Masukالفصل السادس: الحقيقة التي لم تُولد بعد
"مرحبًا بعودتك يا ليان." ظلت الكلمات تتردد داخل رأسي كصدى لا يريد أن يختفي. لم أعد أسمع صوت الرياح خارج القاعة. ولا صوت تشقق الجليد. ولا حتى صوت أنفاسي. كل ما كنت أسمعه هو تلك الجملة. وكأنها فتحت بابًا مظلمًا داخل عقلي. التفت نحو آدم. كانت عيناي تبحثان عن أي إشارة تنفي ما سمعته. أي شيء. أي كلمة. أي اعتراض. لكن الصمت الذي ارتسم على وجهه كان أكثر رعبًا من أي إجابة. تراجعت خطوة إلى الخلف. "ماذا يقصد؟" لم يرد. "آدم..." رفعت صوتي. "ماذا يقصد؟!" أغلق عينيه للحظة. ثم قال بصوت منخفض: "لا أعرف." ضحكت بمرارة. "كاذب." رفع رأسه نحوي. وكان الألم واضحًا في عينيه. "أقسم أنني لا أعرف كل شيء." "لكنك تعرف شيئًا." ساد الصمت. ثم أدار وجهه بعيدًا. وهنا فهمت. كان يخفي عني الحقيقة منذ البداية. وقبل أن أضغط عليه أكثر، دوى صوت انفجار داخل القاعة. تراجعت بفزع. وانتشرت الشقوق في الجليد بصورة أكبر. سقطت قطعة ضخمة من الكتلة المتجمدة. وظهرت يد الرجل المحبوس. يد حقيقية. حية. ليست يد ميت. شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبي. أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي. وكأنه يحاول حمايتي. رغم أنني كنت غاضبة منه. رغم أنني لم أعد أعرف إن كان عدوًا أم حليفًا. إلا أن جزءًا مني شعر بالأمان عندما وقف أمامي. ابتسم الرجل داخل الجليد. "ما زلت تفعل ذلك." نظر إليه آدم ببرود. "اصمت." ضحك الرجل. "بعد كل هذه السنوات ما زلت تحاول لعب دور البطل." ازداد توتر آدم. أما أنا فكنت أشعر أنني أقف وسط لغز يزداد تعقيدًا مع كل دقيقة. "من أنت؟" سألت أخيرًا. تحولت عيناه نحوي. وفي تلك اللحظة شعرت بشيء غريب. شعور مألوف. وكأنني رأيت تلك النظرة من قبل. لكنني لم أتذكر أين. قال الرجل: "كنتِ تعرفين اسمي يومًا." عقدت حاجبي. "لكنني لا أعرفك." ابتسم ابتسامة حزينة. "هذا لأن القصر بدأ يلتهم ذكرياتك." تجمدت في مكاني. ثم أكمل: "كما فعل مع الجميع." نظرت إلى آدم. "هل هذا صحيح؟" أخفض رأسه ببطء. وكان ذلك كافيًا. شعرت بالغضب يشتعل داخلي. كل يوم أمضيته هنا. كل ذكرى ضاعت مني. كل اسم نسيته. كل شعور اختفى دون أن أفهم السبب. كان حقيقيًا. لم أكن أتخيل شيئًا. اقتربت من آدم. "لماذا لم تخبرني؟" رفع عينيه نحوي. "لأنني كنت أحاول إيجاد طريقة لإنقاذك." "بالكذب علي؟" لم يجب. وذلك كان أسوأ جواب ممكن. شعرت بأن قلبي ينكسر. ليس لأنني فقدت ذكرياتي. بل لأن الشخص الوحيد الذي بدأت أثق به أخفى عني الحقيقة. وفي تلك اللحظة بالذات... حدث شيء غريب. ظهر أمامي مشهد خاطف. رأيت نفسي أقف داخل القصر. لكن المكان لم يكن مهجورًا. كان مليئًا بالحياة. الثريات مضاءة. والموسيقى تعزف. والناس يضحكون. ثم رأيت فتاة تقف أمام نافذة كبيرة. كانت ترتدي فستانًا أبيض. وعندما استدارت نحوي... شهقت. كانت تشبهني تمامًا. نفس الوجه. نفس العينين. نفس الملامح. حتى طريقة الوقوف. ثم اختفت الرؤية فجأة. كدت أسقط لولا أن أمسكت بطرف أحد الأعمدة. وضعت يدي على رأسي. الألم كان لا يطاق. ركض آدم نحوي. "ليان!" ابتعدت عنه فورًا. "لا تلمسني." توقف مكانه. وكانت الصدمة واضحة على وجهه. لكنني لم أستطع التفكير في مشاعره. كنت أحارب لأفهم ما يحدث لي. رفعت رأسي نحو الرجل داخل الجليد. "من هي؟" ابتسم. "اقتربتِ." "من هي؟!" قال بهدوء: "شخص مات منذ زمن طويل." شعرت بالاختناق. "وما علاقتها بي؟" صمت للحظة. ثم قال: "كل شيء." اهتزت القاعة من جديد. وتساقط المزيد من الجليد. أصبح وجه الرجل أكثر وضوحًا. كان في الثلاثينيات من عمره تقريبًا. وسيمًا. لكن شيئًا مظلمًا كان يسكن عينيه. شيئًا جعلني أنفر منه رغم أنني لا أعرفه. التفت إلى آدم. "أخبرني الحقيقة الآن." أغمض عينيه. وكأنه اتخذ قرارًا صعبًا. ثم قال: "عندما وصلتِ إلى القصر للمرة الأولى..." توقف. ابتلع ريقه. "لم تكن تلك أول مرة." شعرت بأن الأرض اختفت تحت قدمي. "ماذا؟" "لقد كنتِ هنا من قبل." اتسعت عيناي. "هذا مستحيل." "أتمنى لو كان كذلك." بدأت أنفاسي تتسارع. "أنا لم أرَ هذا المكان في حياتي." هز رأسه ببطء. "هذا ما جعلك القصر تصدقينه." ساد الصمت. ثم أكمل: "قبل سنوات طويلة... جاءت فتاة إلى هذا القصر." كانت عيناه مثبتتين علي. "فتاة تشبهك بصورة لا تصدق." تجمدت الدماء في عروقي. "ومن كانت؟" أجاب بصوت بالكاد سمعته: "اسمها كان ليان أيضًا." سقط الصمت فوق القاعة كالموت. لم أستطع الكلام. لم أستطع التفكير. شعرت فقط بأن كل شيء حولي بدأ ينهار. وفي اللحظة نفسها... انفجر جزء كبير من الجليد المحيط بالرجل. وخرجت ذراعه بالكامل. ثم رفع رأسه نحو السقف وضحك. ضحكة طويلة وباردة. وقال: "لقد بدأت تتذكر أخيرًا." ثم وجه نظره نحوي مباشرة. وأردف: "لكن عندما تتذكرين الليلة التي متِّ فيها هنا لأول مرة... ستتمنين لو بقيتِ جاهلة إلى الأبد." وانطفأت جميع الأضواء داخل القاعة دفعة واحدة.الفصل الثاني والأربعون: انقسام القلبكان الرقم 1 لا يزال معلقًا في السماء البيضاء.لكن شيئًا تغير.لم يعد يبعث ذلك الشعور المرعب الذي كان يرافق ظهور الأرقام سابقًا.بل أصبح أشبه بنبض جديد.بداية جديدة.وقفت ليان في منتصف المحكمة، بينما كانت الطاقة البيضاء تتدفق من الأرض إلى السماء على شكل أعمدة من الضوء.الجميع كان صامتًا.حتى الحَكَم نفسه.كأنه يحاول استيعاب ما حدث.ثم فجأة اهتز الفضاء كله.وتحول الرقم 1 إلى شق ضوئي طويل.تراجع يونس خطوة إلى الخلف.وقال بقلق:"هذا ليس طبيعيًا..."أما كاسر فكان يراقب المشهد بصمت.لكن ليان استطاعت رؤية التوتر في عينيه.اقترب المؤسس من الشق المضيء.ولأول مرة بدا عليه الخوف.همس:"لقد بدأ النظام بإعادة كتابة نفسه."التفتت إليه ليان بسرعة."ماذا يعني ذلك؟"رفع رأسه نحو السماء.وقال:"عندما يتم كسر قاعدة أساسية... فإن الزمن يحاول إصلاح نفسه.""وهل هذا سيئ؟"صمت لحظة.ثم أجاب:"لا أحد يعرف."وفجأة انفجر الشق الضوئي.وانطلقت منه آلاف الخيوط البيضاء.انتشرت في المحكمة كلها.وبدأت تبحث عن شيء.أو شخص.ثم توقفت جميعها أمام ليان.تجمد الجميع.شعرت ليان بقشعريرة
الفصل الحادي والأربعون: إعادة كتابة القلب كان الصمت في المحكمة البيضاء أثقل من أي صوت.حتى الساعات المعلقة في السماء بدت وكأنها توقفت عن الدوران للحظة، كأن الزمن نفسه ينتظر قرارًا لن يصدر إلا من شخص واحد.أنا.الوريثة.شعرت بثقل الاسم فوق صدري كأنه قيد غير مرئي، لا يُرى لكنه يُشعرني بكل نبضة في قلبي.إلى جانبي كان آدم يمسك يدي بقوة، وكأن يده هي الشيء الوحيد الذي يمنعني من السقوط في هذا الفراغ الهائل.لكنني كنت أشعر به أيضًا.ببطء...شيء فيه كان يتلاشى.ليس جسده.بل وجوده.كأن هذه المحكمة لا تكتفي بأجسادنا، بل تبدأ أولًا بذاكرتنا.همس آدم بصوت منخفض:"لا تنظري إليهم... ركزي عليّ فقط."نظرت إليه.كان يحاول أن يبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.عيناه كانتا مليئتين بشيء لم أره فيه من قبل.الخوف.لكن ليس الخوف من الموت.بل الخوف من النسيان.وقبل أن أجيبه، دوّى صوت الحَكَم في كل اتجاه:"الوريثة."ارتجفت الأرض تحتنا وكأنها تتجاوب مع اسمه."القرار النهائي يجب أن يُتخذ."رفعت رأسي ببطء.كنت أشعر أن كل الأنظار عليّ.المؤسس.أول وريثة.آدم.كاسر.يونس.حتى الأرواح التي تحوم في الفراغ الأبيض.الجميع
الفصل الأربعون: الذكرى المحظورةتشقق السماء فوق المحكمة البيضاء.ببطء.وكأن الزمن نفسه يتمزق.ثم بدأت الصورة تظهر.في البداية كانت ضبابًا.ثم تحولت إلى مشهد واضح.مدينة قديمة.مبنية من حجر أبيض.وشمس غاربة بلون الدم.أما في منتصفها...فكان القصر.لكن ليس القصر الذي نعرفه الآن.كان مختلفًا.حيًا.مليئًا بالناس.بالحياة.بالحب.وقفت أنظر بصمت.ثم رأيته.المؤسس.لكن ليس كما نعرفه اليوم.كان شابًا.عيناه مليئتان بالنور.وضحكته حقيقية.كان يقف بجانبها.الفتاة الأولى.أول وريثة.كانت جميلة.هادئة.وفي عينيها سلام غريب.سلام لا يشبه هذا العالم.قال الحَكَم بصوت بارد:"هذه هي البداية."ثم استمر المشهد.رأيت كيف كان القصر يولد.ليس مبنى فقط.بل كيان.يحفظ الذكريات.ويجمع الأرواح.ويمنع النسيان.كان مشروعًا جميلًا في البداية.حلمًا.لكن شيئًا ما بدأ يتغير.بدأت الذكريات تتكاثر.أكثر من اللازم.أكثر مما يمكن احتواؤه.ثم بدأ الناس ينسون أنفسهم.ينسون حياتهم الحقيقية.ويبقون هنا.داخل القصر.إلى الأبد.شعرت بقشعريرة.قالت أول وريثة بصوت مرتجف:"لقد حذرتك."التفت إليها المؤسس في الذكرى.كان ينظر إل
الفصل التاسع والثلاثون: استيقاظ الحَكَمدووووم!ارتجت الساعة العملاقة مرة أخرى.وكان الصوت هذه المرة أقرب إلى نبضة قلب هائلة.نبضة جعلت الأرض تهتز تحت أقدامنا.أما الشق الأحمر الذي ظهر في منتصف الساعة فقد اتسع أكثر.وأكثر.حتى أصبح كالبوابة.بوابة تؤدي إلى مكان لا ينبغي أن يوجد.شعرت بالقصر كله يرتجف.لكن هذه المرة لم يكن خوفًا من المؤسس.ولا من الظلام.بل من شيء آخر.شيء أقدم.وأخطر.وأعظم من كل ما واجهناه حتى الآن.قالت أول وريثة بصوت منخفض:"لقد استيقظ."وقف الجميع في صمت.أما المؤسس...فكان ينظر إلى الساعة بوجه خالٍ من أي تعبير.لكنني شعرت بشيء داخله.توتر.خوف.وربما ندم.ولأول مرة منذ ظهوره...لم يبدو واثقًا.قلت بسرعة:"من هو الحَكَم؟"نظرت إلي أول وريثة.ثم أجابت:"ليس شخصًا."ساد الصمت.ثم أكملت:"إنه القانون."شعرت بالحيرة.أما هي فتابعت:"منذ آلاف السنين..."ونظرت إلى القلب."...وُجدت قوة الذكريات."ثم نظرت إلى المؤسس."ووُجد من يحرسها."ثم رفعت رأسها نحو الساعة."ووُجد من يحاسب من يعبث بها."ارتجف الهواء.أما الساعة...فانفجرت منها خيوط حمراء من الضوء.وامتلأت القاعة بأصوا
الفصل الثامن والثلاثون: الفتاة التي لا ينبغي أن توجدساد الصمت.صمت ثقيل.حتى أن دقات الساعة بدت وكأنها توقفت للحظة.كانت الفتاة تقف وسط النور الأبيض الخارج من الشقوق.شعرها الأسود الطويل ينساب خلفها.وعيناها...كانتا تشبهان عينيّ تمامًا.ليس شبهًا عاديًا.بل تطابقًا مرعبًا.كأنني أنظر إلى نسخة أخرى من نفسي.لكنها لم تكن أنا.شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.أما آدم فتقدم خطوة أمامي بشكل غريزي.وكأنه يحاول حمايتي.بينما ظل المؤسس يحدق بالفتاة دون أن يرمش.وكانت الصدمة واضحة على وجهه لأول مرة.قال بصوت منخفض:"لا..."ثم هز رأسه."هذا مستحيل."نظرت إليه الفتاة بهدوء.ثم قالت:"بل ممكن."كان صوتها غريبًا.هادئًا.لكنه يحمل قوة جعلت القاعة كلها ترتجف.أما الأرواح المعلقة في الهواء فقد بدأت تتحرك فجأة.كأنها تعرفها.كأنها كانت تنتظرها.قال يونس بذهول:"من هي؟"لكن أحدًا لم يجب.حتى أنا لم أكن أفهم.كنت فقط أشعر بشيء يجذبني نحوها.شيء عميق.شيء يشبه الرابطة.ثم رفعت الفتاة يدها ببطء.وفي اللحظة نفسها...توقفت همسات الأرواح.واختفى الخوف من القاعة.كأن وجودها وحده يكفي لفرض الصمت.نظرت إلى المؤسس
الفصل السابع والثلاثون: المؤسسساد الظلام.ظلام كامل.حتى أنني لم أعد أرى يدي أمام وجهي.لكن رغم ذلك...كنت أرى عيني المؤسس.تلك العينان الذهبيتان اللتان تلمعان وسط السواد.كأنهما نجمتان سقطتا في هاوية لا نهاية لها.شعرت بقشعريرة عنيفة.أما القصر كله فكان يرتجف.ليس بسبب الانهيار.بل بسبب الخوف.نعم.كنت أشعر بذلك بوضوح الآن.بعد أن أصبحت الوريثة.أستطيع سماع مشاعر القصر.وسماع همسات الذكريات داخله.والقصر كان خائفًا.خائفًا من الرجل الذي يقف أمامنا.وفجأة...عاد الضوء.لكن بصورة ضعيفة.كأن القصر يقاوم بصعوبة.ظهرت الوجوه من جديد.آدم.كاسر.يونس.ليان الأولى.الجميع كانوا ينظرون إلى المؤسس.أما هو فبقي هادئًا.هادئًا بصورة مرعبة.قال آدم ببرود:"من أنت؟"ابتسم المؤسس.ثم أجاب:"سؤال غريب."نظر إلى الباب العملاق خلفه.وأضاف:"أنا أول من سمع نبض هذا القلب."ثم وضع يده على صدره."وأول من حمل ذكرياته."تجمدت أنفاسي.إذن هو بالفعل أول وريث.أول حارس.أول من ارتبط بالقصر.لكن لماذا سُجن؟ولماذا يخافه الجميع؟كأن المؤسس قرأ أفكاري.فالتفت نحوي.وقال:"لأن التاريخ يكتبه الناجون."ساد الصمت.







