Share

الترياق القوي

Author: مايا
last update publish date: 2026-10-21 20:49:09

دخلت خنساء جناحها تلك الليلة وهي تحمل في قلبها مزيجًا من الخجل والارتباك. كانت ليلة زفافها، الليلة التي انتظرتها القبيلة طويلًا، لكنها وجدت نفسها وحيدة خلف أبواب الجناح، تنتظر رجلًا لم يأتِ.

مرّت الساعات ثقيلة، حتى غلبها النوم دون أن تسمع خطوات فاروق.

وفي الصباح، لم تحتج القبيلة إلى أكثر من ساعات قليلة حتى انتشرت الإشاعة بين أرجائها كالنار في الهشيم.

— «زعيمنا لم يدخل جناح زوجته!»

— «يبدو أنه لم يتقبل الزواج منها.»

— «وكيف سيتقبلها وهي لا تحمل دماء القبيلة؟»

وصل الخبر إلى حوراء، فارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، ثم أطلقت ضحكة مليئة بالشماتة.

قالت لمن حولها:

— «ألم أقل لكم؟ فاروق لن يستطيع أن ينسى من تكون. هي ليست منا، ولا تجري في عروقها دماؤنا... وفي النهاية تركها وحدها.»

كانت خنساء تسمع بعض الهمسات وهي تسير في أروقة القصر، لكنها لم تجب. لم تكن تعرف ما حدث، ولم تكن تريد أن تصدق أن فاروق تعمد إهانتها.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

في الجناح الآخر، كان فاروق يعيش ليلة من أسوأ ليالي حياته.

اشتد الألم في عروقه بصورة لم يختبرها منذ سنوات. كان جسده يرتجف، وحرارة غريبة تحرق صدره، بينما بدا لون وجهه شاحبًا مصفرًا. حاول أن يقاوم، لكنه لم يستطع حتى الوقوف.

وحين أشرقت الشمس، بقي مستلقيًا على سريره، عاجزًا عن مواجهة أحد.

وعندما علمت خنساء بحالته، لم تفكر في كلام القبيلة ولا في سخريتهم. اتجهت فورًا إلى جناحه.

دفعت الباب بهدوء.

وجدته مستلقيًا على السرير، وملامحه متعبة بصورة أخافتها.

اقتربت منه وقالت بصوت خافت:

— «فاروق...»

فتح عينيه بصعوبة، وحاول أن ينهض، لكنه عجز.

جلست خنساء إلى جواره ومدت يدها نحوه.

وما إن أمسكت يده بحنان حتى حدث شيء غريب.

توقف الألم.

تلاشى ذلك الحريق الذي كان ينهش عروقه، وكأن يدها انتزعت اللعنة من جسده في لحظة واحدة.

حدّق فاروق في يدها، ثم في وجهها، غير مصدق.

اقتربت خنساء أكثر ومسحت على رأسه بحنان.

وفجأة شعر بقوته تعود إليه.

نهض من مكانه بسرعة، حتى كاد يسقط من شدة المفاجأة، ثم نظر إليها وكأن أمامه لغزًا ظل يبحث عن إجابته طوال حياته.

قال بصوت مرتجف:

— «أنتِ...»

نظرت إليه خنساء باستغراب.

— «ماذا؟»

اقترب منها خطوة، وأمسك بيديها.

— «كلما لمستك... يختفي الألم.»

صمت لحظة، ثم اتسعت عيناه وكأنه تذكر كلمات الكاهن القديمة.

«ترياقك ليس دواءً... بل شخص.»

ابتلع فاروق ريقه، ثم قال:

— «أنتِ حتمًا ترياقي.»

تراجعت خنساء خطوة من شدة المفاجأة.

— «أنا؟»

لم يجبها.

في تلك اللحظة لم يعد يهتم بما تقوله القبيلة، ولا بما تفكر فيه حوراء، ولا بالدم الذي يجري في عروق خنساء.

كان أمام حقيقة لا يستطيع إنكارها.

مد ذراعيه وضمها إلى صدره، وكأنه وجد أخيرًا الشيء الوحيد القادر على إيقاف العذاب الذي رافقه سنوات.

ثم قبّل جبينها بحنان وقال:

— «سامحيني لأنني تركتك وحدك ليلة زفافنا... لم أتركك لأنني لا أريدك، بل لأنني كنت أحاول النجاة من لعنتي.»

رفعت خنساء عينيها إليه، وقلبها يخفق بقوة.

أما فاروق، فكان يعرف في أعماقه أن هذه اللحظة ستغيّر كل شيء.

فالمرأة التي سخرت منها القبيلة لأنها لا تحمل دماءهم...

قد تكون وحدها المرأة القادرة على إنقاذ زعيمهم.من هول اللعنة المحيطة به للابد ان دمها نقي ولمستها شافية ان اتحدا سيكون دمار شامل.علم الكاهن بالامر وقرر أن يصفيها لخنساء ويرمي بها بالهاوية المشتعلة قبل طلوع الفجر

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • السقوط من حافة الهاوية   استقرار وسلام

    بعد أن انكشفت خيانة حوراء وسقطت أقنعة الخداع، نالت جزاءها أمام أعين الجميع، لتنتهي بذلك صفحة سوداء لطّخت اسم عائلتها العريقة. ولم تكن الفضيحة قد طالتها وحدها، بل امتدت آثارها إلى والدها، الكاهن الأعظم، الذي وجد نفسه عاجزًا عن حماية شرف عائلته بعدما شوّهته أفعال ابنته وأفعال من شاركها الخطيئة.أما الطفل، فلم يكن له ذنب في كل ما حدث، ولم تسمح خنساء بأن يدفع ثمن أخطاء والديه. احتضنته بقلب أم لا تفرّق بين طفل ولد من رحمها وطفل وجد نفسه وحيدًا بعد أن فقد والدته.قررت خنساء أن تربيه إلى جانب أبنائها، وأن تمنحه مكانته كاملة بينهم، وكأنه واحد من أطفالها الذين أنجبتهم. لم تسمح يومًا بأن يشعر بأنه مختلف أو غريب، بل غرست في قلبه الحب والانتماء، وكرّست سنواتها لتربية أبنائها جميعًا على الأخلاق والقوة والوفاء، بعيدًا عن المؤامرات والصراعات التي كادت تمزق العائلة.ومع مرور السنوات، تبدلت ملامح المملكة.فالمجموعة القبلية التي امتدت سلالتها عبر الأجيال، تحولت مع الزمن إلى مملكة عريقة ذات نفوذ وهيبة. هدأت الخلافات، وانطفأت نار الفتن، وعاشت القبائل في سلام طويل بعد أن أُغلقت صفحة حوراء نهائيًا. ومع ذلك

  • السقوط من حافة الهاوية   شادي ابن فوزي

    لم تمضِ ساعات طويلة حتى عثر جنود مملكة النسور على حوراء مختبئة في أعماق الغابة، منهكة ومرعوبة، وثيابها عالقة بالأغصان المبللة. كان فوزي قد اختفى تمامًا، تاركًا خلفه عشيقته تواجه مصيرها وحدها، دون أن يلتفت إلى ما قد يحدث لها.اقترب الجنود منها وأحاطوا بها من كل جانب، ثم اقتادوها بالقوة عائدة إلى المملكة. لم تحاول المقاومة؛ فقد أدركت أن أسرارها بدأت تنكشف، وأن فوزي، الذي خاطر بكل شيء من أجلها، قد تخلى عنها في اللحظة التي أصبحت فيها الحقيقة على وشك الظهور.وصلوا بها إلى شجرة الأمنيات، أقدم أشجار المملكة وأكثرها قداسة ورهبة. كانت جذورها ملتفة حول الصخور السوداء، وفروعها تمتد نحو السماء كأنها أذرع مخلوق قديم يراقب الجميع بصمت. تساقطت من أوراقها قطرات باردة على عنق حوراء، فارتجفت، ولم تعرف أكان ذلك ندى أم نذيرًا.تجمع الشيوخ والجنود وأفراد العائلة الحاكمة حولها، بينما وقف فاروق في مقدمة المكان، وملامح وجهه جامدة لا توحي بما يعتمل في داخله. وحدها قبضتاه المشدودتان كانتا تفضحان توتره.بدأ الشيوخ طقس كشف النسب، وهو طقس قديم لا يُقام إلا في الجرائم التي تمس العرش وسلالة النسور. أُحضرت الأدوات ا

  • السقوط من حافة الهاوية   كشف نسب شادي ابن حوراء

    لم يكن أحد في مملكة النسور يتخيل أن القصر، الذي طالما عُدَّ حصنًا للوفاء والأمان، يخفي بين جدرانه خيانة قادرة على اقتلاع عرش المملكة من جذوره.بعد زواجها من ولي العهد فاروق، لم تكتفِ حوراء بمكانتها إلى جواره، بل دفنت سرًا خطيرًا أخذ يكبر في الظلام يومًا بعد يوم. فقد ربطتها علاقة محرمة بفوزي، شقيق زوجها، وانتهت تلك الخيانة بحملٍ أخفته عن الجميع، ثم نُسب الطفل إلى فاروق، ولي عهد مملكة النسور وقائد قبيلة النسر الناري المقدس.لكن الأسرار، مهما أُحكم دفنها، لا تموت. إنها تنتظر اللحظة التي تجد فيها شقًا صغيرًا لتنفذ منه إلى النور.وجاءت اللحظة كالصاعقة.انكشفت الحقيقة دفعة واحدة، ووصل الخبر إلى فاروق محمّلًا بما يفوق قدرة القلب على الاحتمال. لم تكن الصدمة في خيانة زوجته وحدها، بل في أن شقيقه فوزي كان شريكًا فيها، وأن الطفل الذي حمل اسمه قد لا يكون من دمه.وما إن أدرك فوزي أن أمره انكشف، حتى فرّ خارج المملكة، تاركًا حوراء وطفلهما شادي لمواجهة العواقب وحدهما.كان شادي، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، يجلس في الجناح الغربي، يحدق في الوجوه المحيطة به دون أن يفهم لماذا انقلب العالم فجأة. لم يعرف معن

  • السقوط من حافة الهاوية   فضح المستور

    بعد عامٍ كامل من الأحداث العاصفة، أصدر السيد فؤاد الناري، إمبراطور القبيلة وزعيم قبيلة النسور الشيطانية، قرارًا بالعفو عن حوراء. لم يكن قراره نابعًا من اقتناعه ببراءتها، بل من رغبته في حماية طفلها شادي، الذي كان لا يزال رضيعًا؛ فلم يشأ أن يدفع الصغير ثمن جرائم والدته.أما خنساء، فقد تبدلت حياتها تمامًا بعد مرور عام.ففي صباحٍ مشرق، أعلن الطبيب الإمبراطوري أن خنساء وضعت توأمًا: فتاةً وولدًا. غمرت الفرحة جناحها، وحين حمل فاروق طفليه بين ذراعيه، شعر بأن القدر منحه أخيرًا عائلةً تشبه الحلم الذي طالما تمناه.اختار لهما اسمين يليقان بسلالتهما: نسر للولد، وعنقاء للفتاة.كان الطفلان نسخةً مصغرةً من والدهما؛ عيناه الخضراوان، وشعره الكثيف، وحتى الختم الأصلي الذي تحمله سلالة فاروق ظهر على معصميهما منذ ولادتهما، كوحمة واضحة لا يمكن إنكارها.تأمل فاروق طفليه طويلًا، ثم ابتسم بفخر.— هذان الطفلان ثمرة حبي لخنساء... ولن أسمح لأي شيء في هذا العالم بأن يمسّهما.لكن فرحة القصر لم تدم طويلًا.ففي خضم تلك المناسبة السعيدة، وصل فوزي، شقيق فاروق، إلى القصر. استقبلته العائلة بحفاوة، غير أن خنساء، ما إن وقعت

  • السقوط من حافة الهاوية   مكيدة حوراء

    عادت خنساء إلى جناحها بعد يوم طويل، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بثقل غريب في جسدها. كانت متعبة على نحو لم تعهده من قبل، فاستدعت الطبيب الإمبراطوري ليطمئن عليها. وبعد فحص دقيق، رفع الطبيب رأسه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.قال باحترام:— مولاتي، لديّ خبر سيغير حياتك... أنتِ حامل.شهقت خنساء، ثم وضعت يدها على بطنها.— حامل؟أومأ الطبيب، ثم أضاف بحذر:— نعم، لكن لا يمكن الجزم بعمر الحمل أو عدد الأجنّة من خلال الفحص وحده. أحتاج إلى إجراء فحص أدق، غير أن العلامات الأولية تشير إلى أنك في بدايات الشهر الثاني، وقد يكون هناك جنينان.تجمدت خنساء للحظات، ثم اغرورقت عيناها بالدموع. توأمان... وريثان صغيران ينموان في أحشائها. شعرت لأول مرة أن كل ما عانته لم يذهب سدى.لكن الخبر وصل سريعًا إلى حوراء.وحين علمت أن خنساء تحمل توأمًا، تغير وجهها بالكامل. لم تعد ترى فيها مجرد زوجة لولي العهد، بل خطرًا حقيقيًا على أحلامها في الوصول إلى كرسي الإمارة.جلست حوراء في جناحها تفكر طويلًا، ثم لمعت في عينيها نظرة شريرة.— لن أسمح لها بأن تحمل وريثين وتصبح أقوى مني.وفي تلك الليلة، نفذت خطتها

  • السقوط من حافة الهاوية   سقوط من حافة الهاوية المشتعلة

    أقام فؤاد الناري، والد فاروق وزعيم قبيلة النسور، احتفالًا مهيبًا في أنحاء القبيلة احتفاءً بقدوم الوريث الجديد. تعالت أصوات الطبول، وأُشعلت المشاعل، وامتلأت الساحة بأفراد القبيلة الذين احتفلوا بانتصار سلالة النسور واستمرار نسلها.غير أن قرارًا آخر كان يُتخذ في الخفاء، بعيدًا عن صخب الاحتفال.جلس فؤاد على كرسي الحكم، وأمامه وثيقة قديمة تحمل ختم القبيلة. كانت تنص على إلقاء خنساء في الهاوية المشتعلة، بحجة أنها لم تنجب وريثًا.دخل فاروق إلى المجلس، وما إن وقعت عيناه على الوثيقة حتى تجمد في مكانه. شعر بأن ضجيج الاحتفال انطفأ فجأة، ولم يعد يسمع سوى خفقان قلبه المتسارع.قال فؤاد بصرامة:— «وقّع يا فاروق. هذا قانون القبيلة، وأنت تعرف أن لا أحد يستطيع مخالفته.»رفع فاروق عينيه إلى والده، ثم إلى الختم الأحمر على الوثيقة. بدا له كأنه بقعة دم لم تجف بعد.— «أبي... أمهلني.»— «لا وقت للتردد. أمامك خيار واحد: أن توقّع، أو تعلن عصيانك أمام القبيلة كلها.»تعلقت أصابع فاروق بحافة الطاولة. أراد أن يعترض ويصرخ، بل أن ينتزع الوثيقة ويمزقها أمام الجميع، لكنه كان يدرك أن مخالفة قانون القبيلة تعني تحدي سلطة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status