เข้าสู่ระบบ"ولا أنسى ذلك اليوم الذي حاولتِ فيه حمل كيس الدقيق وحدكِ!" قالت خديجة وهي تضحك. "كنتِ قد كبرتِ قليلًا، وأصررتِ على أنكِ أصبحتِ قوية بما يكفي. حملتِ الكيس خطوتين، ثم تعثرتِ وكدتِ تسقطين، لولا أن جسور ظهر من خلف الباب وأمسك به قبل أن يقع فوق قدميكِ." رفعت أميرة رأسها فجأة، ثم ضحكت بحرارة. "يا إلهي! لقد نسيتُ هذه الحادثة تمامًا!" توقفت أصابع آدم فوق هاتفه. جسور؟ من جسور؟ تابعت خديجة: "ذلك الشاب الذي كان يساعدنا أحيانًا في حمل الأغراض من السوق. كان ابن إحدى العائلات في القرية، وقد اعتاد المرور ببيتنا بعد عودته من عمله. كان يساعدني في إصلاح الأشياء الثقيلة، ويحمل الحطب في الشتاء، وأحيانًا يجلب الطعام وبعض الكتب القديمة لأميرة." ابتسمت أميرة وهي تستعيد الذكرى. "كان يضحكني كثيرًا. أتذكر أنه كان يقول إنني سأكسر ظهري يومًا بسبب إصراري على فعل كل شيء وحدي." ضحكت خديجة. "وكان محقًا! لم تكوني تستمعين إلى نصيحته أبدًا." "لأن نصائحه كانت مزعجة!" "بل لأنكِ كنتِ عنيدة." ضحكت أميرة مجددًا، وأراحت رأسها على كتف خديجة، بينما استمرت المرأة في سرد تفاصيل صغيرة عن أيام القرية، وعن ذلك الش
بعد انتهاء الغداء، انتقلت العائلة إلى الصالون الرئيسي، حيث انتشرت الأرائك المخملية حول طاولة منخفضة، وتسللت أشعة الشمس عبر النوافذ الطويلة لتغمر المكان بدفء هادئ. انشغل بعض أفراد العائلة بأحاديث جانبية، بينما جلست أميرة إلى جوار خديجة، ممسكة بيدها كما لو أنها تخشى أن تنتهي هذه اللحظة وتجد نفسها بعيدة عنها من جديد. أما آدم، فقد اختار مقعدًا مقابلًا لهما، ووضع هاتفه جانبًا بعدما أخبر مساعده أنه لن يكون متاحًا خلال الساعة التالية. كان ينوي البقاء بالقرب من ابنة عمه، لكنه لم يتوقع أن تتحول جلسة العائلة إلى رحلة طويلة في ماضيها المجهول، ذلك الماضي الذي لم يكن يعرف عنه شيئًا، والذي سرعان ما اكتشف أنه لا يحب مشاركته مع أي رجل آخر، حتى لو كان ذلك الرجل مجرد ذكرى قديمة. مالت أميرة برأسها نحو خديجة، وسألتها بصوت خافت: "أخبريني، كيف وجدتِني بالضبط؟ أعلم أنكِ حكيتِ لي بعض التفاصيل من قبل، لكنني أريد أن أسمع كل شيء مرة أخرى. أريد أن أعرف كيف بدأت حكايتنا." ابتسمت خديجة، ومسحت على يدها بحنان. "وجدتكِ قرب الطريق المؤدي إلى الصفصاف، يا ابنتي. كان الجو باردًا، وكانت ملابسكِ متسخة، ووجهكِ الصغير
انفجر بعض أفراد العائلة بالضحك، حتى خديجة نفسها ابتسمت وهي تهز رأسها باستسلام. "يا بنتي، أنتِ لا تخجلين من شيء!" رفعت ليلى ذقنها بثقة مصطنعة، ثم أجابت بجدية جعلت ضحكات الجالسين تزداد: "أخجل من أشياء كثيرة، يا جدتي، لكن ليس من الطعام!" ضحك سي الطيب، ثم وضع يده على كتف ابنته وقال: "هذه هي الحقيقة التي حاولت إخفاءها طوال عمرك." التفتت ليلى إليه باحتجاج، وقد اتسعت عيناها في تمثيل واضح للصدمة. "أبي، هل ستقف ضدي أمام الناس أيضًا؟" "أنا لا أقف ضدك، أنا أقول الحقيقة فقط." وبينما كان الجميع يضحكون، أخذت أميرة خديجة إلى مقعدها وأجلستها إلى جوارها، ثم حرصت على أن يكون طبقها قريبًا منها وأن تتناول ما تحبه. لم تترك يدها إلا حين اطمأنت إلى أن التوتر بدأ يزول عن ملامحها. وفي الجهة الأخرى من المائدة، كانت بلقيس قد اتخذت قرارها بشأن ضيفتها الصغيرة. فمنذ دخلت ليلى القاعة، لفتت انتباهها عفويتها وملامحها المشرقة وطريقتها في الحديث من دون تكلف. كانت بلقيس امرأة تعرف الناس من تفاصيلهم الصغيرة، وقد وجدت في هذه الفتاة شيئًا محببًا جعلها ترغب في الاقتراب منها فورًا. أشارت إليها مبتسمة، وقالت بنبرة
كانت مائدة الغداء في قصر السالم قد أُعدّت على نحو استثنائي ذلك اليوم. امتدت فوقها الأطباق المغربية والإيطالية، وتراصّت الكؤوس والأواني الفاخرة تحت ضوء الثريا الكريستالية، بينما انتشر عبير الطعام الطازج في أرجاء قاعة الطعام الواسعة. اجتمع أفراد العائلة حول المائدة لاستقبال ضيوفهم الجدد، باستثناء مراد وجوليا اللذين بقيا في جناحهما بسبب إصابة جوليا. جلس أحمد وسلمى إلى جانب بعضهما، وإلى جوارهما بلقيس وإدريس، بينما اتخذ آدم مكانه بالقرب من أميرة، التي لم تستطع إخفاء سعادتها بوجود خديجة في القصر أخيرًا. أما منير، فكان يجلس في الجهة المقابلة، يحاول إقناع نفسه بأنه لا يراقب ليلى منذ دخولها القاعة، لكنه كان يفشل في ذلك فشلًا ذريعًا. دخلت خديجة القاعة بخطوات مترددة، برفقة ليلى ووالدها سي الطيب. توقفت المرأة المسنّة للحظة عند المدخل، وألقت نظرة على المائدة الطويلة والمقاعد الأنيقة والأثاث الذي بدا لها أفخم من أي شيء اعتادت رؤيته في حياتها البسيطة. لم تكن معتادة على هذا النوع من الثراء، ولا على أن تستقبلها عائلة بهذا النفوذ وكأنها ضيفة عزيزة انتظروا وصولها طويلًا. شدّت حقيبتها الصغيرة إ
بعد وقت قصير، جاء طرق خفيف على باب الجناح. رفع مراد رأسه عن الحاسوب، لكن جوليا سبقت إلى السؤال: "من هناك؟" جاءها صوت مألوف من خلف الباب. "أنا يا حبيبتي، سلمى." ارتسمت ابتسامة فورية على وجه جوليا. "ادخلي يا أمي!" فتح مراد الباب بنفسه، فدخلت سلمى تحمل طبقًا صغيرًا من الحلوى وكوبًا من شاي الأعشاب، يتبعها عطرها الهادئ. ألقت نظرة سريعة على ابنها، ثم اتجهت إلى جوليا وجلست بجانبها، واحتضنتها برفق قبل أن تمرر يدها على شعرها. "كيف حالك اليوم يا ابنتي؟ هل خف الألم؟" "كثيرًا! مراد فقط يصر على معاملتي كأنني قطعة زجاج." جاءها صوته من خلفها ببرود: "لأن قطعة الزجاج على الأقل لا تحاول القفز من السرير." التفتت سلمى نحو ابنها، وكتمت ضحكتها. "مراد، دع الفتاة تتنفس قليلًا." "يمكنها التنفس هنا." "أنا أتنفس، لكنني أعيش تحت نظام صارم!" اشتكت جوليا، ثم أمسكت بيد سلمى وأضافت: "تخيلي أنه يحملني إلى الحمام أيضًا." رفعت سلمى حاجبيها، ونظرت إلى ابنها نظرة ماكرة. "حقًا؟" لم يبدُ على مراد أي ارتباك. "هل كنتِ تفضلين أن أتركها تتعثر؟" "لم أقل ذلك." ابتسمت سلمى، ثم عادت إلى جوليا. "في الحقيقة، يسعدني أنه
لم يكن مراد من الرجال الذين يسمحون لأحد بتغيير خطط يومه، ولا من أولئك الذين يتقبلون تعطيل أعمالهم لأسباب تافهة. كان وقته محسوبًا بالدقيقة، واجتماعاته لا تنتظر، وكلمته في عالم الأعمال تكفي لإنهاء نقاش كامل قبل أن يبدأ. لكن منذ استيقظت جوليا ذلك الصباح، بدا أن جدول أعماله الصارم قد دخل في صراع خاسر مع زوجته الصغيرة. "لن تغادري هذا الجناح اليوم." رفعت جوليا رأسها نحو صوته، وقد كانت تجلس فوق السرير بعد أن انتهت من تناول فطورها، بينما استقرت قدمها المصابة فوق وسادة ناعمة. "صباح الخير لك أيضًا، يا زوجي العزيز." لم يرفع مراد عينيه عن هاتفه. "صباح الخير. والآن، هل سمعتِ ما قلته؟" عقدت ذراعيها أمام صدرها، متظاهرة بالاستياء. "سمعتك، لكنني لا أفهم لماذا تتحدث إليّ وكأنك تصدر أمرًا عسكريًا." "لأنك تتعاملين مع تعليمات الطبيب وكأنها اقتراحات قابلة للنقاش." "كاحلي أفضل بكثير!" "وهذا لا يمنحك الإذن بالتجول في القصر حتى يتورم مجددًا." فتحت فمها للاعتراض، لكنه وضع هاتفه جانبًا، ثم اقترب منها وأعاد ترتيب الوسادة تحت قدمها بحركة هادئة. "ستبقين هنا، وسترتاحين. إذا احتجتِ إلى شيء، ستجدينني بجا