لا تفارقان وجهها.قالت ليان بحذر:ــ من أنت؟ابتسم الرجل ابتسامة باهتة.ــ اسمي عبد الرحمن.ــ كنت سائق والدك.تجمدت ليان.ــ سائق أبي؟أومأ برأسه.ــ خدمت عائلتكم أكثر من خمسة عشر عامًا.ــ وكنت آخر شخص رأى والدك ووالدتك أحياء.شعرت ليان بأن أنفاسها أصبحت أثقل.اقتربت خطوة.ــ لماذا اختفيت؟تنهد الرجل.ــ لأنهم حاولوا قتلي.ــ ظنوا أنني مت.لكن أحد الصيادين وجدني في الصباح وأنقذ حياتي.ــ ومنذ ذلك اليوم...عشت باسم آخر.ساد الصمت.ثم سألته ليان:ــ لماذا طلبت مقابلتي الآن؟نظر إلى الحقيبة التي تحملها.ــ هل أحضرتِ الدفتر؟احتضنت الحقيبة بقوة.ــ نعم.ــ لكنني لن أسلمه قبل أن أعرف الحقيقة.هز رأسه موافقًا.ــ هذا حقك.---في تلك اللحظة...كانت سيارات خالد وآدم وإبراهيم تنطلق بأقصى سرعة.قال آدم بغضب:ــ كيف خرجت دون أن نعرف؟أجاب خالد وهو يقود:ــ كانت تخطط منذ ا
الفصل الثامن والستون: الموعد الذي أخفته ليانعادت السيارات إلى القصر مع اقتراب منتصف الليل.كان الجميع مرهقًا.وفاة حسن العطار لم تكن مجرد خسارة شاهد جديد...بل كانت دليلًا آخر على أن خصمهم يسبقهم بخطوة دائمًا.دخل إبراهيم إلى غرفة الاجتماعات.قال:ــ غدًا سنراجع كل ما وجدناه في منزل حسن.ــ ربما ترك لنا شيئًا لم ننتبه إليه.أومأ الجميع بالموافقة.أما ليان...فكانت صامتة.الورقة ما زالت داخل معطفها.تشعر أنها تحترق كلما لمستها.كانت تسمع كلماتها في رأسها مرارًا:"تعالي وحدك... وأحضري الدفتر... وإلا فلن تري ريم مرة أخرى."---في منتصف الليل...دخلت ليان غرفتها.أغلقت الباب بالمفتاح.أخرجت الورقة.وقرأتها للمرة العاشرة.ثم نظرت إلى صورة ريم.همست:ــ إذا كان هذا فخًا...فسأقع فيه.لكن إذا كان طريقًا إليك...فسأمشيه.جلست على طرف السرير.بدأ الصراع داخلها يزداد.إذا أخبرت خالد...سيمنعها من الذهاب.إذا أخبرت إبراهيم...سيعتبر الأمر مخاطرة غير محسوبة.أما إذا ذهبت وحدها...فقد لا تعود.أغمضت عينيها.ثم اتخذت قرارها.---في صباح اليوم التالي...بدت ليان طبيعية قدر الإمكان.جلست مع الجميع ع
الفصل السابع والستون: الرسالة التي أخفاها ثلاثين عامًاوقفت ليان عند باب المكتب.رأت إبراهيم واقفًا، ويده ترتجف وهو يمسك الرسالة القديمة.لم تره بهذا الضعف من قبل.سألته مرة أخرى:ــ ماذا حدث؟رفع إبراهيم عينيه إليها ببطء.بدت عليه علامات صراع داخلي.ثم جلس على المقعد وكأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمله.قال بصوت منخفض:ــ هذه الرسالة كتبها والدك قبل ساعات من مقتله.اقتربت ليان بسرعة.ــ ولماذا لم تخبرنا عنها؟أغمض عينيه للحظة.ــ لأنني لم أملك الشجاعة.ساد الصمت.قالت ليان بمرارة:ــ كل مرة أظن أنني عرفت كل شيء...أكتشف أنك أخفيت شيئًا آخر.لم يغضب إبراهيم.بل قال:ــ معك حق.ولو عاد بي الزمن...لفعلت أشياء كثيرة بشكل مختلف.لكن الماضي لا يعود.جلس ياسر بجواره.ــ اقرأ الرسالة.تنهد إبراهيم.ثم بدأ يقرأ بصوت متقطع."إلى أخي إبراهيم...إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني فشلت في حماية عائلتي.لا تلُم نفسك مهما حدث.لكن إذا نجت ليان أو ريم... فلا تدعهما تعرفان الحقيقة وهما صغيرتان.سيأتي يوم تصبحان فيه قادرتين على المواجهة.وعندما يأتي ذلك اليوم... أخبرهما أنني لم أخنهما أبدًا."
الفصل السادس والستون: بداية الشكلم يتحرك أحد بعد قراءة الرسالة.كانت الكلمات ما تزال تتردد داخل الغرفة."انظروا إلى الشخص الذي يملك مفاتيح كل الأبواب."ساد صمت ثقيل.لم يكن صمت خوف...بل صمت شك.نظر آدم إلى إبراهيم.ثم أبعد عينيه بسرعة.أما خالد...فكان يراقب الجميع دون أن ينطق.أخيرًا، تكلم إبراهيم.ــ أنتم تظنون أن الرسالة تقصدني.لم يجبه أحد.قال بهدوء مؤلم:ــ ومن حقكم.ــ لو كنت مكانكم...لفكرت بالطريقة نفسها.رفعت ليان رأسها ببطء.كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالتعب.قالت:ــ لا أريد أن أظلمك.ــ لكنني لم أعد أعرف بمن أثق.كانت تلك الجملة أقسى من أي اتهام.خفض إبراهيم رأسه.ولم يحاول الدفاع عن نفسه.---دخل خالد غرفة المراقبة مرة أخرى.أعاد مشاهدة تسجيل وصول السيارة.أوقف الصورة.ثم قال:ــ انتظروا...اقترب ياسر.ــ ماذا وجدت؟أشار خالد إلى السيارة.ــ السائق لم ينزل من الباب.نظر الجميع إلى الشاشة.ثم لاحظوا شيئًا غريبًا.بعد توقف السيارة...اختفت لثوانٍ بسبب زاوية الكاميرا.ثم ظهرت وهي فارغة.قال آدم باستغراب:ــ أين ذهب؟رد خالد:ــ هذا يعني أنه يعرف نقطة عمياء في نظام الكا
الفصل الخامس والستون: المكالمة التي انتظرتها ثلاثون عامًامرّت الساعات ببطء شديد.كانت الساعة المعلقة في صالة القصر تصدر صوتًا واضحًا مع كل ثانية.وكأنها تذكّر ليان بأن موعد الثامنة يقترب.جلست في غرفة الاجتماعات.الهاتف القديم أمامها.لم تلمسه.كانت تخشى أن يرن قبل الموعد.أو ألا يرن أبدًا.اقترب منها آدم ووضع كوبًا من الشاي أمامها.قال بهدوء:ــ اشربي شيئًا.هزت رأسها بالنفي.ــ لا أستطيع.جلس بجوارها.ــ منذ يومين لم تأكلي إلا القليل.ابتسمت ابتسامة شاحبة.ــ أشعر أنني إذا أكلت أو نمت...سأضيع دقيقة قد تغيّر حياتي.نظر إليها بحزن.كانت ليان تضعف يومًا بعد يوم.وجهها أصبح شاحبًا.وعيناها امتلأتا بالإرهاق.حتى ملابسها أصبحت أوسع قليلًا بعد أن فقدت وزنها.لاحظ إبراهيم ذلك أيضًا.وقف بعيدًا يراقبها.ثم قال لياسر:ــ لم تعد تتحمل.أجابه ياسر:ــ أعرف.لكن لا أحد يستطيع أن يجبرها على التوقف.عند السابعة وخمسين دقيقة...وضع خالد أجهزة تتبع حول الهاتف.وأحضر فريقًا متخصصًا لتحديد مصدر المكالمة.قال:ــ بمجرد أن يتصلوا...سنحاول معرفة المكان.نظر ياسر إلى ليان.ــ مهما سمعتِ...لا تنفعلي.ق







