로그인وصلت نرمين إلى شركة العمراني في الثامنة والنصف صباحًا، كعادتها.
ما إن دخلت المبنى حتى تبادل الموظفون التحية معها، ثم صعدت إلى مكتبها في الطابق الأخير. مرّت ساعات الصباح بين الاجتماعات ومراجعة العقود والرد على رسائل البريد الإلكتروني، حتى دقت الساعة الواحدة ظهرًا. كانت تستعد لمتابعة عملها عندما رن هاتفها. ابتسمت عندما رأت الاسم. سمر القاسمي. أجابت مباشرة. "مرحبًا سمر." جاءها صوتها الهادئ. "هل أزعجتك؟" "أبدًا." "هل انتهيت من العمل؟" نظرت إلى الملفات أمامها. "بقي القليل." ضحكت سمر. "إذن اتركيها ليوم آخر." ابتسمت نرمين. "هذا ليس من طباعي." "أعرف... لهذا اتصلت بك." سادت لحظة صمت قصيرة قبل أن تضيف سمر: "اشتقت إليك، ما رأيك أن نتناول الغداء معًا؟ أشعر أننا لم نجلس منذ فترة." فكرت نرمين لثوانٍ. ثم أغلقت الملف أمامها. "حسنًا... سأغادر بعد عشر دقائق." "سأنتظرك في مطعمنا المعتاد." "إلى اللقاء." "إلى اللقاء." بعد نحو نصف ساعة... دخلت نرمين المطعم. كان المكان هادئًا، تعزف فيه موسيقى خافتة، وتنتشر النباتات الخضراء في أركانه. رفعت نظرها تبحث عن سمر. وجدتها تجلس قرب النافذة. كانت سمر القاسمي طويلة القامة، أنيقة في مظهرها، ترتدي بدلة بلون أزرق داكن وحذاءً بكعب مرتفع. انسدل شعرها البني الطويل على كتفيها بعناية، وكانت ملامحها جميلة، لكن آثار عمليات التجميل التي خضعت لها خلال السنوات الماضية جعلت جمالها يبدو واضحًا ومبالغًا فيه قليلًا، بينما احتفظت نرمين بجمالها الطبيعي الهادئ. ورغم أناقتها وابتسامتها الدائمة، كانت نظراتها تخفي تعب سنوات مضت، منذ أن خسرت عائلتها معظم ثروتها، واضطرت إلى العمل في الشركة التي كانت يومًا ملكًا لوالدها قبل أن تنتقل إلى شركة أخرى بعد إفلاس العائلة. ما إن رأت نرمين حتى وقفت مبتسمة. "تأخرتِ." ضحكت نرمين وهي تعانقها. "دقائق فقط." جلستا معًا. اقترب النادل، فأخذ طلبهما ثم ابتعد. تأملت سمر وجه صديقتها. "تبدين أفضل من آخر مرة." ابتسمت نرمين. "ماهر لم يتركني أرتاح حتى أعاد إليّ ابتسامتي." ابتسمت سمر. "ما زال كما هو." "بل أصبح أكثر اهتمامًا." قالت سمر وهي تحرك كوب الماء بين يديها: "أنت محظوظة." ابتسمت نرمين دون تردد. "أعرف." ساد الصمت للحظات. ثم سألت سمر: "هل وصلت الشرطة إلى شيء جديد؟" تنهدت نرمين. "ليس كثيرًا." ثم بدأت تخبرها بما اكتشفته عن سهام، وأن اسمها الحقيقي هو سهام عادل، وأنها كانت تعمل في فندق كبير. استمعت سمر باهتمام دون أن تقاطعها. وعندما انتهت، سألت بهدوء: "وهل ذهبت إلى الفندق؟" "نعم." "وماذا قالوا؟" شربت نرمين قليلًا من الماء. "قال المدير إنها كانت موظفة محترمة، ولم يسبق أن سببت أي مشكلة." "هذا غريب." أومأت نرمين. "الأغرب من ذلك أن إحدى الموظفات أخبرتني بأنها كانت مهتمة بعائلة العمراني، وكانت تسأل عنها بين الحين والآخر." بدت الدهشة على وجه سمر. "بعائلتكم؟" "نعم، لكنهم لا يعرفون السبب." فكرت سمر قليلًا. "ربما كانت معجبة بعائلتكم، فاسمكم معروف في المدينة." ابتسمت نرمين. "هذا ما قاله ماهر أيضًا." ثم غيرت الحديث حتى لا تبقى الأجواء مشغولة بالحادث. تحدثتا عن أيام الجامعة. وتذكرتا أول لقاء بينهما، وكيف تحولت المنافسة بينهما في الدراسة إلى صداقة استمرت سنوات. ضحكت سمر وهي تقول: "أتذكرين عندما رفضتِ أن تنقلي إجابتي في الامتحان؟" انفجرت نرمين ضاحكة. "لأنك كنتِ تجلسين بعيدًا عني." "بل لأنك كنتِ ملتزمة أكثر من اللازم." "وفي النهاية نجحنا كلتانا." ابتسمت سمر. "وأصبحتِ إلى اليوم كما أنتِ... لا تتغيرين." "وهل هذا شيء سيئ؟" هزت رأسها. "بل جميل." انتهى الغداء، وخرجتا من المطعم تتمشيان قليلًا قبل أن تفترقا. عانقت سمر صديقتها. "لا تدعي هذه القضية تسرق هدوءك." ابتسمت نرمين. "سأحاول." ركبت كل واحدة سيارتها، وعادت إلى عملها. مع حلول المساء... وصلت نرمين إلى الفيلا. كان المنزل هادئًا. استقبلتها سلوى عند الباب. "مرحبًا سيدتي." "مرحبًا يا سلوى." "هل أحضر لك القهوة؟" ابتسمت. "بعد قليل." صعدت إلى غرفتها، بدلت ملابسها، ثم جلست قليلًا على الشرفة تستمتع بهدوء المساء. لم يمض وقت طويل حتى عاد ماهر. جلسا معًا يتحدثان عن يومهما، ثم تناولا العشاء في أجواء هادئة. بعدها صعد كل منهما إلى غرفتهما استعدادًا للنوم. وضعت نرمين هاتفها على الطاولة بجانب السرير، وأطفأت المصباح. لكن قبل أن تغمض عينيها، أضاءت شاشة الهاتف فجأة. نظرت إليها. مستشفى السلام. استغربت الاتصال في هذا الوقت. التقطت الهاتف بسرعة. "مرحبًا." جاءها صوت ممرضة يبدو عليه الارتباك. "هل أتحدث مع السيدة نرمين العمراني؟" "نعم، أنا هي." ساد الصمت لثوانٍ، ثم قالت الممرضة: "نعتذر عن إزعاجك في هذا الوقت، لكن لدينا أمر طارئ." اعتدلت نرمين في جلستها. "ماذا حدث؟" أخذت الممرضة نفسًا عميقًا قبل أن تجيب: "المريضة سهام عادل لم تعد موجودة في غرفتها... وحتى هذه اللحظة لم يتمكن أحد من العثور عليها."لم تغادر نرمين مكتب كمال مباشرة. لقد تدكرة شيئا لم تفهمه ودخلت المكتب مرة أخرى ــ بقيت واقفة أمام مكتبه، والملف بين يديها. قالت بعد لحظة: ــ "أستاذ كمال..." ــ رفع عينيه إليها. "هل تعرف كيف بدأت علاقة وسام بماهر؟" هز رأسه. "ليس بعد." ــ وضعت الملف على المكتب. "إذن ابحث عن ذلك." أومأ. "سأحاول." ــ جلست من جديد. "ربما كان مهتمًا بالأرض، ولهذا اقترب من ماهر." فكر كمال قليلًا قبل أن يجيب: "هذا احتمال وارد. وسام يعمل في البناء والتطوير العقاري، والأرض التي اشتراها منك تقع في منطقة يمكن أن تصبح مهمة مستقبلًا. ربما كان يبحث عن فرصة، وعندما عرف أن ماهر يستطيع التفاوض على الأرض، بدأ التواصل معه." بقيت نرمين صامتة. ثم هزت رأسها ببطء. ــ "لا أظن أن الأمر بهذه البساطة." ــ نظر إليها كمال باهتمام. قالت: "لو كان وسام مهتمًا بالأرض فقط، فلماذا يتقرب من ماهر؟" "ربما لأنه كان الطرف الذي يستطيع إتمام الصفقة." "كان يستطيع أن يصل إلى الشركة أو إلى أي شخص آخر." توقفت قليلًا. ثم أضافت: "والأهم من ذلك... الأرض كانت باسمي أنا." نظر كمال إليها. أكمل
استيقظت نرمين في وقت مبكر من صباح اليوم التالي. لم تستطع النوم جيدًا طوال الليل. كانت صورة المنزل الذي أرسله لها ماهر تعود إلى ذهنها كلما أغمضت عينيها، ثم تتداخل معها الأوراق التي رأتها في مكتب كمال. منزل... أرض... ممتلكات بيعت أو نُقلت من اسمها دون أن تعرف. كانت تشعر أن حياتها التي عرفتها طوال السنوات الماضية تخفي خلفها أشياء كثيرة لم تكن تراها. جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى هاتفها. كان لديها اتصال فائت من كمال في وقت متأخر من الليل، لكنه لم يترك رسالة. فكرت في الاتصال به، لكنها غيرت رأيها. إذا كان هناك شيء جديد، فهي لا تريد سماعه عبر الهاتف. نهضت وارتدت ملابسها بسرعة. قررت أن تذهب إليه بنفسها. --- بعد وقت قصير، كانت سيارتها تتوقف أمام مكتب الأستاذ كمال. نزلت منها ودخلت المبنى. كانت تعرف المكان جيدًا، فقد اعتادت زيارته منذ سنوات برفقة والدها. صعدت إلى الطابق الذي يوجد فيه مكتبه. استقبلتها السكرتيرة بابتسامة. "صباح الخير، أستاذة نرمين." "صباح الخير." "الأستاذ كمال في مكتبه." "سأدخل إليه." طرقت الباب ثم دخلت. رفع كمال رأسه عن مجموعة من
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.بعد انتهاء العشاء، جلس ماهر بجانب نرمين في غرفة الجلوس.كان المنزل هادئًا، والشموع التي أشعلها في بداية المساء لم يبق منها سوى القليل.تحدثا لبعض الوقت عن أمور عادية، ثم لاحظت نرمين أن ماهر أصبح أكثر قربًا منها.اقترب منها وأمسك يدها.قال بهدوء:"اشتقت إليك."نظرت إليه للحظة.كان من السهل عليها أن تتذكر كيف كانت تشعر عندما يقول لها هذه الكلمات قبل أن تعرف الحقيقة.أما الآن، فلم تشعر إلا بالثقل.اقترب أكثر.تراجعت قليلًا وقالت:"ماهر... أنا متعبة."توقف."متعبة؟"أومأت."اليوم كان طويلًا، وأشعر أنني أحتاج إلى النوم."نظر إليها للحظات، وكأنه يحاول معرفة إن كانت تتجنب قربه عمدًا.لكنها ابتسمت له."لا تغضب مني."ابتسم أخيرًا."لن أغضب."ثم قال:"اذهبي وارتاحي."وقفت نرمين."تصبح على خير.""وأنت أيضًا."صعدت إلى غرفتها.أغلقت الباب خلفها، ثم بقيت واقفة لثوانٍ وهي تستمع إلى خطوات ماهر في الأسفل.وضعت يدها على صدرها.لم تكن تريد أن يلمسها.ليس بعد الآن.---بعد وقت قصير، جلست نرمين على طرف السرير.أخرجت هاتفها.كانت تريد الاتصال بكمال، لكنها ترددت.ثم ظهر ا
ما إن دخلت نرمين حتى أغلقت الباب خلفها بهدوء.كانت الإضاءة مختلفة عن المعتاد.أضواء خافتة موزعة في أرجاء المكان، والشموع تملأ الطاولة، والورود الحمراء تحيط بها من كل جانب.توقفت للحظة.لم تكن تتوقع أن يكون ماهر قد أعد كل هذا.جاء صوته من خلفها:"أخيرًا وصلتِ."استدارت.كان ماهر واقفًا عند مدخل غرفة الطعام، يرتدي ملابس أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة.اقترب منها."ما رأيك؟"نظرت حولها ثم عادت بعينيها إليه."جميل."اقترب أكثر."كنت أريد أن أفعل شيئًا مختلفًا الليلة."ابتسمت."لماذا؟"قال:"لأنك كنت متعبة طوال الأيام الماضية، وأردت أن تنسي ضغط العمل."شعرت نرمين بوخزة في قلبها.ضغط العمل.كان ذلك العذر الذي أخبرته به.والآن يستخدمه ليبرر هذه الأمسية.قالت:"شكرًا."مد يده إليها."تعالي."وضعت يدها في يده.كان لمس يده مألوفًا بالنسبة إليها.وهذا ما جعل الأمر أكثر ألمًا.قادها إلى الطاولة، ثم سحب لها الكرسي.جلست.جلس في الجهة المقابلة.صب لها العصير، ثم رفع كأسه."إلى نهاية أسبوع هادئة."رفعت كأسها أيضًا."إلى نهاية أسبوع هادئة."تلامست الكأسان.ابتسم ماهر.أما نرمين، فابتسامتها بقيت ثابتة
ــ كانت نرمين لا تزال في مكتبها عندما اهتز هاتفها فوق الطاولة.ــ نظرت إلى الشاشة.رسالة من ماهر.ــ فتحتها دون اهتمام كبير، لكنها توقفت عندما ظهرت أمامها صورة.كان المنزل الذي سبق أن نقل ماهر ملكيته إليها قد ظهر في الصورة من الداخل.ــ الطاولة كانت مجهزة بعناية.ــ شموع موزعة على أطرافها، وورود حمراء في الوسط، وأطباق مرتبة بعناية، وإضاءة هادئة جعلت المكان يبدو مختلفًا تمامًا عن المعتاد.ــ ظلت تنظر إلى الصورة لثوانٍ.ثم قرأت رسالته:"ما رأيك في أمسية هادئة الليلة؟ غدًا نهاية الأسبوع، وأريدك أن ترتاحي قليلًا."شعرت نرمين بشيء يتحرك في صدرها.لم تكن الصورة جميلة بالنسبة إليها.كانت تستفزها.ذلك المنزل نفسه الذي يظهر الآن في الصورة، كانت تعرف أنه واحد من الأملاك التي نقلها إليها والدها، وكانت تعرف أيضًا أن ماهر يعرف تفاصيله جيدًا.والآن...كان يقف فيه ويجهزه لها، وكأن شيئًا لم يحدث.ضغطت على الشاشة وأعادت قراءة الرسالة."أريدك أن ترتاحي..."أغمضت عينيها للحظة.كادت تكتب له سؤالًا مباشرًا.كادت تقول له:"كيف استطعت أن تفعل كل هذا وأنا لا أعرف حتى ما فعلته بأملاكي؟"لكنها توقفت.وضعت الها
بقيت نرمين صامتة وهي تنظر إلى الملف أمامها.كانت الصفحات مفتوحة، لكن عينيها لم تعودا تريان الكلمات بوضوح.كانت تفكر في شيء واحد فقط.كل تلك الممتلكات التي اختفت من اسمها...وكل تلك الأوراق التي وقعتها بثقة كاملة...كان ماهر موجودًا في كل تفاصيلها.رفعت رأسها نحو كمال."لن أجلس وأنتظر."نظر إليها باهتمام.أكملت:"لا أريد أن أعرف فقط ماذا فعل. أريد أن أعرف كيف أستعيد ما فقدته."وضع كمال يديه فوق الملف."نرمين، سأبحث في الأمر بكل الطرق القانونية الممكنة.""هل هناك حل؟"صمت للحظات قبل أن يجيب:"أريد أن أكون صريحًا معك."أومأت."قل لي."قال:"الموقف القانوني ليس سهلًا."تغيرت ملامحها."لماذا؟"أشار إلى الأوراق أمامه."لأن المستندات التي وجدتها تبدو صحيحة من الناحية القانونية. التوقيع موجود، والتوكيل موجود، والإجراءات تمت بناءً عليه."قالت بسرعة:"لكنني لم أكن أعرف أنني أعطيته هذا الحق.""أعرف.""إذن يمكننا إلغاء كل شيء."هز كمال رأسه ببطء."ليس بهذه البساطة."سكتت نرمين.تابع:"إذا أردنا استعادة أي ملكية، علينا أولًا أن نثبت أن موافقتك لم تكن على التصرف الذي تم، أو أن هناك خداعًا أو تجاوزً







