تسجيل الدخولكان الكوخ غارقًا في الصمت. لم تكن تسمع سوى صوت أنفاسها المتقطعة، وصوت الريح وهي تداعب الأشجار خارج النافذة. جلست نرمين على الأريكة، ووجهها بين كفيها. لم تعد تعرف منذ متى وهي تبكي. كل ما كانت تعرفه أن قلبها يؤلمها أكثر من أي وقت مضى. رفعت رأسها ببطء. مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت هاتفها. ظهرت على الشاشة عشرات المكالمات الفائتة. كلها من ماهر. أسفلها رسالة قصيرة. "نرمين... أين أنت؟ أنا قلق عليك. ردي عليّ، أرجوك." ظلت تنظر إلى الرسالة طويلًا. ثم أغلقت الشاشة دون أن ترد. وضعت الهاتف إلى جانبها. لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير. "هل يشعر بالقلق فعلًا... أم يخشى أنني اكتشفت الحقيقة؟" أغمضت عينيها بقوة. كانت كل إجابة تقودها إلى سؤال جديد. بعد دقائق، فتحت هاتفها مرة أخرى. دخلت إلى الصور التي التقطتها من الهاتف الأسود. بدأت تتصفحها ببطء. صورة لطريق تحيط به الأشجار. أخرى لغروب الشمس. وثالثة لفنجان قهوة على شرفة مطلة على البحر. تنهدت. "كلها صور عادية..." كادت تغلق الهاتف، لكنها توقفت. أعادت فتح صورة فنجان القهوة. كبرتها قليلًا. ثم أكثر. تجمدت. بجوار الفنجان...
عاد ماهر. تبع ذلك صوته وهو يتحدث مع الخادمة في الطابق السفلي، ثم صوت خطواته الهادئة داخل المنزل. رفعت نرمين رأسها بسرعة. شعرت بالاختناق. لا... لن تستطيع أن تراه الآن. إذا وقف أمامها في هذه اللحظة، ستنهار. وإذا واجهته، فلن تجد الكلمات. نهضت من مكانها واتجهت إلى المرآة. غسلت وجهها بالماء البارد، ثم جففته ببطء. حاولت أن تبدو طبيعية، لكن عينيها كانتا تفضحانها. سمعت خطوات ماهر تصعد إلى الطابق العلوي. توقفت مكانها. لكن الخطوات لم تتجه نحو غرفة النوم. سمعت باب مكتبه يُفتح، ثم يُغلق. تنفست ببطء. "هذه فرصتي." أمسكت حقيبتها. وخرجت من الغرفة بهدوء شديد. كانت تسير بحذر، وكأنها تخشى أن يسمع أحد صوت أنفاسها. نزلت درجات السلم واحدة تلو الأخرى. وعندما وصلت إلى الصالة، وقع بصرها على الطاولة الصغيرة القريبة من باب الفيلا. توقفت. كانت هناك باقة كبيرة من الورود الحمراء. وبجانبها بطاقة بيضاء صغيرة. اقتربت منها ببطء. التقطت البطاقة. قرأتها. "إلى أجمل زوجة... أحبك. ماهر." ظلت تحدق في الكلمات طويلًا. ثم خرجت منها ضحكة قصيرة... ضحكة لم تحمل أي فرح. كانت ضحكة مريرة، مليئة بالأ
بقيت نرمين واقفة في آخر الممر.كانت عيناها معلقتين بالباب الذي أغلق قبل لحظات.شعرت أن قلبها يخفق بقوة، حتى ظنت أن صوته سيسمع في الممر الهادئ.حاولت أن تقنع نفسها أن هناك تفسيرًا.أي تفسير.ربما غرفة اجتماعات.ربما أمر يتعلق بالعمل.ربما...لكن الأفكار توقفت عندما رأت عاملة تنظيف تدفع عربتها في الممر.توقفت العاملة أمام غرفة قريبة، وأخرجت بطاقة إلكترونية من جيبها، ثم فتحت الباب ودخلت وهي تحمل المناشف النظيفة.نظرت نرمين إلى الباب الذي دخل منه ماهر.ثم إلى عربة التنظيف.ثم عادت لتنظر إلى الباب مرة أخرى.شعرت أن هناك صوتًا داخلها يقول:«لا تفعلي.»لكن صوتًا آخر كان أقوى:«إذا عدتِ الآن، ستبقين تتساءلين طوال حياتك.»انتظرت حتى اختفت عاملة التنظيف داخل الغرفة.اقتربت ببطء من العربة.مدت يدها المرتجفة.أخذت البطاقة.ثم مشت نحو الباب.كانت خطواتها ثقيلة.توقفت أمام الغرفة.وضعت البطاقة على جهاز القفل.أضاء ضوء أخضر.سمعت صوت فتح القفل.ترددت لثوانٍ.ثم دفعت الباب قليلًا.في البداية...لم تستوعب ما تراه.اتسعت عيناها.كان ماهر يقف داخل الغرفة، يحتضن امرأة بين ذراعيه.كانت المرأة تولي ظهرها ل
ــ جلست نرمين خلف مكتبها، وعيناها معلقتان بصورة سجل المكالمات التي التقطتها من الهاتف.كان الرقم نفسه يتكرر باستمرار.ــ أخرجت ورقة وكتبت أوقات الاتصالات واحدًا تلو الآخر.ظلت تتأملها طويلًا، ثم همست:ــ "إذا كان هذا الرقم مهمًا... فلا بد أن هناك وقتًا محددًا يتواصل فيه معه."ــ أعادت الصورة إلى هاتفها، ثم أغلقت الشاشة.اتخذت قرارها.لن تتصل بالرقم.ولن تبحث عن صاحبه.بل ستراقب ماهر.---ــ مر اليوم الأول دون أن يحدث شيء.راقبته من بعيد عندما خرج من شركته.رأته يخرج الهاتف الأسود، يجري مكالمة قصيرة، ثم يتجه مباشرة إلى اجتماع مع أحد العملاء.بقي معه قرابة ساعة، ثم عاد إلى شركته.عادت نرمين إلى منزلها وهي تشعر بالخجل من نفسها.ــ "ربما أظلمه فعلًا."---في اليوم الثاني، تكرر الأمر.ــ أجرى مكالمة من الهاتف نفسه، ثم اتجه إلى أحد المطاعم.ــ جلس مع رجلين يتحدثان في بعض الأوراق والعقود.لم يكن في تصرفاته ما يثير الشك.ــ عادت إلى المنزل وهي أكثر اقتناعًا بأن الهاتف ربما كان مخصصًا للعمل.وفي تلك الليلة، ظلت تنظر إلى ماهر وهو يقرأ كتابه قبل النوم.تنهدت بصمت."غدًا... سأخبره بكل شيء."---ـ
وصلت نرمين إلى شركتها في وقت مبكر. دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها. وضعت حقيبتها على المكتب، ثم أخرجت هاتفها. كانت نظراتها تتجه إلى الشاشة كل بضع دقائق. لم تستطع التركيز في أي عمل. كانت تنتظر رسالة تؤكد وصول الحوالة... أو اتصالًا من الرجل المجهول. مر الصباح ببطء شديد. وقبل الظهيرة بقليل، اهتز هاتفها. رقم مجهول. أجابت بسرعة. "ألو." جاءها الصوت الهادئ نفسه. "وصل المال." أخذت نفسًا عميقًا. "إذن... أوفِ بوعدك." ساد صمت قصير. ثم قال: "كلمة المرور ستة أرقام." تناولت قلمًا بسرعة وفتحت مفكرتها. "أنا مستعدة." أملى عليها الأرقام ببطء. كتبتها مرتين حتى لا تخطئ. وقبل أن يغلق الخط، قال: "بعد أن تفتحين الهاتف، أعيديه إلى مكانه كما كان." سألته: "هل هذا كل شيء؟" أجاب بهدوء: "لا تعبثي بما لا تفهمينه." ثم أغلق الخط. --- انتهى الدوام، وعادت نرمين إلى المنزل. حاولت أن تبدو طبيعية طوال المساء. تحدثت مع ماهر كعادتها، وتناولا العشاء معًا، ثم شاهدا التلفاز لبعض الوقت. كانت تجيب عن أسئلته بابتسامة، بينما كانت تفكر في شيء واحد فقط... الهاتف.
ثم قال أخيرًا: "هذا كل ما تستطيعين دفعه؟" "نعم." أضافت بثبات: "ولن أزيد عليها دولارًا واحدًا." ساد الصمت مرة أخرى. ثم قال الرجل: "حسنًا." تفاجأت من سرعة موافقته. لكنه أكمل مباشرة: "لكن لأن الوقت لا يسمح بالمزيد من التأخير." شعرت أن في صوته شيئًا مختلفًا. كأنه مستعجل... أو كأن هناك سببًا يدفعه لإنهاء الأمر بسرعة. سألته: "ومتى تريد المال؟" أجاب: "سأخبرك بالطريقة والمكان في الاتصال القادم." ثم أضاف قبل أن يغلق الخط: "ولا تنسي الشرط الأول..." "لا تخبري ماهر شيئًا." انقطع الاتصال. بقيت نرمين تنظر إلى الهاتف في يدها. كان في داخلها شعور غريب. لأول مرة... شعرت أن الرجل المجهول لا يساومها على المال فقط... بل يساومها على الحقيقة نفسها. أنهت نرمين يومها، لكنها لم تنجز من العمل إلا القليل. كانت تجلس خلف مكتبها، بينما كلمات الرجل المجهول تتردد في رأسها دون توقف. كلما تذكرت موافقته السريعة على خمسمائة دولار، شعرت أن هناك أمرًا لا تفهمه. عادت إلى المنزل قبل غروب الشمس بقليل. ألقت حقيبتها على الأريكة، ثم جلست في صمت. كان ثقل الأفكار فوق صدرها







