ANMELDENفي صباح اليوم الذي قررت فيه فتح الجدار، اكتشفت أن أصعب ما في البحث عن الحقيقة ليس العثور على الأبواب المغلقة.
بل معرفة من ينتظر خلفها. استيقظت قبل المنبه بعشرين دقيقة. لم أنم سوى ثلاث ساعات، قضيت معظمها أتقلب بين سؤالين: هل كانت المرأة التي تحدثت عنها أمي في التسجيل هي أمي الحقيقية؟ وهل مات أبي لأنه حاول إخبارها بأن ابنتها ما زالت حية؟ لم أكن أملك دليلًا يربط السؤالين. ومع ذلك، كان عقلي يصر على جمعهما في قصة واحدة. وهذا أكثر ما أخافني. لقد أمضيت سنوات في دراسة الهندسة، وتعلمت أن وجود شرخ في جدار لا يعني بالضرورة أن المبنى سينهار. يجب معرفة السبب، والاتجاه، والعمق، وتاريخ ظهوره. لكنني الآن كنت مستعدة لتفسير حياتي كلها اعتمادًا على تسجيل ناقص ورسائل غامضة. وقفت أمام المرآة. وجهي شاحب. عيناي محمرتان من قلة النوم. أما المرأة التي تنظر إليّ من الزجاج، فلم أعد أعرف إلى من تشبه. أخرجت هاتفي واتصلت بالمحامي سامر. أجاب بعد الرنة الثالثة. — صباح الخير، ليان. — هل أكدت موعد المهندس؟ — نعم. المهندسة دانا ستصل في العاشرة. ستفحص الجدار والمنطقة المحيطة به قبل أن نقرر الخطوة التالية. — أريد فتحه اليوم. — أعرف، لكننا لن نخاطر بسلامتك أو نتسبب في إتلاف أدلة محتملة. صمتُّ. ثم سألته: — هل عرفت شيئًا عن الرجل الذي جاء إلى المنزل؟ — تحدثت مع مكتب شركة الدروبي. أكدوا أن نادر السالمي يمثلهم، لكنهم نفوا تكليفه بمعاينة العقار ليلًا. — وهل أخبروك لماذا حاول فتح الباب؟ — قالوا إنهم سيستوضحون الأمر منه. ابتسمت بسخرية. — إجابة مريحة جدًا. — لم أقل إنني صدقتها. كان سامر يتحدث بحذر دائمًا، حتى عندما يكون غاضبًا. أكمل: — وأرسلت لهم اعتراضًا رسميًا على دخول العقار أو محاولة دخوله دون إذنك. لا أريد أن يكون هناك أي التباس بشأن ملكيتك أو حقك في منعهم. — وماذا عن رسالة التهديد؟ — احتفظي بها وبالرقم، وقدميها ضمن إفادتك. لا تحذفي شيئًا. نظرت إلى الرسالة المجهولة على هاتفي. «ابتعدي عن المنزل. فتح الغرفة لن يعيد والدك». سألته: — سامر، هل أخبرت أحدًا بموعد فتح الجدار؟ — المهندسة دانا فقط، ولم أحدد لها سببًا يتعلق بأي أوراق أو أسرار. قلت إننا نحتاج إلى فحص تعديل قديم في أحد الجدران. — هل تعرفها جيدًا؟ — تعاملت معها في قضية عقارية سابقة. وهي مهندسة مختصة بتقييم المباني القديمة. لم أجب. ثم قال بصوت أكثر جدية: — ليان، إذا كنا سنبدأ بالشك في الجميع، فلن نصل إلى شيء. نحتاج إلى توثيق ما نعرفه، لا إلى اتهام أشخاص دون دليل. كان محقًا. وهذا أزعجني. قلت: — سأكون هناك في التاسعة والنصف. ثم أغلقت الاتصال. *** وصلت إلى منزل اللويبدة قبل الموعد. كانت الشمس تتسلل بين الغيوم، وقطرات المطر المتبقية تلمع فوق أوراق الياسمين. وقفت أمام البوابة أتأمل البيت. في اليوم الأول، رأيته عقارًا قديمًا يحتاج إلى ترميم. في اليوم الثاني، أصبح مكانًا يخفي غرفة. أما اليوم، فقد بدا لي كأنه يحتفظ بذاكرة لا يريد أحد أن تُستعاد. دخلت بحذر. تفقدت الباب الرئيسي والقفل، ثم مررت بالردهة. كانت الساعة الكبيرة ما تزال متوقفة عند الرابعة وسبع عشرة دقيقة. توقفت أمامها. لا أعرف لماذا لم أنتبه من قبل إلى أن عقاربها لم تتغير طوال السنوات التي عشنا فيها هنا. كنت أتذكرها متوقفة حتى في طفولتي. مددت يدي ولمست إطارها الخشبي. كان الغبار يملأ الحواف. فكرت في رفعها عن الجدار، ثم تراجعت. أصبحت أخشى أن أحرك أي شيء. كأن كل غرض في المنزل قد يحمل جوابًا جديدًا، أو يفتح سؤالًا لا أستطيع احتماله. اتجهت إلى الممر الغربي. كان اللوح الذي نزعته من قاعدة الجدار مستندًا إلى الحائط. انحنيت أتفحص التجويف الصغير. لم يكن عميقًا. ولا يبدو متصلًا بالغرفة المخفية اتصالًا يسمح بالوصول إليها. مجرد فتحة أُنشئت داخل سماكة الحاجز الجديد، ربما لتخزين شيء صغير دون فتح الباب الأصلي. وضعت أصابعي على حافتها. كيف وضع أبي الصندوق هنا؟ هل فعل ذلك أثناء بناء الجدار؟ أم فتح اللوح بعد سنوات ووضعه في التجويف؟ لم يكن لديّ ما يثبت أيًا من الاحتمالين. لكنني سجلت السؤال في دفتري. ثم صعدت إلى مكتب أبي، وأخرجت المخطط الذي وجدته داخل ملف الترميم. فردته على الطاولة. كانت الغرفة واضحة الآن. أربعة أمتار تقريبًا طولًا. ومساحة ضيقة لا يزيد عرضها قليلًا على مترين. باب قديم أُغلق. وخزانة عند الزاوية الداخلية. وعلى إحدى حواف الرسم، عبارة بخط أبي: «الإغلاق مؤقت». قرأت الكلمتين ببطء. مؤقت. واحد وثلاثون عامًا من الإغلاق المؤقت. شعرت بغصة مفاجئة. كم مرة دخل أبي هذا المكتب وفكر في فتح الجدار؟ كم مرة نظر إلى مخطط الغرفة، ثم أعاده إلى مكانه؟ وكم مرة أقنع نفسه بأن غدًا سيكون الوقت المناسب؟ *** وصل سامر في التاسعة وخمس وأربعين دقيقة. وبعده بربع ساعة، وصلت المهندسة دانا برفقة فني يحمل حقيبة أدوات وجهاز فحص صغيرًا. كانت دانا في أواخر الثلاثينيات، عملية في حركتها، قليلة الكلام. ألقت نظرة على الواجهة الحجرية قبل أن تدخل. ثم سألتني: — هل جرى أي تعديل على الأعمدة أو السقف في المنطقة التي تريدين فحصها؟ — لا أعلم بوجود تعديل إنشائي، لكن لديّ مخططات قديمة تشير إلى إضافة حاجز لإغلاق باب. أريتها الرسم. تفحصته بعناية. — هل هذا بخط المهندس الأصلي؟ — نعم. والدي هو من أعده. نظرت إلى اسمه في زاوية الورقة. — فارس الخطيب؟ أومأت. لم تقل شيئًا. لكنها أطالت النظر إلى الاسم لحظة. ثم سألت: — هل كان يعمل في ترميم المباني القديمة؟ — قبل تقاعده، نعم. — الاسم مألوف. ربما رأيت توقيعه على ملفات قديمة. لم أعلق. قادتها إلى الممر الغربي. بدأت بقياس الجدار وفحص اتصال الحاجز بالسقف والأرضية. ثم طرقت عدة مواضع بمطرقة فحص صغيرة. كانت أصوات الطرق تختلف بوضوح بين الحجارة القديمة والحاجز المضاف. قالت: — يبدو أن هناك فراغًا خلفه بالفعل. — هذا ما توصلت إليه. أشارت إلى أعلى الجدار. — لكن قبل فتح أي جزء كبير، يجب أن نفهم حالة العناصر المحيطة. هذا منزل قديم، وقد تعرض لحريق سابق، أليس كذلك؟ شعرت بأن قلبي تسارع. — نعم، سنة 1995. رفعت المصباح نحو السقف. — هنا آثار ترميم واضحة. تقدمت إليها. أشارت إلى خط رفيع بمحاذاة التقاء الجدار بالسقف. لم يكن شرخًا كبيرًا، لكنه امتد مسافة أطول مما انتبهت له. قالت: — المخطط يشير إلى أن الحاجز غير حامل للأحمال، لكن هذا لا يغنينا عن فحص الواقع. أحيانًا تؤثر التعديلات اللاحقة في طريقة انتقال الأحمال، أو يخفي الطلاء تلفًا قديمًا. سألتها: — هل نستطيع فتحه اليوم؟ — يمكننا إجراء فتحة استكشافية صغيرة بعد التأكد من الخدمات الكهربائية في الموضع، لكنني لا أوصي بإزالة الحاجز كاملًا قبل تقييم حالة السقف خلفه. لم يعجبني الجواب. لكنني لم أجادل. كنت أعرف أنها محقة. وافقت على الفحص المحدود. وثقنا الجدار بالصور، وحددت دانا موضعًا بعيدًا عن الآثار الظاهرة لإطار الباب القديم. فصلنا التغذية الكهربائية عن المنطقة، ثم استخدم الفني أدواته لإجراء فتحة صغيرة تكفي لإدخال كاميرا فحص. لم يستغرق الأمر طويلًا. لكنني شعرت كأننا نفتح قبرًا. *** ظهرت الصورة الأولى على شاشة الجهاز. ظلام. غبار كثيف. سطح رمادي قريب. حرك الفني الكاميرا ببطء. ظهر جزء من الجدار المقابل. ثم مساحة أرضية مغطاة بالغبار والقطع الصغيرة المتساقطة. قالت دانا: — هناك غرفة فعلًا. شعرت بقلبي يخفق بعنف. لم أجب. تحركت الكاميرا نحو اليسار. ظهر رف خشبي قديم، مائل قليلًا. ثم رف آخر. وعند الزاوية البعيدة، ظهرت كتلة داكنة مستطيلة. اقتربت من الشاشة. — توقف هنا. ثبت الفني الصورة. كان الشيء يشبه خزانة معدنية طويلة، يغطيها الغبار. حوافها غير واضحة، لكنني استطعت تمييز بابين متقابلين. تذكرت المخطط. «خزانة». كانت في الموضع نفسه تقريبًا. قلت: — هذه هي. نظر سامر إليّ. — ماذا تقصدين؟ أخرجت المخطط من حقيبتي وأشرت إلى الرمز الصغير قرب الزاوية. — أبي رسمها هنا. أخذت دانا الورقة. قارنت موضع الخزانة بما يظهر على الشاشة. — يبدو أنها متطابقة من حيث الموقع، لكن لا يمكن تحديد محتوياتها بهذه الطريقة. قلت: — هل تستطيع الكاميرا الاقتراب؟ حرك الفني الجهاز قليلًا. لكن زاوية الرؤية ضاقت. لم يكن بالإمكان الوصول إلى الخزانة من الفتحة الصغيرة. ثم رفع الكاميرا نحو السقف. هنا تغير وجه دانا. طلبت من الفني التوقف. ظهرت على الشاشة عوارض خشبية قديمة، بعضها داكن اللون، مع منطقة متضررة قرب الزاوية الغربية. قالت: — هذه آثار حريق، أو على الأقل تلف حراري قديم. نحتاج إلى تقييم مباشر قبل السماح لأي شخص بالدخول. سألتها: — هل يمكن أن ينهار السقف؟ — لا أستطيع أن أقول ذلك من صورة كاميرا صغيرة. لكنني أيضًا لا أستطيع أن أضمن سلامته. لن أسمح بدخول أحد قبل التأكد من وضعه ووضع أي تدعيم قديم. شعرت بالإحباط. كنت على بعد أمتار قليلة من الخزانة. ومع ذلك، لم أستطع الوصول إليها. قال سامر: — هل يمكن تجهيز المكان للفتح بصورة آمنة؟ أجابت دانا: — نعم، على الأرجح، بعد فحص المنطقة من الطابق العلوي ومن جهة الممر، ووضع طريقة عمل مناسبة. سأعد ملاحظاتي وأحدد ما يلزم قبل فتح المدخل. ثم أضافت: — والأهم، لا تحاولا فتحه بنفسيكما. نظرت إلى الشاشة مرة أخيرة. كانت الخزانة تقف في الظلام. لم أرَ بابها واضحًا. ولم أعرف إن كانت تحتوي على أوراق أو أدوات قديمة أو لا شيء على الإطلاق. لكن وجودها أكد أن المخطط لم يكن رسمًا نظريًا. لقد أخفى أبي مكانًا حقيقيًا. مكانًا ظل معزولًا عن المنزل طوال عقود. *** انتهى الفحص قرب الظهر. وثقت دانا النتائج الأولية، وأكدت أنها ستحدد خطوات الفتح الآمن بعد مراجعة الصور والمخططات. لم نزل الحاجز. ولم نلمس الخزانة. ورغم خيبة أملي، شعرت براحة صغيرة. لم يعد الغموض متعلقًا بكلام في رسالة. كانت الغرفة موجودة. يمكن تصويرها وقياسها. وكان هذا أول دليل لا يعتمد على ذاكرة أحد. رافقنا دانا والفني إلى الخارج. وبعد مغادرتهما، بقي سامر يراجع الصور في هاتفه. قلت: — أريد أن أرسل لك نسخة من الرسالة التي وجدتها في ملف أبي. نظر إليّ. — الرسالة التي ذكرتِها بالأمس؟ — ليست الرسالة الشخصية. ملاحظة تتعلق بالغرفة واسم الرجل الذي نفذ إغلاقها. فتحت هاتفي وأريته صورة الورقة. قرأ بصوت منخفض: — «أخشى أن رشيد عرف أنني سأفتحها». رفع عينيه. — هذه مهمة. — هذا ما أعتقده. — لكننا لا نعرف بعد من هو رشيد، أو ماذا كان والدك يقصد. أومأت. — أعرف. ثم سألته: — هل تستطيع البحث عن اسمه ضمن المستندات القانونية القديمة للشركة التي تعامل معها أبي؟ — سأبحث في السجلات المتاحة، وفي الأوراق التي يمكن الحصول عليها بصورة قانونية. لكن لا أعدك بنتيجة سريعة. أعدت الهاتف إلى حقيبتي. — يكفيني أن نبدأ. وقبل أن نتحرك، نظر سامر إلى الدرج الحجري المؤدي إلى الطابق العلوي. كان الضوء يدخل من النافذة العالية ويقع على منتصفه. قال بهدوء: — هل تريدين أن نراجع أيضًا موضع سقوط والدك؟ تجمدت. لم أكن مستعدة لذلك. ومع ذلك، قلت: — نعم. *** صعدنا الدرج ببطء. كنت أعرف المكان الذي وجد فيه أبي. الدرجة السابعة من الأسفل. أو ربما الثامنة. لم أكن هناك يوم الحادث. تلقيت الاتصال عندما كنت في العمل، ووصلت إلى المستشفى بعدما أُعلنت وفاته. كل ما أعرفه أن أحد الجيران سمع صوت ارتطام، ثم وجد باب المنزل غير مغلق بالكامل. دخل ونادى أبي. وحين لم يتلقَّ ردًا، تقدم نحو الردهة ورآه ممددًا عند أسفل الدرج. هذا ما قيل لي. لم أرَ صورة للمكان بعد الحادث. ولم أقرأ التقرير الكامل. حتى الآن. وقفت عند منتصف الدرج. نظرت إلى الدرجات الرخامية القديمة. كان بعضها متآكل الحواف، لكن الدرابزين الخشبي ظل متينًا. وضعت يدي عليه. تذكرت أبي عندما كان يصعد الدرج وهو يحملني على كتفيه. وتذكرت كيف كان يتظاهر بالتعثر كي أصرخ، ثم يضحك عندما أتشبث بشعره. شعرت بدموعي تقترب. قلت: — سامر، هل أخبرتك الشرطة من وجد أبي؟ — ذُكر اسم أحد الجيران في الإفادة الأولية، لكنني لا أريد أن أعتمد على ذاكرتي. سنراجع المستندات. نظرت إلى أسفل الدرج. — وهل عرفوا لماذا جاء إلى المنزل في تلك الليلة؟ — كان المنزل ملكه، وليان، لم يكن وجوده فيه أمرًا يستدعي تفسيرًا في نظرهم. قلت: — لكنه لم يكن يزوره عادة. — أعرف. — وكتب قبل وفاته أنه يريد فتح الغرفة. لم يجب. واصلت: — ثم جاء إلى هنا ومات. وضع سامر يده على الدرابزين. — هذه أمور تستحق الفحص، لكن لا نستطيع الاستنتاج منها أنه تعرض للاعتداء. نظرت إليه. — هل تعتقد أنني أبالغ؟ — أعتقد أنك تحاولين فهم أمور كثيرة حدثت خلال وقت قصير. ومن واجبي أن أساعدك دون أن أدفعك إلى نتيجة لا تدعمها الأدلة. أخفضت عينيّ. كان ذلك صحيحًا. لكنه لم يجعل الموقف أقل ألمًا. *** عندما غادرنا المنزل، كان رجل يقف على الرصيف المقابل. لم أنتبه إليه في البداية. كان طويلًا، يرتدي معطفًا داكنًا فوق قميص رمادي، ويمسك هاتفًا بيده. بدا في منتصف الثلاثينيات. لم يكن ينظر إلى الباب مباشرة. بل إلى النافذة المرتفعة المطلة على الدرج. ثم التفت نحونا. توقفت. شعرت بأنني رأيته من قبل، لكنني لم أستطع تحديد المكان. اقترب خطوتين، ثم توقف على مسافة مناسبة. قال: — آنسة ليان؟ نظرت إلى سامر. ثم إلى الرجل. — نعم؟ — أعتذر عن إزعاجك. اسمي آدم. لم يمد يده. ولم يحاول الاقتراب أكثر. أضاف: — أحتاج إلى التحدث معك بشأن والدك. شعرت بانقباض في صدري. قلت بحدة: — إذا كنت من شركة الدروبي، فلا أريد سماع شيء. هز رأسه. — لا أعمل لديهم. — ومن أرسلك إذن؟ — لم يرسلني أحد. نظر إلى سامر. — هل يمكنني الحديث معها لدقائق؟ يمكنك البقاء بالطبع. تدخل سامر: — قبل أي حديث، نريد معرفة هويتك وسبب وجودك هنا. أخرج آدم بطاقة تعريف من محفظته وأراها لنا. كان اسمه الكامل: آدم يونس العطار. نظرت إلى البطاقة. لم أعرف لماذا لفتني اسمه الأوسط. ربما لأنني أصبحت أبحث عن المعاني في كل تفصيل. قال سامر: — وماذا تريد من موكلتي؟ أعاد آدم البطاقة إلى محفظته. — أبحث في قضية قديمة تتعلق بحريق وقع في هذا المنزل عام 1995. شعرت بأن الهواء أصبح أثقل. قلت: — ماذا تعرف عن الحريق؟ نظر إليّ مباشرة. — أقل مما أريد. وأكثر مما ورد في التقرير الرسمي. لم يعجبني أسلوبه. — لماذا تبحث في قضية عمرها واحد وثلاثون عامًا؟ تردد لحظة. ثم قال: — لأن هناك رجلًا دُمرت حياته بسببها. انتظرت توضيحًا. لكنه لم يكمل. سألته: — وما علاقة أبي؟ نظر نحو المنزل. ثم عاد إليّ. — والدك كان يعرف أن التحقيق القديم لم يتوصل إلى الحقيقة كاملة. شعرت بقلبي يتسارع. — هل أخبرك بذلك بنفسه؟ — نعم. لم أتمالك نفسي. — متى؟ — قبل وفاته بأسابيع. تقدمت خطوة. — أين قابلته؟ — اتصل بي أولًا، ثم التقينا في مقهى قريب من هنا. — وماذا قال لك؟ نظر إلى سامر. ثم قال: — أخبرني أنه يحتفظ بمعلومات قد تغير فهمنا لما حدث في الحريق، وأنه لم يعد مستعدًا للاستمرار في الصمت. شعرت بالأرض تميل قليلًا. كان كلامه قريبًا جدًا مما قاله سامر عن رغبة أبي في تقديم مستندات قديمة. لكن ذلك لا يعني أن الرجل صادق. قلت: — أريد دليلًا على أنك قابلته. أومأ كأنه توقع السؤال. أخرج هاتفه. فتح صورة لرسالة نصية قديمة، ثم أراها لي دون أن يسلم الهاتف من يده. كان نصها: «الأربعاء، السادسة مساءً. المقهى قرب الدوار. لا تحضر أحدًا. فارس الخطيب». ظهر تاريخ يعود إلى أسابيع قبل وفاة أبي. لم أتعرف إلى الرقم كاملًا من النظرة الأولى. قلت: — يمكن لأي شخص كتابة رسالة بهذا الاسم. أعاد الهاتف إلى جيبه. — صحيح. لم أتوقع أن يوافقني. تابع: — ولديّ ما يمكن التحقق منه، لكنني لا أطلب منك تصديقي الآن. سأل سامر: — هل لديك وثائق أصلية مرتبطة بالقضية؟ — بعض الصور وقصاصات الصحف، ونسخ من أوراق احتفظت بها سنوات. أما ما كان لدى فارس، فلم أطلع عليه. توقفت عند كلمته الأخيرة. فارس. قال اسم أبي دون لقب. كأنه كان يعرفه منذ زمن. قلت: — لماذا جئت إلى هنا اليوم؟ أجاب: — لأنني علمت أنك عدت إلى المنزل، ولأن رجلًا من شركة الدروبي حاول الوصول إليك أمس. تبادلنا أنا وسامر نظرة سريعة. سألته: — كيف علمت بذلك؟ قال: — كنت أتابع ما إذا كانت الشركة ستتحرك بعد وفاة والدك. سبق أن حاولت شراء العقار عندما كان حيًا. اشتد توتري. — هل كنت تراقب المنزل؟ لم ينكر. — كنت أراقب تحركات بعض الأشخاص المرتبطين بالقضية، نعم. وأعرف أن هذا لا يمنحك سببًا للثقة بي. شعرت بالغضب. — إذن هناك أشخاص يراقبونني من كل اتجاه، وكل واحد منهم يقول إنه يفعل ذلك لمصلحتي؟ خفض عينيه لحظة. ثم قال: — لم أقل إنني أفعل هذا لمصلحتك وحدك. كان صوته هادئًا. لكن العبارة أثارت انتباهي. — ماذا تقصد؟ — لديّ أسبابي الخاصة للبحث عن الحقيقة. — ولا تريد إخباري بها؟ — ليس هنا، وليس كلها الآن. أطلقت ضحكة قصيرة خالية من المرح. — رائع. رجل غامض آخر لديه نصف قصة ويريد مني أن أثق به. قال: — لا أطلب ثقتك. أطلب أن تنظري إلى دليل واحد. *** أخرج آدم ظرفًا بنيًا صغيرًا من حقيبته. لم يمده إليّ مباشرة. بل وضعه فوق السور الحجري القصير بجوار البوابة، ثم تراجع خطوة. قال: — هذه نسخة. يمكنك الاحتفاظ بها. نظرت إلى سامر. أومأ لي دون أن يتكلم. فتحت الظرف. كانت بداخله صورة فوتوغرافية قديمة. بالأبيض والأسود. ظهر في خلفيتها جزء من واجهة منزلنا. لكن الحجارة حول إحدى النوافذ كانت سوداء، والزجاج مكسورًا، وهناك آثار حريق واضحة قرب المدخل الغربي. في المقدمة وقف ثلاثة رجال. تعرفت إلى أبي فورًا. كان شابًا في منتصف الثلاثينيات، يرتدي قميصًا فاتحًا وسترة داكنة. وجهه متعب. وعيناه تنظران بعيدًا عن الكاميرا. وقف بجواره رجل أكبر قليلًا، ذو شعر كثيف وشارب واضح. وكان ثالثهما يرتدي ملابس رسمية ويحمل ملفًا تحت ذراعه. حدقت في الصورة. ثم رفعت رأسي نحو آدم. — من هؤلاء؟ أشار إلى الرجل صاحب الشارب. — هذا يونس العطار. نظرت إليه. ثم إلى الاسم الذي رأيته قبل قليل على بطاقته. آدم يونس العطار. توقف شيء داخل رأسي. لكنني لم أسأله بعد. قال: — كان حارسًا للمبنى، واتُّهم بالتسبب في الحريق. نظرت مجددًا إلى الصورة. كان أبي يقف قريبًا من الرجل. حتى إن يده استقرت على كتفه. لم يبدُ المشهد كصورة لرجلين غريبين. قلت: — وهل أدين؟ أجاب آدم بعد صمت قصير: — نعم. ثم أضاف: — لكنه لم يكن الشخص الوحيد الذي كان في المكان قبل الحريق. سألته: — وماذا تريد مني أن أفهم من هذه الصورة؟ — لا شيء نهائيًا. إنها تثبت فقط وجود والدك مع يونس بعد الحريق. أما ما حدث بينهما، فهذا ما نبحث عنه. نظرت إليه. كان من السهل أن يقول إن الصورة تثبت براءة الرجل. أو إن أبي أخفى الحقيقة. لكنه لم يفعل. وهذا جعلني أقل اطمئنانًا إليه، بطريقة غريبة. فالرجل الذي يعرف كيف يميز الدليل من الظن قد يكون صادقًا. وقد يكون خطيرًا لأنه يعرف جيدًا ماذا يقول وماذا يخفي. *** أعدت الصورة إلى الظرف. قلت: — لماذا لم تتحدث إلى الشرطة بدلًا من انتظاري أمام منزل أبي؟ — تحدثت إلى جهات مختلفة خلال السنوات الماضية. لكن إعادة فتح قضية قديمة تحتاج إلى معلومات جديدة يمكن التحقق منها، لا إلى شكوك شخص يعتقد أن التحقيق كان ناقصًا. سأله سامر: — هل سبق أن قدمت طلبًا رسميًا لإعادة النظر في القضية؟ — نعم، لكن لم يكن لديّ ما يكفي لتغيير النتيجة. ثم نظر إليّ. — والدك كان يعتقد أنه يستطيع تقديم شيء جديد. شعرت بانقباض في صدري. قلت: — وهل أخبرك بما هو؟ — لم يخبرني بالتفاصيل. قال إنه يحتاج إلى استعادة شيء من المنزل أولًا. صمتُّ. الغرفة. الخزانة. الجدار. بدأت الخيوط تقترب من بعضها. لكنني لم أرد أن أعطي آدم أي معلومة لم يكن يعرفها بالفعل. سألته: — هل اتفقتما على لقاء آخر؟ — نعم. — ومتى؟ أجاب بصوت منخفض: — في الأسبوع الذي توفي فيه. حدقت فيه. — هل حضر؟ — لا. — وهل حاولت الاتصال به؟ — أكثر من مرة. — ماذا حدث؟ نظر نحو الدرج الظاهر خلف زجاج الباب العلوي. — لم يجب. كانت إجابته بسيطة، لكنها جعلتني أشعر بقشعريرة. قلت: — هل تعتقد أن أبي قُتل؟ لم يجب فورًا. كان سامر يراقبه باهتمام. قال آدم أخيرًا: — أعتقد أن ظروف موته تستحق مراجعة دقيقة. لكنني لا أملك دليلًا يسمح لي بالقول إنه قُتل. تنفست ببطء. لم تكن هذه إجابة الرجل الذي اتصل بي ليلًا وقال إن أبي لم يسقط كما أخبروني. أو ربما كانت طريقة أخرى لقول الشيء نفسه دون أن يتحمل مسؤوليته. سألته: — هل تعرف شيئًا عن الشخص الذي وجد جثته؟ قال: — أعرف ما ورد في الأخبار القديمة والحديثة. لكنني لا أملك نسخة كاملة من ملف الوفاة. نظرت إلى سامر. — سنحصل عليه. أومأ. ثم قال لآدم: — يمكنك أن تزودني بوسيلة اتصال بك، وسنراجع ما قدمته قبل ترتيب أي لقاء آخر. أخرج آدم بطاقة من محفظته. كتب على ظهرها رقم هاتف، ثم قدمها لسامر. — لا مشكلة. تردد لحظة. ثم أضاف: — لكن هناك أمرًا أريد من ليان أن تعرفه قبل أن أغادر. نظرت إليه بحذر. — ماذا؟ قال: — إذا وجدتِ أوراقًا تعود إلى عام 1995، فلا تفترضي أن كل ما كُتب فيها صحيح لمجرد أنه رسمي. تغير وجه سامر قليلًا. سأل: — هل لديك سبب محدد لهذا التحذير؟ نظر آدم إلى الصورة داخل الظرف. — هناك شهادة في القضية القديمة تناقضها مستندات لم تؤخذ بجدية وقتها. قلت: — شهادة من؟ رفع عينيه إليّ. — سنصل إليها عندما تطلعين على ملف الحريق. لم يعجبني أنه احتفظ بالإجابة لنفسه. لكنني شعرت أيضًا أنه لا يريد أن يسبق الأدلة. أو هكذا أردت أن أصدق. *** كنت على وشك الصعود إلى السيارة عندما ناداني آدم. — ليان. توقفت. كان سامر يقف على بعد خطوات، يتحدث في هاتفه. قال آدم: — هل تسمحين بسؤال واحد؟ نظرت إليه. — تفضل. — هل كان والدك يتحدث عن الحريق عندما كنت صغيرة؟ هززت رأسي. — نادرًا. كان يقول إنه حادث كهربائي قديم. أطرق آدم قليلًا. ثم قال: — وهل أخبرك لماذا ترك منزل اللويبدة وانتقل إلى الشقة؟ فكرت. كان أبي يقول دائمًا إن المنزل الكبير أصبح عبئًا بعد موت أمي. لكننا انتقلنا قبل وفاتها بسنوات. كنت صغيرة، ولم أكن أتذكر التاريخ بدقة. قلت: — أعتقد أننا انتقلنا لأن المدرسة أصبحت أبعد من المنزل. لم يعلق. سألته: — لماذا؟ قال: — لأنني أحاول معرفة متى بدأ والدك الابتعاد عن المكان. لم يعجبني السؤال. لم يعجبني أنه يفكر في أبي بهذه الطريقة. كأن كل قرار اتخذه في حياته يمكن أن يكون دليلًا على جريمة. قلت بحدة: — أبي لم يكن رجلًا سيئًا. رفع آدم رأسه. — لم أقل ذلك. — لكنك تتحدث عنه كأنه كان يخفي شيئًا خطيرًا. نظر إليّ طويلًا. ثم قال: — يمكن للإنسان أن يكون طيبًا مع شخص، وأن يظلم شخصًا آخر في الوقت نفسه. شعرت كأنه ضرب موضعًا موجعًا في صدري. تذكرت صوت أمي: «لقد أخذناها من أمها يا فارس!» وتذكرت رد أبي: «أنقذناها من الحريق». لم يكن آدم يعرف أنني سمعت ذلك. ومع ذلك، بدت كلماته وكأنها موجهة إلى الجرح نفسه. قلت: — لا تعرف أبي. أجاب بهدوء: — ربما. ثم أضاف: — وأظن أنك أيضًا اكتشفتِ مؤخرًا أن هناك أشياء لم تكوني تعرفينها عنه. تجمدت. كيف عرف؟ هل كان يختبرني؟ أم أنه يقصد الغرفة التي تحدث عنها أبي معه؟ قبل أن أسأله، اقترب سامر. — ليان، علينا الذهاب. لديّ موعد في المكتب. أومأت. وضعت الظرف في حقيبتي. ثم نظرت إلى آدم للمرة الأخيرة. — إذا أردت أن أصدق أنك تبحث عن الحقيقة، فلا تختفِ عندما أطرح سؤالًا لا يعجبك. نظر إليّ دون ابتسام. — اتفقنا. ثم تراجع وترك لنا الطريق. *** في السيارة، لم أتحدث طوال الدقائق الأولى. كان سامر يقود ببطء وسط الزحام. وأنا أحدق في صورة أبي والرجل المتهم بالحريق. قال سامر أخيرًا: — ما رأيك فيه؟ لم أحتج إلى السؤال عمن يقصد. — لا أعرف. — يبدو أنه يعرف تفاصيل حقيقية عن القضية. — أو يعرف كيف يستخدم التفاصيل التي يملكها. أومأ. — ولهذا سنراجع أقواله. نظرت إلى الصورة مرة أخرى. — اسمه آدم يونس العطار. — نعم. — والرجل المتهم بالحريق اسمه يونس العطار. قال سامر: — لاحظت ذلك. التفت إليه. — ألا تعتقد أن بينهما علاقة؟ — احتمال واضح، لكن تشابه الاسم ليس إثباتًا لصلة القرابة، ولا يحدد طبيعتها. سنسأله مباشرة إذا احتجنا إلى ذلك. لم أجب. كنت أعتقد أن آدم يخفي شيئًا شخصيًا. شيئًا يجعله يطارد هذه القضية منذ سنوات. لكنني لم أملك الحق في افتراض ماهيته. قلت: — هل تثق به؟ ابتسم سامر ابتسامة باهتة. — أنا محامٍ يا ليان. لا أبني قراراتي على الثقة وحدها. ثم أضاف: — لكن هناك أمرًا يجعله مهمًا بالنسبة إلينا. — ما هو؟ — لقد أخبرك والدك في رسالته أنه أخفى شيئًا. وأخبرني قبل وفاته أنه يريد تقديم أوراق تتعلق بقضية قديمة. والآن يظهر رجل يقول إن والدك تواصل معه للسبب نفسه. سكت لحظة. — هذه أقوال مستقلة ظاهريًا، تتفق في اتجاه واحد. علينا التحقق من تواريخها ومصادرها، لكنها تستحق المتابعة. أدرت وجهي نحو النافذة. كانت السيارات تمر أمامنا. والمدينة تعيش يومها العادي. سألت: — هل تعتقد أن أبي كان يحاول الاعتراف بشيء؟ تردد سامر. — ربما. وربما كان يحاول تصحيح خطأ قديم. شعرت بعينيّ تحترقان. — وما الفرق؟ أجاب: — أحيانًا لا يوجد فرق قانوني كبير، لكن الفرق مهم للإنسان الذي يريد أن يفهم لماذا فعل شخص يحبه ما فعله. لم أتكلم. كان أبي قد ترك لي رسالة يطلب فيها المسامحة. لكن المسامحة لا تبدأ قبل معرفة الذنب. *** في المساء، عدت إلى شقتي ووضعت الصورة القديمة إلى جانب الصورة المحترقة التي وجدتها في الصندوق. تأملت الصورتين. في الأولى، وقفت أمي إلى جانب امرأة مجهولة وعربة أطفال. وفي الثانية، وقف أبي إلى جانب رجل اتُّهم بإشعال الحريق. الصورتان التُقطتا حول المنزل نفسه. وفي الفترة الزمنية نفسها تقريبًا. لكنني لم أعرف إن كانتا تحكيان قصة واحدة. أخرجت دفتر الملاحظات. كتبت اسم آدم. ثم اسم يونس العطار. ثم اسم رشيد محمود العبد. ثم اسم مريم. أربعة أشخاص ظهروا في حياتي خلال أيام. أحدهم يعرف تفاصيل الحريق. والثاني اتُّهم بالتسبب فيه. والثالث نفذ إغلاق الغرفة التي أخفى أبي شيئًا داخلها. أما الرابعة، فقد سمعتها في تسجيل أمي دون أن أعرف من تكون. رسمت دائرة حول اسم مريم. ثم كتبت سؤالًا تحته: «من هي المرأة التي اعتقدت أن ابنتها ماتت؟» كنت أعرف أن الإجابة قد تهدم ما تبقى من حياتي. لكنني لم أعد أستطيع تجاهلها. فتحت حاسوبي، وبحثت في أرشيف الصحف الإلكترونية عن أخبار حريق المنزل سنة 1995. ظهرت نتائج قليلة. معظمها فهارس قديمة أو صور رديئة لصفحات صحفية. لكن أحد العناوين لفت انتباهي: «إدانة حارس في قضية حريق مبنى خاص بعمان». فتحت الصفحة. كانت صورة ممسوحة ضوئيًا لخبر قصير. لم أستطع قراءة كل الكلمات بسبب رداءة الصورة، لكن اسم يونس العطار كان واضحًا. وتحته سطر يشير إلى أن الحريق تسبب في إصابات وخسائر، وأن التحقيق انتهى إلى تحميل الحارس مسؤولية الإهمال الذي أدى إلى اندلاع النار. قرأت الخبر مرتين. ثم عدت إلى الصورة التي أحضرها آدم. كان يونس يقف بجوار أبي بعد الحريق. يده قريبة من كتفه. وجهه مرهق. لكن الخبر اختصره في كلمة واحدة: المتهم. شعرت بعدم الارتياح. هل كان أبي يعرف أن الرجل بريء؟ هل وقف بجواره لأنه كان صديقًا له؟ أم لأنه شارك في إخفاء الحقيقة؟ لم أجد جوابًا. بحثت عن اسم كمال الدروبي. ظهرت أخبار قديمة عن شركات عقارية ومشروعات تطوير واستثمارات. كان الاسم موجودًا في المدينة منذ عقود. لكنني لم أجد في النتائج الأولى ما يربطه مباشرة بالحريق. أغلقت الحاسوب مؤقتًا. كان واضحًا أن البحث العشوائي لن يكفي. احتجت إلى ملف القضية نفسه. إلى شهادة الحارس. وتقرير الدفاع المدني. وأسماء الموجودين في المنزل ليلة الحريق. وإلى معرفة لماذا تحدثت أمي عن أوراق أراد أحدهم التخلص منها. *** عند الثامنة والنصف، تلقيت رسالة من آدم. كان قد حصل على رقمي، على الأرجح من معلومات الاتصال التي وفرها أبي له سابقًا أو من تواصلهما القديم. كتب: «أعرف أن لديك أسبابًا لعدم الثقة بي. إذا أردتِ الاطلاع على قصاصات الصحف التي جمعتها عن حريق 1995، يمكنني تسليم نسخ منها إلى محاميك». قرأت الرسالة. لم أرد فورًا. بعد دقائق، أرسل صورة لصفحة من صحيفة قديمة. كان عنوانها: «التحقيق في حريق أرشيف شركة عقارية». توقفت. أرشيف. ليس مجرد منزل. أعدت فتح مخطط الغرفة. كان الإيصال الذي وجدته يشير إلى: «غرفة الأرشيف الغربية». شعرت بنبضي يتسارع. لماذا كان هناك أرشيف لشركة عقارية داخل منزل عائلتي؟ هل استخدمت الشركة جزءًا من البيت قبل أن نعيش فيه؟ أم كان أبي يعمل على مشروع يخصها؟ كتبت إلى آدم: «هل كانت الشركة تستخدم منزل عائلتي لحفظ الوثائق؟» جاء الرد بعد نحو دقيقة: «هذا ما تشير إليه بعض الأخبار القديمة. لكنني لا أعرف طبيعة الاتفاق مع والدك أو مدته». سألته: «ومن كان يملك تلك الوثائق؟» ظهرت علامة الكتابة. اختفت. ثم ظهرت مرة أخرى. أخيرًا وصل رده: «هذه واحدة من المسائل التي لم يوضحها التحقيق بما يكفي». حدقت في الشاشة. لم أحب الأجوبة الناقصة. لكنني، للمرة الأولى، لم أشعر أنه يحاول إغرائي بمعلومة غامضة. كان يميز بين ما يعرفه وما لا يعرفه. أرسلت إليه: «أي أوراق تريد تسليمها، أرسلها إلى سامر. لا أريد لقاءات غير موثقة». جاء الرد سريعًا: «موافق». وضعت الهاتف جانبًا. ثم نظرت إلى الصورة المحترقة مرة أخرى. حاولت تخيل ذلك اليوم. النساء أمام المنزل. عربة الطفل. أبي داخل المبنى. أوراق في غرفة الأرشيف. حريق. ثم طفلة نجت، وأم اعتقدت أنها ماتت. كل عنصر كان موجودًا. لكن ترتيبها ما زال مجهولًا. وفهمت أخيرًا أنني لا أبحث عن هوية طفلة فقط. كنت أبحث عن ليلة واحدة غيّرت مصير عدة أشخاص. *** قبل منتصف الليل، وصلتني رسالة من سامر. أرفق بها صورة لصفحة من ملف قديم استطاع الحصول على مرجعها من سجل قضية الحريق، وأخبرني أنه سيطلب النسخ الرسمية المتاحة. لم تكن الصفحة واضحة بالكامل. لكنني استطعت قراءة عنوانها: «ملخص الواقعة — الحريق المؤرخ في 19/11/1995». توقفت. كان تاريخ إغلاق الغرفة في المخطط: 24/11/1995. أي بعد الحريق بخمسة أيام. فتحت دفتر الملاحظات. كتبت التاريخين تحت بعضهما. 19 تشرين الثاني: الحريق. 24 تشرين الثاني: إغلاق الغرفة. خمسة أيام فقط. خلال تلك الأيام الخمسة، كان أبي قد اتخذ قرارًا ببناء حاجز أمام غرفة الأرشيف. وربما كان يحتفظ وقتها بشيء يعتقد الآخرون أنه احترق. لكن لماذا لم يتخلص منه؟ ولماذا لم يسلمه إلى الشرطة؟ عدت إلى رسالة أبي. «ليس كل من أنقذ طفلًا بريئًا». شعرت بالبرد رغم أن النافذة كانت مغلقة. ثم وضعت بجوار التاريخين ملاحظة ثالثة: «التسجيل الصوتي: بعد إعلان وفاة الطفلة، وفقًا لكلام سلمى». إذا كانت الطفلة التي تحدثا عنها قد أُعلنت وفاتها عقب الحريق، وإذا كان التسجيل قد جرى قبل إغلاق الغرفة، فقد يكون كل شيء حدث خلال تلك الأيام القليلة. لكنني لم أستطع إثبات ترتيب التسجيل بعد. ولا إن كان الصوت الذي سمعته عن الممر الغربي يعود إلى الليلة نفسها. أغلقت الدفتر. كنت أعرف الخطوة التالية. لم أعد بحاجة إلى تخمين ما حدث عام 1995. كان عليّ أن أبحث عن الأشخاص الذين سجلوا ما حدث وقتها. الشرطة. المستشفى. والعاملون في المنزل. وقبل كل شيء، كان عليّ أن أفهم سبب اتهام يونس العطار، وما الذي عرفه فارس الخطيب عن الحريق ولم يقله. نظرت إلى الصورة القديمة الموضوعة أمامي. كان أبي يقف بجوار الرجل المتهم. لم تكن الصورة اعترافًا. ولم تكن دليل براءة. كانت مجرد لحظة تجمدت على ورقة قبل واحد وثلاثين عامًا. لكنها حملت سؤالًا لم أستطع إبعاده عن رأسي: إذا كان يونس هو المسؤول عن الحريق، فلماذا ظل أبي يبحث عن الحقيقة بعد كل هذه السنوات؟ ولماذا عاد إلى البيت قبل موته، كأنه لم يعد قادرًا على تحمل ما سكت عنه؟ أطفأت المصباح. وقبل أن أغادر غرفة الجلوس، وقعت عيناي على الدرج الخشبي الصغير بجوار المكتبة. تذكرت درج منزل اللويبدة. المكان الذي مات عنده أبي. والنافذة المرتفعة التي كان آدم ينظر إليها عندما رأيته للمرة الأولى. لا أعرف لماذا، لكنني شعرت بأن الرجل لم يكن يتأمل المنزل. كان يتأمل المكان الذي انتهت فيه حياة أبي. وكأنه يحاول أن يفهم شيئًا عجزت الشرطة عن رؤيته. أغمضت عينيّ. ثم همست في ظلام الشقة: — ماذا حدث لك يا أبي؟ لم يجبني أحد. لكن أمامي، على الطاولة، كانت هناك صورة لرجلين وقفا معًا بعد حريق قديم. أحدهما مات بعد واحد وثلاثين عامًا وهو يحاول فتح غرفة مغلقة. والآخر دخل السجن متهمًا بإشعال النار. وبينهما... كانت هناك حقيقة لم يقلها أي منهما كاملة.هناك فرق بين أن يخبئ الإنسان سرًا، وأن يترك وراءه أدلة تثبت أنه تعمد إخفاءه.كنت أظن أن أبي فعل الأمر الأول.لكنني، عندما بدأت قراءة ملف الحريق، أدركت أنه ربما فعل الأمرين معًا.***وصلت إلى مكتب المحامي سامر في التاسعة صباحًا، قبل الموعد بعشر دقائق.لم أكن قد نمت جيدًا منذ ثلاثة أيام.كلما أغمضت عينيّ، سمعت صوت أمي يخرج من جهاز التسجيل القديم:«لقد أخذناها من أمها يا فارس».وكان السؤال نفسه يعود إليّ كل ليلة.إذا كنت أنا تلك الطفلة، فكيف استطاع أبي أن ينظر إليّ طوال واحد وثلاثين عامًا دون أن يخبرني؟جلست في غرفة الانتظار، وأخرجت دفتري الصغير.كانت صفحاته قد امتلأت بأسماء وتواريخ وأسئلة.فارس الخطيب.سلمى.مريم.رشيد محمود العبد.يونس العطار.وآدم.ستة أسماء، لا أعرف حتى الآن كيف اجتمعت حول حريق واحد.رفعت رأسي عندما فُتح باب المكتب.كان سامر يحمل ملفًا أزرق سميكًا، وإلى جانبه ظرف بني كبير.لم يبتسم كعادته.قال:— تفضلي يا ليان.دخلت خلفه.أغلق الباب، ووضع الملف أمامي.— وصلتنا نسخ من بعض أوراق القضية القديمة، وهناك مستندات أخرى ما زالت تحتاج إلى إجراءات للحصول عليها. كما أرسل آدم مجم
في صباح اليوم الذي قررت فيه فتح الجدار، اكتشفت أن أصعب ما في البحث عن الحقيقة ليس العثور على الأبواب المغلقة.بل معرفة من ينتظر خلفها.استيقظت قبل المنبه بعشرين دقيقة.لم أنم سوى ثلاث ساعات، قضيت معظمها أتقلب بين سؤالين: هل كانت المرأة التي تحدثت عنها أمي في التسجيل هي أمي الحقيقية؟ وهل مات أبي لأنه حاول إخبارها بأن ابنتها ما زالت حية؟لم أكن أملك دليلًا يربط السؤالين.ومع ذلك، كان عقلي يصر على جمعهما في قصة واحدة.وهذا أكثر ما أخافني.لقد أمضيت سنوات في دراسة الهندسة، وتعلمت أن وجود شرخ في جدار لا يعني بالضرورة أن المبنى سينهار. يجب معرفة السبب، والاتجاه، والعمق، وتاريخ ظهوره.لكنني الآن كنت مستعدة لتفسير حياتي كلها اعتمادًا على تسجيل ناقص ورسائل غامضة.وقفت أمام المرآة.وجهي شاحب.عيناي محمرتان من قلة النوم.أما المرأة التي تنظر إليّ من الزجاج، فلم أعد أعرف إلى من تشبه.أخرجت هاتفي واتصلت بالمحامي سامر.أجاب بعد الرنة الثالثة.— صباح الخير، ليان.— هل أكدت موعد المهندس؟— نعم. المهندسة دانا ستصل في العاشرة. ستفحص الجدار والمنطقة المحيطة به قبل أن نقرر الخطوة التالية.— أريد فتحه الي
لم تكن المشكلة أنني سمعت صوت أمي بعد عشرين عامًا من موتها.المشكلة أنني لم أعد أعرف أي جزء من حياتي كان حقيقيًا.جلست في سيارتي أمام منزل اللويبدة، أحدق في حقيبتي الموضوعة على المقعد المجاور. كان الشريط داخل جيبها الصغير، ملفوفًا بمنديل ورقي، كأن قطعة البلاستيك البالية تحمل شيئًا هشًا قد يتحطم إذا لمسته بقوة.قبل يومين، كنت أعتقد أن أكبر قرار ينتظرني هو بيع منزل قديم.أما الآن، فقد أصبحت أخشى أن أفتح حقيبتي.رن هاتفي.ظهر اسم المحامي سامر.أجبت.— هل وصلتِ إلى البيت؟— لم أغادر الشارع بعد.— ليان، لا تعودي إلى الداخل وحدك. لقد اتفقنا على ذلك.— أعرف.صمت لحظة، ثم سأل:— هل أنت بخير؟نظرت إلى البوابة الحديدية التي خرجنا منها قبل دقائق.— لا أعرف.لم تكن إجابة مناسبة لسؤال بسيط، لكنها كانت الحقيقة.قال:— أريدك أن ترسلي إليّ صور المخططات التي وجدناها. سأراجع تاريخ الترميم، وربما أستطيع الوصول إلى بعض المستندات المرتبطة به.— وماذا عن تقرير وفاة أبي؟— سأتابع إجراءات الحصول على نسخة من الملف والمستندات التي يحق لك الاطلاع عليها. لكن لا تتوقعي أن نحصل عليها اليوم.ترددت قبل أن أقول:— سام
لم أكن أخاف الظلام.كنت أخاف الأشياء التي لا أستطيع تفسيرها.لكنني، في تلك اللحظة، كنت أقف في الطابق العلوي من منزل عائلتي، وأسمع رجلًا يحاول فتح الباب بمفتاح لا أعرف كيف حصل عليه.وللمرة الأولى في حياتي، لم أعد متأكدة من أن المعرفة ستجعلني أكثر أمانًا.تراجع صوت الخطوات خارج المنزل، ثم عاد صوت المعدن يحتك بالقفل.مرة.مرتين.ثم صوت الرجل نفسه:— آنسة ليان، أعرف أنك في الداخل. لا داعي لتعقيد الأمر.أمسكت هاتفي بقوة.كان المتصل المجهول قد أغلق الخط، ولم أكن أعرف إن كان عليّ تصديقه أم الخوف منه هو الآخر.نظرت إلى شاشة الهاتف.الساعة الثامنة وسبع وأربعون دقيقة.لم يكن الوقت متأخرًا إلى درجة تبرر شعوري بأن المدينة كلها نامت وتركتني وحدي.لكن البيت كان صامتًا على نحو مخيف.حتى صوت المطر بدا بعيدًا.ضغطت على رقم الطوارئ.أجابتني موظفة بصوت هادئ، فأخبرتها بعنوان المنزل، وبأن رجلًا لا أسمح له بالدخول يحاول فتح الباب من الخارج.سألتني:— هل دخل المنزل؟— لا، ليس بعد.— هل أنت في مكان آمن؟نظرت إلى باب المكتب المفتوح.— أنا في الطابق العلوي. هناك مخرج خلفي، لكنني لا أعرف إن كان أحد ينتظر عنده.
في اليوم الأربعين لوفاة أبي، عرض عليّ رجل غريب ثلاثة أضعاف قيمة منزلنا القديم.لم يطلب رؤية المنزل.لم يسأل عن حالته.ولم يحاول حتى التفاوض.وحدها عيناه كانتا تتحركان بقلق بين وجهي والملف الموضوع أمامه، كأنه لا ينتظر موافقتي على البيع، بل يخشى أن أطرح سؤالًا لا يريد الإجابة عنه.قال وهو يدفع العقد نحوي:— أعتقد أن العرض أكثر من مناسب، آنسة ليان.نظرت إلى المبلغ المطبوع أسفل الصفحة، ثم رفعت عينيّ إليه.— مناسب جدًا، لدرجة تثير الشك.ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.— الموقع ممتاز. الشركة لديها خطط استثمارية للمنطقة.كنا نجلس في مكتب المحامي سامر، الذي تولى إجراءات تركة أبي. كان الرجل المقابل لي في أواخر الأربعينيات، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، ويحمل حقيبة جلدية سوداء لم يفتحها منذ دخوله.قال المحامي محاولًا تلطيف الأجواء:— القرار يعود لك بالكامل يا ليان. المنزل أصبح مسجلًا باسمك بموجب الوصية، ولا يوجد ما يجبرك على بيعه.أعدت النظر إلى العقد.— لماذا هذا المنزل تحديدًا؟أجاب الرجل:— لأنه يناسب المشروع.— هل اطلعت على مخططاته؟— لدينا المعلومات اللازمة.— وهل تعلم أنه لم يُرمم منذ س







