Startseite / الرومانسية / الجدار الذي تذكّر / الفصل الثالث: شريط بلا تاريخ

Teilen

الفصل الثالث: شريط بلا تاريخ

last update Veröffentlichungsdatum: 09.10.2026 10:18:29

لم تكن المشكلة أنني سمعت صوت أمي بعد عشرين عامًا من موتها.

المشكلة أنني لم أعد أعرف أي جزء من حياتي كان حقيقيًا.

جلست في سيارتي أمام منزل اللويبدة، أحدق في حقيبتي الموضوعة على المقعد المجاور. كان الشريط داخل جيبها الصغير، ملفوفًا بمنديل ورقي، كأن قطعة البلاستيك البالية تحمل شيئًا هشًا قد يتحطم إذا لمسته بقوة.

قبل يومين، كنت أعتقد أن أكبر قرار ينتظرني هو بيع منزل قديم.

أما الآن، فقد أصبحت أخشى أن أفتح حقيبتي.

رن هاتفي.

ظهر اسم المحامي سامر.

أجبت.

— هل وصلتِ إلى البيت؟

— لم أغادر الشارع بعد.

— ليان، لا تعودي إلى الداخل وحدك. لقد اتفقنا على ذلك.

— أعرف.

صمت لحظة، ثم سأل:

— هل أنت بخير؟

نظرت إلى البوابة الحديدية التي خرجنا منها قبل دقائق.

— لا أعرف.

لم تكن إجابة مناسبة لسؤال بسيط، لكنها كانت الحقيقة.

قال:

— أريدك أن ترسلي إليّ صور المخططات التي وجدناها. سأراجع تاريخ الترميم، وربما أستطيع الوصول إلى بعض المستندات المرتبطة به.

— وماذا عن تقرير وفاة أبي؟

— سأتابع إجراءات الحصول على نسخة من الملف والمستندات التي يحق لك الاطلاع عليها. لكن لا تتوقعي أن نحصل عليها اليوم.

ترددت قبل أن أقول:

— سامر، هل أخبرك أبي يومًا أنه يشعر بأن أحدًا يراقبه؟

لم يجب مباشرة.

— لماذا تسألين؟

— لأنني بدأت أعتقد أن خوفه لم يكن مجرد قلق عابر.

سمعت صوت أوراق تتحرك في الطرف الآخر.

— والدك تغير في الأشهر الأخيرة، هذا صحيح. صار أكثر إلحاحًا بشأن بعض الأوراق، وكان يريد التأكد من أن الوصية لن تتأخر إجراءاتها.

— هل ذكر اسم رشيد محمود العبد؟

سكت سامر.

— لا أتذكر هذا الاسم. من يكون؟

— وجدته على إحدى فواتير ترميم المنزل. وأبي كتب ملاحظة تشير إلى أنه كان يخشى أن يعرف هذا الرجل بنيته فتح الغرفة.

— احتفظي بالفاتورة والملاحظة، ولا تحاولي الوصول إلى الرجل بنفسك قبل أن نفهم علاقته بالأمر.

أغمضت عينيّ.

كان الجميع يطلب مني ألا أفعل شيئًا.

لا أدخل المنزل.

لا أفتح الباب.

لا أتحدث إلى الغرباء.

لا أبحث عن رجل مجهول.

لكن أحدًا لم يستطع أن يخبرني بما يجب أن أفعله كي أستعيد حياتي القديمة.

أغلقت الاتصال.

ثم أخرجت الشريط من الحقيبة.

قلّبته بين أصابعي.

على أحد وجهيه حرفان مكتوبان بالحبر الأزرق:

«ل. ف.»

أما الوجه الآخر، فلم يكن يحمل سوى آثار ملصق قديم أُزيل بعناية.

أعدت الشريط إلى مكانه، وأدرت محرك السيارة.

كنت أعرف أين يجب أن أذهب.

\*\*\*

كان المحل في شارع جانبي من جبل الحسين، بين مكتبة قديمة ومتجر لإصلاح الأجهزة الإلكترونية.

على واجهته لافتة صغيرة:

«مازن بركات — صيانة الأجهزة الصوتية وتحويل التسجيلات القديمة».

عثرت على عنوانه بعد اتصالي بثلاثة محلات أخبرتني بأنها لم تعد تتعامل مع الأشرطة القديمة.

كان المكان أصغر مما توقعت.

رفوف محملة بأجهزة تسجيل، ومكبرات صوت، وأسلاك مرتبة داخل علب بلاستيكية.

ورائحة خفيفة من القهوة والمعدن الساخن.

رفع رجل في أواخر الخمسينيات رأسه من فوق طاولة العمل.

— تفضلي.

كان يرتدي نظارة ذات إطار أسود، وقد وضع أمامه جهاز راديو مفككًا.

قلت:

— تحدثت معك قبل نصف ساعة. بخصوص الشريط القديم.

خلع نظارته.

— نعم، تذكرت. هل أحضرتِه؟

أخرجته من حقيبتي.

مد يده، لكنه لم يأخذه فورًا.

— هل هو تسجيل شخصي؟

— نعم.

— وهل تريدين نسخة رقمية فقط أم محاولة تحسين الصوت أيضًا؟

ترددت.

— أريد أن أسمع كل ما يمكن سماعه.

نظر إليّ لحظة.

ثم قال:

— سأحاول، لكن هناك فرقًا بين تحسين التسجيل واستعادة صوت لم يُسجل أصلًا. إذا كانت بعض الكلمات ضاعت بسبب تلف الشريط، فلا يوجد برنامج يستطيع أن يعرفها على وجه اليقين.

أعجبتني إجابته.

كنت قد تعبت من الأشخاص الذين يتحدثون بثقة عن أشياء لا يعرفونها.

وضع قفازين خفيفين، وأخذ الشريط بحذر.

فحص الغلاف الشفاف، ثم أدار البكرتين قليلًا بأداة مخصصة.

قال:

— الشريط قديم، لكنه يبدو محفوظًا بصورة جيدة نسبيًا. هل تعرفين متى سُجل؟

— أظن أنه يعود إلى عام 1995.

رفع عينيه.

— تظنين؟

— لا يوجد تاريخ عليه.

— إذن لا نستطيع إثبات عمر التسجيل من شكله وحده. سأخبرك إذا وجدت علامة مصنعية مفيدة، لكنها لن تحدد بالضرورة يوم تسجيل الصوت.

وضع الشريط قرب جهازه.

ثم سأل:

— هل شغلته من قبل؟

— مرة واحدة.

— على جهاز قديم؟

— نعم.

— وهل سمعتِ الصوت بوضوح؟

ابتلعت ريقي.

— بعضه.

لم يسأل عن محتواه.

وهذا جعلني أشعر براحة مؤقتة.

قال:

— سأفحص حالة الشريط أولًا، ثم أنقل الصوت كما هو إلى ملف رقمي، دون تعديل. بعد ذلك أعمل على نسخة أخرى للاستماع. الأصل سيبقى كما هو.

أومأت.

وقبل أن يبدأ، أضفت:

— أريد الاحتفاظ بالنسخة الأصلية للتسجيل دون أي معالجة، وبتوقيت المقاطع كما هي.

نظر إليّ باهتمام.

— هل قد تحتاجينه في قضية قانونية؟

لم أكن مستعدة للإجابة.

قلت:

— ربما.

أعاد الشريط إلى علبته مؤقتًا.

— في هذه الحالة، من المهم أن تعرفي أنني أستطيع إعداد نسخ للاستماع، لكن هذا ليس فحصًا جنائيًا معتمدًا. إذا أردتِ تقديمه دليلًا رسميًا، فستحتاجين إلى جهة مختصة.

— أفهم.

ثم سألني:

— هل تريدين أن أبقى وحدي أثناء النقل؟

نظرت إلى الشريط.

— لا. أريد أن أكون هنا.

\*\*\*

استغرق الفحص والتحويل وقتًا أطول مما توقعت.

راقبت مازن وهو يتعامل مع الشريط بحذر، كأن عمره وحده سبب كافٍ لاحترامه.

كان يحمل في إحدى يديه عدسة مكبرة صغيرة، ويتحقق من حالة الشريط قبل تمريره في جهاز تشغيل مناسب.

ثم بدأ التسجيل الرقمي.

ظهر على شاشة الحاسوب مسار صوتي تتخلله موجات متفاوتة الارتفاع.

لم أفهم تفاصيله.

لكنني أدركت أن كل حركة صغيرة على الشاشة تمثل صوتًا مر من هذا الجهاز قبل سنوات.

ربما كان صوت أبي.

أو أمي.

أو شخص لم أعرف بوجوده قط.

بعد انتهاء النقل، أوقف مازن الجهاز.

قال:

— الوجه الأول فيه تسجيل واضح نسبيًا، مع تشويش متقطع. سأحفظه كما هو أولًا.

ظهر اسم الملف على الشاشة.

A_RAW.

ثم نسخ الملف وفتح النسخة الجديدة.

أجرى بعض التعديلات على الضجيج الثابت، وخفف الأصوات المنخفضة التي تطغى على الكلام.

ناولني سماعتين.

— سنسمعه على مراحل. لا تتوقعي أن يصبح نقيًا تمامًا.

وضعت السماعتين.

أشار إليّ قبل أن يضغط التشغيل.

— إذا كان محتواه مؤلمًا، يمكننا التوقف في أي لحظة.

لم أجب.

بدأ الصوت.

في البداية سمعت احتكاكًا خفيفًا، كأن الجهاز وُضع على سطح صلب.

ثم طرقات متباعدة.

بعدها صوت أمي.

— فارس... هل يعمل الآن؟

أغمضت عينيّ.

كنت أعرف ما سيأتي.

ومع ذلك، عندما أجاب أبي، أحسست بأن شيئًا ثقيلًا استقر فوق صدري.

استمعت إلى الحديث مرة ثانية.

عن مريم.

عن الأوراق.

عن الطفلة التي أُخذت من أمها.

هذه المرة لم أبكِ، ولم أتجمد كما حدث داخل منزل اللويبدة.

كنت أصغي.

أبحث عن كل كلمة.

كل تردد.

كل شيء يمكن أن يخبرني بما حدث.

عندما قالت أمي:

«لقد أخذناها من أمها يا فارس!»

توقف مازن عن النظر إلى الشاشة.

لكنه لم يلتفت إليّ.

كان واضحًا أنه فهم أن التسجيل ليس مجرد ذكرى عائلية.

واصل العمل بصمت.

عند الجزء الذي قال فيه أبي:

«هناك أشياء فعلتها لا أستطيع التراجع عنها»،

رفعت يدي.

— توقف هنا.

أوقف التسجيل.

سألني:

— هل تريدين إعادة الجملة؟

— نعم. وما قبلها بقليل.

أعاد المقطع.

سمعت صوت أمي تسأله:

— إذن أخبرني!

ثم صمته.

ثم اعترافه الناقص.

أعدته مرة ثالثة.

لم تتغير الكلمات.

لكنني لاحظت شيئًا.

قبل أن يجيب أبي، كان هناك صوت منخفض خلف حديثهما.

لم أسمعه في المرة الأولى.

قلت:

— هل تسمع هذا؟

مال مازن نحو الشاشة.

— أسمع صوتًا في الخلفية، نعم.

— هل هو صوت شخص؟

أعاد المقطع.

ثم خفف بعض الضجيج.

خرج صوت ضعيف، تداخل مع صوت أبي.

لم أستطع فهم الكلمات.

لكنني سمعت حركة، تلتها نقرة معدنية.

قال مازن:

— قد يكون بابًا أو قطعة معدنية قريبة من جهاز التسجيل. لا أستطيع الجزم من هذا الصوت.

— وماذا عن الكلام؟

— هناك شيء يشبه صوتًا بشريًا، لكننا نحتاج إلى الاستماع من دون أن نخمن الكلمات مسبقًا.

خلعت السماعة عن أذني اليمنى.

— ماذا تعني؟

— أحيانًا، عندما نعتقد أننا سنسمع كلمة معينة، يبدأ عقلنا في سماعها حتى لو كانت الأصوات غير واضحة. الأفضل أن ندوّن فقط ما نسمعه بثقة.

كان كلامه منطقيًا.

ومزعجًا.

فأنا لم أعد أريد الاحتمالات.

كنت أريد إجابة.

\*\*\*

استمررنا في الاستماع.

في أحد المقاطع، قبل بكاء الطفلة، ظهر صوت يشبه احتكاك باب معدني بمزلاج.

وفي مقطع آخر، بدا أن أمي ابتعدت عن المسجل لحظة ثم عادت إليه.

كل ذلك لم يكن كافيًا لمعرفة مكان التسجيل.

لكن ترتيب الأصوات أكد لي شيئًا مهمًا.

لم يكن الحديث قد سُجل في غرفة هادئة تمامًا.

كانت هناك حركة قريبة.

وربما أشخاص آخرون.

وعندما وصلنا إلى نهاية الوجه الأول، أشار مازن إلى جزء ضيق من الموجة الصوتية.

— هنا توجد أصوات خافتة بعد الكلام الأخير.

اقتربت من الشاشة.

— بعد صوت أمي؟

— نعم، قبل توقف التسجيل مباشرة.

شغله.

سمعت صوت أمي تقول:

«لا أريد أن تقضي حياتها وهي تظن أنني أنجبتها».

ثم احتكاكًا حادًا.

في المرة السابقة، ظننت أن التسجيل انتهى عند هذا الحد.

لكن مازن خفف حدة التشويش قليلًا، فظهر صوت أبي بعيدًا:

— سلمى، انتظري...

ثم صوت حركة.

ثم شيء يشبه صوت رجل آخر.

لم أفهم ما قاله.

طلبت إعادة المقطع.

مرة.

مرتين.

خمس مرات.

في النهاية، سمعت كلمتين فقط.

«... الممر الغربي...»

شعرت بأن ظهري استقام دون إرادتي.

الممر الغربي.

المكان الذي اكتشفت فيه الجدار المخفي.

نظرت إلى مازن.

— هل سمعت الكلمتين؟

أعاد الصوت مرة أخرى دون أن ينظر إليّ.

— الثانية تبدو «الغربي». الأولى قد تكون «الممر»، لكنني لا أستطيع تأكيدها.

أعدنا المقطع.

كان الصوت لرجل، على الأرجح، لكنه بدا أبعد من صوت أبي وأقل وضوحًا.

سألته:

— هل يمكن معرفة إن كان الصوت لأبي؟

فكر لحظة.

— لا يمكنني تأكيد هوية شخص من هذا المقطع. اختلاف البعد عن الميكروفون وطبيعة الصوت قد يغيران ما نسمعه. لكن نبرة الصوت مختلفة عن نبرة المتحدث القريب، على الأقل في هذا الجزء.

أحسست بقشعريرة.

وضعت السماعتين على الطاولة.

كنت قد دخلت المحل وأنا أحمل سؤالًا واحدًا:

من أكون؟

والآن أصبح لديّ سؤال آخر.

من كان بالقرب من أبي وأمي عندما تحدثا عن الطفلة التي أخفياها؟

\*\*\*

خرجت من المحل لدقائق.

كنت بحاجة إلى الهواء.

وقفت على الرصيف، أراقب السيارات والمارة.

رجل يحمل خبزًا.

امرأة تسحب طفلها الصغير من يده وهو يحاول التوقف أمام واجهة ألعاب.

شاب يتحدث في هاتفه ويضحك.

حياة عادية.

كنت أشعر بالغيرة من بساطتها.

رن هاتفي.

خالتي هند.

ترددت، ثم أجبت.

— صباح الخير، خالتي.

— صباح الخير؟ لقد تجاوزنا العصر يا ليان! أين أنتِ؟

— لدي بعض العمل.

— مررت بشقتك ولم أجدك.

نظرت إلى الساعة.

كنت قد نسيت تمامًا أنها وعدت بزيارتي.

— آسفة، لم أنتبه للوقت.

سمعت تنهيدة.

— ليان، أريد الاطمئنان عليك. أنت لا تتصرفين على طبيعتك منذ وفاة والدك.

كدت أقول لها إنني اكتشفت أن حياتي كلها لم تكن على طبيعتها.

لكنني ابتلعت الكلمات.

سألتها بدلًا من ذلك:

— خالتي، هل تتذكرين الحريق الذي وقع في بيت اللويبدة؟

ساد صمت مفاجئ.

ثم قالت:

— أي حريق؟

أغمضت عينيّ.

— حريق سنة 1995.

— بالطبع أتذكره. لماذا؟

— كنتِ موجودة يومها؟

— لا. وصلت بعد الحادث.

— هل أصيب أحد؟

تأخرت في الإجابة.

— نعم، كانت هناك إصابات، على ما أذكر.

— وهل مات أحد؟

هذه المرة طال الصمت.

— ليان، لماذا تسألين عن شيء حدث قبل أن تكبري؟

— لأنني وجدت أوراق ترميم قديمة، وأريد أن أفهم سبب تغيير تصميم المنزل.

— لم أكن أفهم في هذه الأمور.

— لا أسألك عن الهندسة. أسألك عن الحريق.

سمعت صوتها يتغير.

— هناك أشياء لا أحب تذكرها يا ليان.

— مثل ماذا؟

— مثل أن أختي كانت تبكي أيامًا بعده.

تجمدت.

— أمي؟

— نعم.

— لماذا؟

— لأنها خافت كثيرًا.

— على من؟

لم تجب فورًا.

ثم قالت بصوت منخفض:

— على الجميع.

كنت أعرف خالتي جيدًا.

وعرفت من نبرتها أنها تريد إنهاء الحديث.

قلت:

— هل كانت أمي تعرف امرأة اسمها مريم؟

انقطع صوتها لحظة.

ظننت أن الاتصال انتهى.

ثم سمعتها تقول:

— لماذا تسألين عن هذا الاسم؟

شعرت بدقات قلبي تتسارع.

لم تقل إنها لا تعرفه.

لم تسأل من تكون مريم.

قالت فقط: لماذا تسألين؟

قلت:

— هل تعرفينها؟

— ربما كان هناك أشخاص كثيرون في ذلك الوقت. لا أتذكر جميع الأسماء.

— خالتي...

قاطعتني:

— ليان، أنا متعبة قليلًا. سنتحدث لاحقًا.

ثم أنهت المكالمة.

بقيت أنظر إلى الشاشة.

لم يكن صمتها دليلًا على أنها شاركت في شيء.

لكنه أكد أن الاسم ليس غريبًا عليها تمامًا.

وأن عليّ، في المرة المقبلة، أن أسألها وجهًا لوجه.

\*\*\*

عندما عدت إلى المحل، كان مازن قد انتهى من نقل الوجه الثاني للشريط.

نظر إليّ وقال:

— هذا الجزء أقصر بكثير.

وضعت حقيبتي على المقعد.

— كم طوله؟

— توجد عليه بضع ثوانٍ من صوت مفهوم نسبيًا، ثم مساحة طويلة من الشريط بلا تسجيل مسموع.

شعرت بخيبة أمل.

— هل يمكن أن يكون التسجيل تالفًا؟

— ربما، لكن لا نستطيع افتراض ذلك. قد يكون الوجه الثاني استُخدم لتسجيل مقطع قصير فقط.

جلسنا أمام الحاسوب.

ضغط التشغيل.

في البداية سمعت صوت حركة قريبة من الميكروفون.

ثم صمتًا.

ثم صوت أبي.

لم أكن متأكدة في البداية.

لكن عندما تكلم ثانية، عرفته.

— لا تضعها هنا.

تبعته حركة ورق.

ثم صوت أمي.

— وأين تريد أن أضعها؟

قال أبي:

— بعيدًا عن الباب.

بدأ قلبي يخفق بسرعة.

صوت احتكاك.

ثم خطوات.

قالت أمي:

— إنهم يعتقدون أن كل شيء احترق.

أجاب أبي:

— فليعتقدوا ذلك.

تداخل صوت خشخشة مع حديثهما.

ثم سمعنا صوتًا منخفضًا آخر.

لم أستطع تمييز كلماته.

وبعد ثوانٍ، قالت أمي بحدة:

— فارس، ماذا لو عرف أحد أنك احتفظت بها؟

أجاب:

— لن يعرف.

صدر صوت طقطقة حادة.

ثم انتهى الجزء المسجل.

لم أتحرك.

نظرت إلى الشاشة، منتظرة أن يظهر شيء آخر.

لكن الخط الصوتي بقي ساكنًا.

قلت:

— أعده.

أعاده.

هذه المرة ركزت على الضمائر.

«لا تضعها هنا».

«وأين تريد أن أضعها؟»

«إنهم يعتقدون أن كل شيء احترق».

«ماذا لو عرف أحد أنك احتفظت بها؟»

لم أكن أعرف إلى ماذا تشير كلمة «ها».

هل كانت أوراقًا؟

صورة؟

حقيبة؟

لم أستطع معرفة ذلك من التسجيل وحده.

لكن المعنى العام كان واضحًا.

هناك شيء نجا من الحريق.

وأبي أخفاه.

والأشخاص الذين تحدثت عنهم أمي لم يكونوا يعرفون بوجوده.

نظرت إلى مازن.

— هل يمكن تحديد إن كان هذا التسجيل أقدم من تسجيل الوجه الأول؟

هز رأسه.

— لا. لا توجد معلومات كافية. يمكن تسجيل الوجهين في يوم واحد، أو في يومين مختلفين، أو بفارق سنوات. وحتى لو اختلفت جودة الصوت، فهذا لا يثبت ترتيب التسجيلات.

سألته:

— وهل تعتقد أن الصوت الثالث موجود هنا أيضًا؟

أعاد ثواني التشويش.

ثم قال:

— توجد أصوات في الخلفية، لكن الجزء قصير جدًا، ولا أستطيع أن أميز شخصًا ثالثًا بثقة.

تراجعت في المقعد.

كنت أريد أن أربط كل شيء.

الجدار.

الغرفة.

المخططات.

الحريق.

الشريط.

لكن ما أملكه ما زال شظايا متفرقة من قصة لا أعرف بدايتها.

قال مازن:

— هل تريدين أن أكتب لك تفريغًا لما استطعنا سماعه؟

فكرت قليلًا.

— نعم، لكن أريد التمييز بين الكلمات الواضحة والكلمات المحتملة.

أومأ.

— هذا أفضل.

ثم أضاف:

— وسأعطيك الملفات الأصلية المنقولة من الشريط، ونسخ الاستماع المحسنة، كلًا على حدة.

شكرته.

وبينما كان يحفظ الملفات، سألت:

— هل سمعت شيئًا يشير إلى مكان التسجيل؟

قال:

— هناك أصوات غرفة مغلقة، لكن لا يمكن تحديد المكان منها. أما الكلمات التي سمعتِها عن الممر الغربي، فقد تكون مهمة إذا كان لديك سياق آخر يفسرها.

كان لديّ سياق.

لكنني لم أكن مستعدة لمشاركته.

\*\*\*

وصلت إلى شقتي مع غروب الشمس.

وضعت الشريط الأصلي داخل علبته، ثم وضعته مع رسالة أبي والصورة القديمة في درج مقفل.

أما الملفات الرقمية، فاحتفظت منها بنسختين في مكانين منفصلين.

لم أرد أن أكرر خطأ أبي.

كان قد أخفى كل شيء في مكان واحد، ثم أمضى سنوات يخشى أن يعثر عليه أحد.

جلست أمام حاسوبي.

فتحت ملفًا جديدًا، وكتبت في أعلاه:

«قضية منزل اللويبدة — تسلسل الأدلة».

ثم بدأت أسجل ما أعرفه، وما لا أعرفه.

توفي أبي بعد سقوطه على درج المنزل.

قبل وفاته بأسابيع، كان يريد إعادة فتح قضية قديمة.

شركة الدروبي عرضت شراء المنزل بسعر غير معتاد.

ممثل الشركة حاول الدخول دون إذني.

هناك غرفة أُغلقت عام 1995.

الشخص الذي نفذ الإغلاق اسمه رشيد محمود العبد.

أبي كان يخشى أن يعرف رشيد نيته فتح الغرفة.

وهناك شريط يتحدث فيه أبي وأمي عن طفلة أخذوها من أمها، وعن أوراق نجت من حريق قديم.

توقفت عن الكتابة.

ثم أضفت جملة وضعت تحتها خطًا:

«لا يوجد حتى الآن دليل قاطع أن الطفلة المذكورة في التسجيل هي أنا».

بقيت أحدق في الجملة.

كان جزء مني يريد حذفها.

لكن الجزء الآخر، الجزء الذي تعلّم ألا يستنتج شيئًا قبل التحقق منه، أجبرني على تركها.

قد أكون تلك الطفلة.

وقد يكون التسجيل متعلقًا بطفلة أخرى.

وقد يكون أبي وأمي قد أخفيا عني تبنيًا لم أعرف به.

لكن تلك الاحتمالات لا تعني الشيء نفسه.

ولم أكن أريد أن أستبدل كذبة قديمة باستنتاج جديد غير مثبت.

فتحت ملف الصور على هاتفي.

ظهرت الصورة المحترقة.

أمي.

المرأة المجهولة.

عربة الأطفال.

قربت الصورة.

كانت العربة داكنة اللون، ذات غطاء فاتح، وإحدى عجلاتها الأمامية مختلفة قليلًا عن الأخرى.

لم يكن فيها شيء مميز.

لكنني انتبهت إلى يد المرأة المجهولة.

كانت تمسك بمقبض العربة بيدها اليسرى.

وفي إصبعها خاتم عريض يحمل حجرًا بيضاويًا داكنًا.

أمعنت النظر.

ثم فتحت صورة العائلة القديمة الموجودة على هاتفي.

بحثت عن خاتم مشابه في يد أمي.

لم أجده.

لم يكن ذلك دليلًا على شيء.

فقط تفصيلًا صغيرًا.

سجلته في ملاحظاتي.

ثم أعدت الصورة إلى مكانها.

في تلك اللحظة، وصلتني رسالة من المحامي سامر.

«تواصلت مع مهندس مختص. يمكنه فحص الجدار غدًا لتحديد طريقة فتحه بأمان، لكننا نحتاج إلى موافقتك قبل البدء».

كتبت:

«موافقة. أريد فتح الغرفة بعد توثيق وضعها».

ثم ترددت.

وأضفت:

«وأرجو ألا يعرف أي شخص خارجنا بموعد الفحص».

رد بعد دقائق:

«مفهوم. سأحصر التفاصيل بمن يلزم حضوره».

أغلقت المحادثة.

كنت على وشك إطفاء الحاسوب، عندما انتبهت إلى شيء في دفتر الملاحظات.

أمام اسم رشيد، كتبت تاريخ إغلاق الغرفة:

24 تشرين الثاني 1995.

أما الشريط، فلم يحمل تاريخًا.

فتحت نسخة التسجيل الأولى مرة أخرى.

استمعت إلى صوت أمي:

«لقد أخذناها من أمها يا فارس».

ثم إلى سؤالها:

«لماذا سمحنا لهم بإعلان موتها؟»

أوقفت التسجيل.

كانت هناك نقطة لم أفكر فيها جيدًا.

إذا كان الإعلان عن موت الطفلة قد حدث بالفعل قبل تسجيل الحديث، فلا بد أن الحريق سبق ذلك الحوار.

وكان أبي وأمي يعرفان أن هناك امرأة تعتقد أن ابنتها ماتت.

لكن كيف علما بذلك؟

هل شاهدا إعلان الوفاة؟

هل أخبرهما شخص؟

وهل شاركا في إخفاء الحقيقة منذ اللحظة الأولى، أم تورطا فيها بعد إنقاذ الطفلة؟

لم أملك إجابة.

لكنني كنت أعرف أين يمكن أن أبحث.

تقارير الحريق.

سجلات المستشفى.

والأوراق الرسمية التي صدرت بعد الحادث.

كتبت في دفتري:

«يجب تحديد تاريخ الحريق أولًا».

\*\*\*

بعد العاشرة مساءً، حاولت تناول شيء من الطعام.

لم أستطع.

أعددت كوب شاي، وجلست قرب النافذة.

كانت أضواء عمّان تتوزع على التلال كأنها آلاف البيوت التي تخفي آلاف القصص.

تذكرت أمي.

كيف كانت تجلس بجواري عندما أمرض، وتضع يدها على جبيني.

كيف كانت تحب رائحة المطر.

وكيف كانت تغلق النوافذ فور سماع الرعد.

هل كانت تشعر بالذنب كلما رأتني؟

هل كانت تحبني رغم ما فعلته؟

أم أنها أحبتني لأنها أرادت أن تنسى ما فعلته؟

شعرت بعينيّ تمتلئان بالدموع.

كنت أريد أن أغضب منها.

أن أصرخ في وجهها.

أن أسألها لماذا لم تخبرني.

لكنها ماتت.

تركتني في الحادية عشرة، وأنا أعتقد أن الفقد أكبر مصيبة يمكن أن تصيب الإنسان.

لم أكن أعرف أن هناك نوعًا آخر من الفقد.

أن تكتشف أن الشخص الذي افتقدته كل هذه السنوات كان يخفي عنك جزءًا من حقيقتك.

وضعت رأسي على حافة النافذة.

وللمرة الأولى منذ وفاة أبي، بكيت.

لم أبكِ عليه وحده.

ولا على أمي.

بكيت على الطفلة التي كنتها، وعلى امرأة لا أعرف اسمها الكامل بعد، ربما قضت عمرها تتخيل شكل ابنتها التي فقدتها.

بكيت لأنني لم أعرف من ألوم.

ولا كيف أبدأ المسامحة.

عند الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة، أضاءت شاشة هاتفي برسالة من رقم مجهول.

لم يكن الرقم الذي اتصل بي ليلة أمس.

فتحت الرسالة.

كانت قصيرة:

«ابتعدي عن المنزل. فتح الغرفة لن يعيد والدك».

تجمدت أصابعي.

قرأت الكلمات مرة ثانية.

ثم ثالثة.

لم تكن الرسالة تهديدًا صريحًا بالموت.

لكنها أخبرتني بشيء أخطر.

هناك شخص يعرف أنني اكتشفت الغرفة.

لم أخبر سوى سامر بموعد فحص الجدار، ولم أخبر أحدًا خارج المحل عن وجود الشريط.

هل رآني أحد وأنا أقيس المنزل؟

هل راقبنا شخص أثناء زيارتنا صباحًا؟

أم أن هناك من يعرف بوجود الغرفة منذ البداية؟

التقطت صورة للشاشة، وحفظت الرقم والرسالة، ثم أرسلت نسخة إلى سامر مع طلب ألا يناقش الموضوع عبر الهاتف حتى نلتقي.

بعدها وقفت وتأكدت من إغلاق باب شقتي.

لم أطفئ الأنوار.

عدت إلى مكتبي.

فتحت ملف التسجيل للمرة الأخيرة.

وضعت السماعات.

وشغلت المقطع القصير من نهاية الوجه الأول.

صوت أمي.

ثم صوت أبي.

ثم الاحتكاك المعدني.

ثم الكلمتان اللتان بدتا واضحتين بما يكفي لإثارة قلقي:

«... الممر الغربي...»

أعدت المقطع.

هذه المرة لم أركز على الكلمات.

ركزت على ترتيب الأصوات.

بعد حديث أمي، تحرك شيء قريب من جهاز التسجيل.

ثم جاء الصوت البعيد.

ثم انقطع التسجيل.

كان احتمال وجود شخص ثالث داخل المكان منطقيًا، لكنه لم يكن مؤكدًا.

لم أعرف من يكون.

ولماذا كان يتحدث عن الممر الغربي.

لكن ذلك الممر قادني إلى الصندوق.

والصندوق قادني إلى الشريط.

والشريط قادني إلى امرأة اسمها مريم.

أما الممر نفسه، فكان يخفي غرفة لم تُفتح منذ عقود.

أغلقت الملف الصوتي.

ثم أخرجت المخطط الهندسي القديم.

ثبتت الورقة الشفافة التي وجدت عليها تصميم الغرفة فوق الرسم الأصلي.

كان الباب القديم واضحًا.

وكانت الغرفة خلفه أصغر مما تخيلت.

لا نوافذ كبيرة.

ولا مدخل آخر ظاهر في الرسم.

مكان ضيق لحفظ أشياء يريد صاحبها إبعادها عن العيون.

مررت إصبعي على الحدود المرسومة بالقلم الأزرق.

ثم توقفت عند رمز صغير قرب الزاوية الداخلية.

لم أنتبه له في المرات السابقة.

كان مستطيلًا دقيقًا بمحاذاة الجدار.

وبجانبه كلمة اختصر أبي بعض حروفها.

أحضرت عدسة مكبرة.

قربت الورقة من المصباح.

ظهرت الكلمة:

«خزانة».

وتحتها رقم قياس صغير.

لم تكن الغرفة فارغة في المخطط القديم.

كان هناك شيء محدد في زاويتها.

خزانة مثبتة إلى الجدار.

أعدت النظر إلى ملاحظة أبي:

«أغلقتُ الباب كي لا يصلوا إلى ما بقي في الداخل».

عندها بدأت أفهم.

لم يكن أبي يخفي الغرفة نفسها.

كان يخفي شيئًا بداخلها.

شيئًا نجا من الحريق.

شيئًا اعتقد آخرون أنه احترق.

وشيئًا عاد أبي للبحث عنه قبل موته.

نظرت إلى الرسالة المجهولة على شاشة هاتفي.

«فتح الغرفة لن يعيد والدك».

ربما كان مرسلها محقًا في شيء واحد.

فتح الغرفة لن يعيد أبي.

لكنه قد يخبرني لماذا مات.

أعدت طي المخطط، وأغلقته داخل الملف.

ثم كتبت آخر جملة في دفتري قبل أن أحاول النوم:

«غدًا سأفتح الجدار».

ولم أكن أعلم أن الأشياء التي ستخرج من تلك الغرفة لن تغير ما أعرفه عن عائلتي وحدها.

بل ستغير أيضًا الطريقة التي مات بها أشخاص آخرون، والطريقة التي عاش بها من نجوا.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • الجدار الذي تذكّر   الفصل الخامس: ملف الحريق

    هناك فرق بين أن يخبئ الإنسان سرًا، وأن يترك وراءه أدلة تثبت أنه تعمد إخفاءه.كنت أظن أن أبي فعل الأمر الأول.لكنني، عندما بدأت قراءة ملف الحريق، أدركت أنه ربما فعل الأمرين معًا.***وصلت إلى مكتب المحامي سامر في التاسعة صباحًا، قبل الموعد بعشر دقائق.لم أكن قد نمت جيدًا منذ ثلاثة أيام.كلما أغمضت عينيّ، سمعت صوت أمي يخرج من جهاز التسجيل القديم:«لقد أخذناها من أمها يا فارس».وكان السؤال نفسه يعود إليّ كل ليلة.إذا كنت أنا تلك الطفلة، فكيف استطاع أبي أن ينظر إليّ طوال واحد وثلاثين عامًا دون أن يخبرني؟جلست في غرفة الانتظار، وأخرجت دفتري الصغير.كانت صفحاته قد امتلأت بأسماء وتواريخ وأسئلة.فارس الخطيب.سلمى.مريم.رشيد محمود العبد.يونس العطار.وآدم.ستة أسماء، لا أعرف حتى الآن كيف اجتمعت حول حريق واحد.رفعت رأسي عندما فُتح باب المكتب.كان سامر يحمل ملفًا أزرق سميكًا، وإلى جانبه ظرف بني كبير.لم يبتسم كعادته.قال:— تفضلي يا ليان.دخلت خلفه.أغلق الباب، ووضع الملف أمامي.— وصلتنا نسخ من بعض أوراق القضية القديمة، وهناك مستندات أخرى ما زالت تحتاج إلى إجراءات للحصول عليها. كما أرسل آدم مجم

  • الجدار الذي تذكّر   الفصل الرابع: الرجل عند الدرج

    في صباح اليوم الذي قررت فيه فتح الجدار، اكتشفت أن أصعب ما في البحث عن الحقيقة ليس العثور على الأبواب المغلقة.بل معرفة من ينتظر خلفها.استيقظت قبل المنبه بعشرين دقيقة.لم أنم سوى ثلاث ساعات، قضيت معظمها أتقلب بين سؤالين: هل كانت المرأة التي تحدثت عنها أمي في التسجيل هي أمي الحقيقية؟ وهل مات أبي لأنه حاول إخبارها بأن ابنتها ما زالت حية؟لم أكن أملك دليلًا يربط السؤالين.ومع ذلك، كان عقلي يصر على جمعهما في قصة واحدة.وهذا أكثر ما أخافني.لقد أمضيت سنوات في دراسة الهندسة، وتعلمت أن وجود شرخ في جدار لا يعني بالضرورة أن المبنى سينهار. يجب معرفة السبب، والاتجاه، والعمق، وتاريخ ظهوره.لكنني الآن كنت مستعدة لتفسير حياتي كلها اعتمادًا على تسجيل ناقص ورسائل غامضة.وقفت أمام المرآة.وجهي شاحب.عيناي محمرتان من قلة النوم.أما المرأة التي تنظر إليّ من الزجاج، فلم أعد أعرف إلى من تشبه.أخرجت هاتفي واتصلت بالمحامي سامر.أجاب بعد الرنة الثالثة.— صباح الخير، ليان.— هل أكدت موعد المهندس؟— نعم. المهندسة دانا ستصل في العاشرة. ستفحص الجدار والمنطقة المحيطة به قبل أن نقرر الخطوة التالية.— أريد فتحه الي

  • الجدار الذي تذكّر   الفصل الثالث: شريط بلا تاريخ

    لم تكن المشكلة أنني سمعت صوت أمي بعد عشرين عامًا من موتها.المشكلة أنني لم أعد أعرف أي جزء من حياتي كان حقيقيًا.جلست في سيارتي أمام منزل اللويبدة، أحدق في حقيبتي الموضوعة على المقعد المجاور. كان الشريط داخل جيبها الصغير، ملفوفًا بمنديل ورقي، كأن قطعة البلاستيك البالية تحمل شيئًا هشًا قد يتحطم إذا لمسته بقوة.قبل يومين، كنت أعتقد أن أكبر قرار ينتظرني هو بيع منزل قديم.أما الآن، فقد أصبحت أخشى أن أفتح حقيبتي.رن هاتفي.ظهر اسم المحامي سامر.أجبت.— هل وصلتِ إلى البيت؟— لم أغادر الشارع بعد.— ليان، لا تعودي إلى الداخل وحدك. لقد اتفقنا على ذلك.— أعرف.صمت لحظة، ثم سأل:— هل أنت بخير؟نظرت إلى البوابة الحديدية التي خرجنا منها قبل دقائق.— لا أعرف.لم تكن إجابة مناسبة لسؤال بسيط، لكنها كانت الحقيقة.قال:— أريدك أن ترسلي إليّ صور المخططات التي وجدناها. سأراجع تاريخ الترميم، وربما أستطيع الوصول إلى بعض المستندات المرتبطة به.— وماذا عن تقرير وفاة أبي؟— سأتابع إجراءات الحصول على نسخة من الملف والمستندات التي يحق لك الاطلاع عليها. لكن لا تتوقعي أن نحصل عليها اليوم.ترددت قبل أن أقول:— سام

  • الجدار الذي تذكّر   الفصل الثاني: متران مفقودان

    لم أكن أخاف الظلام.كنت أخاف الأشياء التي لا أستطيع تفسيرها.لكنني، في تلك اللحظة، كنت أقف في الطابق العلوي من منزل عائلتي، وأسمع رجلًا يحاول فتح الباب بمفتاح لا أعرف كيف حصل عليه.وللمرة الأولى في حياتي، لم أعد متأكدة من أن المعرفة ستجعلني أكثر أمانًا.تراجع صوت الخطوات خارج المنزل، ثم عاد صوت المعدن يحتك بالقفل.مرة.مرتين.ثم صوت الرجل نفسه:— آنسة ليان، أعرف أنك في الداخل. لا داعي لتعقيد الأمر.أمسكت هاتفي بقوة.كان المتصل المجهول قد أغلق الخط، ولم أكن أعرف إن كان عليّ تصديقه أم الخوف منه هو الآخر.نظرت إلى شاشة الهاتف.الساعة الثامنة وسبع وأربعون دقيقة.لم يكن الوقت متأخرًا إلى درجة تبرر شعوري بأن المدينة كلها نامت وتركتني وحدي.لكن البيت كان صامتًا على نحو مخيف.حتى صوت المطر بدا بعيدًا.ضغطت على رقم الطوارئ.أجابتني موظفة بصوت هادئ، فأخبرتها بعنوان المنزل، وبأن رجلًا لا أسمح له بالدخول يحاول فتح الباب من الخارج.سألتني:— هل دخل المنزل؟— لا، ليس بعد.— هل أنت في مكان آمن؟نظرت إلى باب المكتب المفتوح.— أنا في الطابق العلوي. هناك مخرج خلفي، لكنني لا أعرف إن كان أحد ينتظر عنده.

  • الجدار الذي تذكّر   الفصل الأول: وصية الجدار

    في اليوم الأربعين لوفاة أبي، عرض عليّ رجل غريب ثلاثة أضعاف قيمة منزلنا القديم.لم يطلب رؤية المنزل.لم يسأل عن حالته.ولم يحاول حتى التفاوض.وحدها عيناه كانتا تتحركان بقلق بين وجهي والملف الموضوع أمامه، كأنه لا ينتظر موافقتي على البيع، بل يخشى أن أطرح سؤالًا لا يريد الإجابة عنه.قال وهو يدفع العقد نحوي:— أعتقد أن العرض أكثر من مناسب، آنسة ليان.نظرت إلى المبلغ المطبوع أسفل الصفحة، ثم رفعت عينيّ إليه.— مناسب جدًا، لدرجة تثير الشك.ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.— الموقع ممتاز. الشركة لديها خطط استثمارية للمنطقة.كنا نجلس في مكتب المحامي سامر، الذي تولى إجراءات تركة أبي. كان الرجل المقابل لي في أواخر الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء لم يفتحها منذ دخوله.قال المحامي محاولًا تلطيف الأجواء:— القرار يعود لك بالكامل يا ليان. المنزل أصبح مسجلًا باسمك بموجب الوصية، ولا يوجد ما يجبرك على بيعه.أعدت النظر إلى العقد.— لماذا هذا المنزل تحديدًا؟أجاب الرجل:— لأنه يناسب المشروع.— هل اطلعت على مخططاته؟— لدينا المعلومات اللازمة.— وهل تعلم أنه لم يُرمم منذ س

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status