LOGINفي صباح اليوم التالي...استيقظت ملاك مبكرًا.لم تنم جيدًا.كانت ليلة طويلة قضتها وهي تفكر في القرار الذي اتخذته.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة مريم وهي تبكي في الحديقة.ثم تعود صورة أخرى...شاهين.وجهه حين عرف أنها ملاك.احتضانه لها.وصوته وهو يقول لها إنه لن يضيعها مرة أخرى.كانت تشعر بالألم كلما تذكرت ذلك.لكنها كانت قد اتخذت قرارها.مريم أولًا.نهضت من سريرها، ارتدت ملابسها، ثم خرجت من غرفتها.لم تجد مريم.توقفت أمام باب غرفتها للحظات.كانت تريد الدخول والحديث معها.لكنها تراجعت.ربما لم تكن مستعدة بعد.غادرت المنزل.بعد وقت قصير...كانت ملاك في الخارج.وبعد أن انتهت من بعض أعمالها، وصلتها رسالة من شاهين.كان يريد أن يلتقي بها.توقفت وهي تقرأ الرسالة.شعرت بشيء يتحرك في داخلها.قبل يوم واحد فقط، كانت ستفرح لمجرد أن يطلب منها رؤيتها.أما الآن...فكانت تفكر في مريم.أخذت نفسًا عميقًا، ثم وافقت.التقت به بعد وقت قصير.كان شاهين ينتظرها.ما إن رآها حتى ابتسم.اقترب منها.ــ تأخرتِ.ابتسمت ملاك.ــ كان لدي بعض الأمور.جلسا معًا.كان شاهين يتحدث معها بشكل طبيعي.يسألها عن يومها.عن
وصلت ملاك إلى المنزل مع اقتراب المساء.طوال الطريق، لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في شاهين.كانت صورته أمامها منذ أن غادرت النافورة.صوته وهو يناديها باسمها.نظراته التي تغيرت بعدما عرف الحقيقة.والدموع التي لم يستطع إخفاءها عندما أدرك أن الفتاة التي ظل يبحث عنها لسنوات كانت أمامه طوال هذا الوقت.حتى احتضانه لها ظل عالقًا في ذاكرتها.لم تكن تعرف ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى علاقتهما من الآن فصاعدًا، لكنها كانت تشعر بسعادة هادئة.سعادة لأنها أخيرًا لم تعد تحمل السر وحدها.وصلت أمام المنزل.دفعت أجرة سيارة الأجرة، ثم نزلت ودخلت.كانت تتوقع أن تجد مريم في الداخل.فهي كانت تعرف أن مريم غادرت الشركة بعدها، لكنها لم تكن تعرف أين ذهبت، ولا أنها لحقت بها إلى النافورة.كانت ملاك تظن أن مريم عادت إلى المنزل قبلها.فتحت الباب.خطت إلى الداخل، ثم توقفت.كانت مريم أمامها.رفعت ملاك رأسها، وابتسمت تلقائيًا.ــ مريم...لكن مريم لم تبتسم.كانت عيناها حمراوين.بدت وكأنها كانت تبكي منذ وقت طويل.اقتربت ملاك منها بقلق.ــ ماذا بكِ؟لم تجبها مريم.نظرت إليها فقط.كانت نظرة قصيرة، غريبة، لم تستطع ملاك فه
خرجت ملاك من الشركة وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة.كانت كلمات شاهين تتردد في رأسها.لقد عرف الحقيقة.عرف أنها ملاك.عرف أن الفتاة التي كان يبحث عنها طوال تلك السنوات كانت أمامه طوال الوقت.وقفت أمام الشركة، ثم أوقفت سيارة أجرة.صعدت إلى المقعد الخلفي وأعطت السائق عنوان المكان الذي أخبرها شاهين أن تذهب إليه.انطلقت السيارة.أما مريم...فبقيت أمام الشركة للحظات.كانت تراقب سيارة الأجرة وهي تبتعد، ثم نظرت إلى الجهة التي غادر منها شاهين.لم تكن تعرف لماذا شعرت بحاجة إلى اللحاق به.لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها.ركبت سيارتها وانطلقت خلفه.كانت تحافظ على مسافة بعيدة، حتى لا يلاحظها.لم تكن تريد أن تقترب.كانت تريد فقط أن تعرف ماذا سيحدث.وبعد دقائق...وصل شاهين إلى المكان الذي اتفق مع ملاك أن يلتقيا فيه.المكان نفسه الذي شهد أول لقاء بينهما في طفولتهما.النافورة.أوقف شاهين سيارته وترجل منها.وبعد دقائق قليلة، وصلت سيارة الأجرة.أوقفت مريم سيارتها بعيدًا.أطفأت المحرك، وبقيت جالسة في مكانها تراقب من خلف الزجاج.نزلت ملاك من سيارة الأجرة.رفعت رأسها، ثم وقعت عيناها على شاهين.توقفت للحظة.كان
بقي شاهين واقفًا في مكانه.لم يتحرك.لم يستطع حتى أن يرمش.كانت عيناه معلقتين ببطاقة التعريف المعلقة حول عنق مريم، وكأن الاسم المكتوب عليها يحتاج إلى وقت حتى يستوعبه عقله.مريم.كرر الاسم في داخله.مريم...إذن لم تكن ملاك.أو بالأحرى...ملاك لم تكن مريم.تراجع خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.شعر بشيء بارد يسري في جسده.قال بصوت خافت:ــ مريم...؟رفعت مريم عينيها إليه.كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.لكنها لم تتوقع أن تكون بهذه القسوة.ــ شاهين، دعني أشرح لك.نظر إليها طويلًا.ــ تشرحين لي ماذا؟اقتربت منه خطوة.ــ الأمر ليس كما يبدو.ابتسم شاهين بسخرية قصيرة.ــ حقًا؟ثم أشار إلى البطاقة.ــ إذن قولي لي... من أنتِ؟ترددت مريم.ــ أنا مريم.ــ أعرف أنك مريم.ارتفع صوته قليلًا.ــ لكن من هي ملاك؟لم تجبه.وكان صمتها كافيًا ليجعله يشعر بأن شيئًا في داخله ينهار.قالت بسرعة:ــ ملاك صديقتي.تجمدت ملامحه.ــ صديقتك؟ــ نعم.ــ والفتاة التي كنت أظنها ملاك؟خفضت مريم رأسها.ــ هي ملاك فعلًا.حدق فيها شاهين.ــ ماذا؟رفعت عينيها إليه وقالت:ــ الفتاة التي كنت تبحث عنها طوال هذه السنوات... هي
خرجت ملاك من المطعم وهي تحاول أن تبدو هادئة.لكنها في الداخل...لم تكن كذلك أبدًا.كانت صورة شاهين وهو يجلس أمام مريم لا تفارق مخيلتها.ركبت السيارة إلى جانب سعد، ثم أغلقت الباب بهدوء.انطلقت السيارة تشق شوارع المدينة.ساد الصمت بينهما لدقائق.كانت ملاك تنظر من نافذة السيارة بشرود، بينما كانت أفكارها تتزاحم داخل رأسها."لماذا لم تخبرني مريم؟""هل ما زالت تلتقي به منذ كل هذه المدة؟""ولماذا أخفت الأمر عني؟"تنهدت دون أن تشعر.التفت إليها سعد للحظة، ثم أعاد نظره إلى الطريق.لكنه لم يخف عليه تغير ملامحها.قال بهدوء:ــ هل أنتِ بخير؟انتبهت ملاك لصوته، ثم التفتت إليه سريعًا.ورسمت ابتسامة خفيفة لا تشبه ابتسامتها المعتادة.ــ نعم... شكرًا لك.لم يقتنع بإجابتها.لكنه لم يشأ أن يضغط عليها.فاكتفى بهزة رأس، وأكمل القيادة بصمت....بعد دقائق...توقفت السيارة أمام منزلها.قال سعد:ــ وصلنا.فتحت ملاك باب السيارة، ثم قالت باحترام:ــ شكرًا لك، سيدي.ابتسم ابتسامة هادئة.ــ لا داعي للشكر... ارتاحي جيدًا، يبدو أن الرحلة أتعبتك.أومأت برأسها.ــ تصبح على خير.ــ وأنتِ من أهله.ترجلت من السيارة، وبق
بقيت ملاك تحدق في شاشة هاتفها.كانت الرسالة أمامها...لكن عقلها عاد إلى سنوات مضت.تذكرت آخر رسالة وصلتها من ذلك الرقم قبل اختفائه.يومها كتب لها:"لا تتزوجي... ستندمين. أنا الشخص الوحيد الذي ستندمين لأنك لم تسمعي نصيحته."أغمضت عينيها لثوانٍ.ثم تنهدت بهدوء.لم تكن تعرف من يكون...ولا لماذا كان يرسل لها تلك الرسائل.لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه...أنها هذه المرة لن تترك الأمر يمر دون أن تعرف الحقيقة.فتحت المحادثة من جديد.وبعد لحظة تردد...كتبت:"وأنا اشتقت إلى نصائحك."ثم ضغطت على زر الإرسال.مرت ثوانٍ قليلة.وفجأة...ظهرت عبارة:"تمت القراءة."ابتسمت ملاك بخفة وهي تنتظر رده.مرت دقيقة...ثم دقيقتان...لكن لم تصل أي رسالة.اختفت حتى عبارة "يكتب...".تنهدت وهي تغلق الهاتف.ثم قالت في نفسها:ــ لا بأس...أنا متأكدة أن اليوم الذي سأعرف فيه من تكون سيأتي.وضعت هاتفها في جيبها.ثم عادت إلى المخيم، وكأن شيئًا لم يحدث.قبل أن تشرق الشمس تمامًا...بدأ الموظفون يستيقظون واحدًا تلو الآخر.كان آخر يوم في رحلة التخييم.وبعد تناول الإفطار، اجتمع الجميع أمام الحافلة استعدادًا للعودة.انشغل ب
اشتعلت المشادة بين والدة رضوان ووالدة ملاك حتى كادت النيران تتطاير من أعينهما. كانت كل واحدة منهما تدافع عمن يخصها بكل ما تملك من قوة، بينما وقف الحاضرون يتابعون ذلك الانفجار العائلي الذي لم يكن أحد يتوقع نهايته.ضربت والدة رضوان صدرها بكفها وهي تقول بانفعال شديد:— مستحيل! أقسم بالله أن ابني لا يم
وحصل مالك على معدلٍ مرتفع، وما إن أُعلنت النتيجة حتى ارتفعت الزغاريد في أرجاء البيت. توجه الجميع نحوه لتهنئته ومصافحته. وعندما اقتربتُ أنا أيضًا لأهنئه، سحب نفسه بعيدًا عني وأدار لي ظهره، ثم تظاهر بالحديث مع أخته. رفعت رأسي ونظرت إليه، ثم نظرت إلى مريم، وكانت عيناي ممتلئتين بالدموع. لقد آلمني تصرفه
وأضافت مريم: — ولا يوجد أحدٌ أقرب إلى مالك مني. صدقيني، لو كانت هناك فتاة في حياته لكنت أول من يخبرك. فاطردي هذه الوساوس من رأسك. هيا بنا إلى المطبخ لنحضّر كل شيء، ولا تنسي أن نتائج البكالوريا ستُعلن اليوم. قلت لها: — بالطبع، سيحصل عليها. لقد أمضى سنواتٍ طويلة وهو يجتهد فقط ليحصل على أعلى الدرجات
أنا ملاك، بنت القرية ، كما كانوا يقولون عني: بنات المدينة. كنت طفلةً وحيدةً وسط أربعة رجال. كان والدي إنسانًا ميسور الحال ماديًا، نملك البساتين على مساحاتٍ واسعة، لكنها لم تكن ملكًا لأبي وحده، بل كان يشاركه فيها أعمامي وعمّاتي أيضًا، فهي ميراث جدي رحمه الله. منذ صغري وأنا أحب ابن عمي مالك، لأن والد







