Share

ولادة حوراء

Author: مايا
last update publish date: 2026-10-21 21:05:38

مرت سنة كاملة على زواج فاروق وخنساء؛ سنة لم تخلُ من العثرات، لكنها كانت كافية ليدرك كلٌّ منهما أن الآخر لم يعد مجرد شريك في الحياة، بل غدا جزءًا لا يُنتزع من روحه.

وعلى الرغم من الاعتراضات والهمسات والمؤامرات، عاش الزوجان مستقرَّين في جناحهما. ففاروق، الذي لازمته الآلام واللعنة أعوامًا طويلة، وجد إلى جوار خنساء سكينة لم يعرفها من قبل، بينما وجدت هي في قربه الأمان الذي افتقدته طويلًا. وكانت خنساء، كلما باغتها خوف قديم من أن تفقده، تطرده سريعًا من قلبها؛ فقد تعلّمت أن السعادة التي انتظرتها طويلًا لا تحتمل أن تُفسدها الهواجس.

وفي أحد الأيام، كانا في الحديقة حين وقف السيد فؤاد بعيدًا يراقبهما من دون أن يشعرا به.

رأى ابنه جالسًا إلى جوار خنساء، يحادثها بعفوية، فيما كانت تبتسم له. كان الانسجام بينهما جليًا، حتى إنهما لم يكونا بحاجة إلى كثير من الكلام.

ابتسم فؤاد وقال في نفسه:

«لعل ولدي وجد ضالته أخيرًا... لعلّه عثر على حب حياته. أتمنى فقط أن يصمد هذا الحب أمام الصعاب التي تحيط بهما.»

لكنه لم يكن يعلم أن المشهد الذي يراه ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة.

---

وبعد انقضاء عام على زواجهما، عاشت القبيلة يومًا استثنائيًا.

دوت الطبول، وأضيئت الساحات، وامتلأت أرجاؤها بالزغاريد ومظاهر الفرح.

فقد رُزق فاروق بمولود جديد...

ابن من حوراء.

كان الخبر مناسبة عظيمة للقبيلة؛ فالصغير يحمل دم العائلة الحاكمة، ومنذ لحظة ولادته بدأت الأحاديث تدور حول مستقبله ومكانته.

أما حوراء، فكانت تعيش أسعد أيامها.

احتضنت طفلها بين ذراعيها، غير أن عينيها لم تكونا معلقتين بحاضرها وحده، بل تجاوزتاه إلى ما هو أبعد...

إلى تاج الإمارة.

إلى اليوم الذي تصبح فيه سيدة القبيلة، وأمّ الوريث الذي سيحمل اسم أبيه ودمه. وكلما سمعت تهنئة أو رأت نظرة إعجاب إلى طفلها، شعرت بطموحها يكبر في صدرها؛ لم تعد تريد مكانةً فحسب، بل أرادت أن تنتزعها قبل أن يسبقها أحد إليها.

أما خنساء، فلم تُرزق بطفل رغم مرور عام كامل على زواجها.

في البداية، تكاثرت الهمسات من حولها، وراح البعض يتساءل عن السبب، لكنها لم تسمح لكلماتهم بأن تنال من ثباتها. ومع ذلك، كانت الكلمات تترك وخزًا خفيًا في قلبها، فتبتسم أمام الناس ثم تعود إلى وحدتها لتسأل نفسها إن كان صمتها سيُحسب عليها يومًا.

كانت تؤمن بأن الذرية رزق، وأن الله وحده يختار متى يمنحها لعبده.

وحين كان أحدهم يلمّح إلى أن مكانتها قد تتراجع بسبب عدم إنجابها، كانت تلوذ بالصمت.

لم تعترض على قضاء الله، ولم تحسد حوراء على مولودها، بل ذهبت إليها وهنأتها بصدق، متمنيةً لطفلها الصحة وحياة سعيدة.

لكن حوراء لم تبادلها المشاعر ذاتها.

ففرحتها بالمولود كانت تخفي وراءها طموحًا أشد خطرًا.

في نظرها، بدا الطريق إلى كرسي الإمارة أقرب من أي وقت مضى، وكانت ترى في خنساء العقبة الوحيدة التي لا بد من إزاحتها.

لم تعد تكتفي بإبعادها عن فاروق...

بل باتت تتمنى اختفاءها إلى الأبد.

وفي أعماقها، ظلت تستحضر صورة الهاوية المشتعلة التي يُلقى فيها كل من يصدر حكم القبيلة بإعدامه.

كانت تتخيل خنساء تهوي إليها، بينما تقف هي في الأعلى، تضم طفلها إلى صدرها، وقد خلا الطريق أمامها.

ابتسمت حوراء وهي ترمق خنساء من بعيد، وقد أخفت خلف ابتسامتها قرارًا يتشكل ببطء.

لم تكن خنساء تعلم أن المرأة التي تقف أمامها وتشاركها أفراح القبيلة تخفي في قلبها أمنية واحدة:

أن يكون هذا الاحتفال بمولودها...

بداية النهاية لخنساء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • السقوط من حافة الهاوية   استقرار وسلام

    بعد أن انكشفت خيانة حوراء وسقطت أقنعة الخداع، نالت جزاءها أمام أعين الجميع، لتنتهي بذلك صفحة سوداء لطّخت اسم عائلتها العريقة. ولم تكن الفضيحة قد طالتها وحدها، بل امتدت آثارها إلى والدها، الكاهن الأعظم، الذي وجد نفسه عاجزًا عن حماية شرف عائلته بعدما شوّهته أفعال ابنته وأفعال من شاركها الخطيئة.أما الطفل، فلم يكن له ذنب في كل ما حدث، ولم تسمح خنساء بأن يدفع ثمن أخطاء والديه. احتضنته بقلب أم لا تفرّق بين طفل ولد من رحمها وطفل وجد نفسه وحيدًا بعد أن فقد والدته.قررت خنساء أن تربيه إلى جانب أبنائها، وأن تمنحه مكانته كاملة بينهم، وكأنه واحد من أطفالها الذين أنجبتهم. لم تسمح يومًا بأن يشعر بأنه مختلف أو غريب، بل غرست في قلبه الحب والانتماء، وكرّست سنواتها لتربية أبنائها جميعًا على الأخلاق والقوة والوفاء، بعيدًا عن المؤامرات والصراعات التي كادت تمزق العائلة.ومع مرور السنوات، تبدلت ملامح المملكة.فالمجموعة القبلية التي امتدت سلالتها عبر الأجيال، تحولت مع الزمن إلى مملكة عريقة ذات نفوذ وهيبة. هدأت الخلافات، وانطفأت نار الفتن، وعاشت القبائل في سلام طويل بعد أن أُغلقت صفحة حوراء نهائيًا. ومع ذلك

  • السقوط من حافة الهاوية   شادي ابن فوزي

    لم تمضِ ساعات طويلة حتى عثر جنود مملكة النسور على حوراء مختبئة في أعماق الغابة، منهكة ومرعوبة، وثيابها عالقة بالأغصان المبللة. كان فوزي قد اختفى تمامًا، تاركًا خلفه عشيقته تواجه مصيرها وحدها، دون أن يلتفت إلى ما قد يحدث لها.اقترب الجنود منها وأحاطوا بها من كل جانب، ثم اقتادوها بالقوة عائدة إلى المملكة. لم تحاول المقاومة؛ فقد أدركت أن أسرارها بدأت تنكشف، وأن فوزي، الذي خاطر بكل شيء من أجلها، قد تخلى عنها في اللحظة التي أصبحت فيها الحقيقة على وشك الظهور.وصلوا بها إلى شجرة الأمنيات، أقدم أشجار المملكة وأكثرها قداسة ورهبة. كانت جذورها ملتفة حول الصخور السوداء، وفروعها تمتد نحو السماء كأنها أذرع مخلوق قديم يراقب الجميع بصمت. تساقطت من أوراقها قطرات باردة على عنق حوراء، فارتجفت، ولم تعرف أكان ذلك ندى أم نذيرًا.تجمع الشيوخ والجنود وأفراد العائلة الحاكمة حولها، بينما وقف فاروق في مقدمة المكان، وملامح وجهه جامدة لا توحي بما يعتمل في داخله. وحدها قبضتاه المشدودتان كانتا تفضحان توتره.بدأ الشيوخ طقس كشف النسب، وهو طقس قديم لا يُقام إلا في الجرائم التي تمس العرش وسلالة النسور. أُحضرت الأدوات ا

  • السقوط من حافة الهاوية   كشف نسب شادي ابن حوراء

    لم يكن أحد في مملكة النسور يتخيل أن القصر، الذي طالما عُدَّ حصنًا للوفاء والأمان، يخفي بين جدرانه خيانة قادرة على اقتلاع عرش المملكة من جذوره.بعد زواجها من ولي العهد فاروق، لم تكتفِ حوراء بمكانتها إلى جواره، بل دفنت سرًا خطيرًا أخذ يكبر في الظلام يومًا بعد يوم. فقد ربطتها علاقة محرمة بفوزي، شقيق زوجها، وانتهت تلك الخيانة بحملٍ أخفته عن الجميع، ثم نُسب الطفل إلى فاروق، ولي عهد مملكة النسور وقائد قبيلة النسر الناري المقدس.لكن الأسرار، مهما أُحكم دفنها، لا تموت. إنها تنتظر اللحظة التي تجد فيها شقًا صغيرًا لتنفذ منه إلى النور.وجاءت اللحظة كالصاعقة.انكشفت الحقيقة دفعة واحدة، ووصل الخبر إلى فاروق محمّلًا بما يفوق قدرة القلب على الاحتمال. لم تكن الصدمة في خيانة زوجته وحدها، بل في أن شقيقه فوزي كان شريكًا فيها، وأن الطفل الذي حمل اسمه قد لا يكون من دمه.وما إن أدرك فوزي أن أمره انكشف، حتى فرّ خارج المملكة، تاركًا حوراء وطفلهما شادي لمواجهة العواقب وحدهما.كان شادي، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، يجلس في الجناح الغربي، يحدق في الوجوه المحيطة به دون أن يفهم لماذا انقلب العالم فجأة. لم يعرف معن

  • السقوط من حافة الهاوية   فضح المستور

    بعد عامٍ كامل من الأحداث العاصفة، أصدر السيد فؤاد الناري، إمبراطور القبيلة وزعيم قبيلة النسور الشيطانية، قرارًا بالعفو عن حوراء. لم يكن قراره نابعًا من اقتناعه ببراءتها، بل من رغبته في حماية طفلها شادي، الذي كان لا يزال رضيعًا؛ فلم يشأ أن يدفع الصغير ثمن جرائم والدته.أما خنساء، فقد تبدلت حياتها تمامًا بعد مرور عام.ففي صباحٍ مشرق، أعلن الطبيب الإمبراطوري أن خنساء وضعت توأمًا: فتاةً وولدًا. غمرت الفرحة جناحها، وحين حمل فاروق طفليه بين ذراعيه، شعر بأن القدر منحه أخيرًا عائلةً تشبه الحلم الذي طالما تمناه.اختار لهما اسمين يليقان بسلالتهما: نسر للولد، وعنقاء للفتاة.كان الطفلان نسخةً مصغرةً من والدهما؛ عيناه الخضراوان، وشعره الكثيف، وحتى الختم الأصلي الذي تحمله سلالة فاروق ظهر على معصميهما منذ ولادتهما، كوحمة واضحة لا يمكن إنكارها.تأمل فاروق طفليه طويلًا، ثم ابتسم بفخر.— هذان الطفلان ثمرة حبي لخنساء... ولن أسمح لأي شيء في هذا العالم بأن يمسّهما.لكن فرحة القصر لم تدم طويلًا.ففي خضم تلك المناسبة السعيدة، وصل فوزي، شقيق فاروق، إلى القصر. استقبلته العائلة بحفاوة، غير أن خنساء، ما إن وقعت

  • السقوط من حافة الهاوية   مكيدة حوراء

    عادت خنساء إلى جناحها بعد يوم طويل، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بثقل غريب في جسدها. كانت متعبة على نحو لم تعهده من قبل، فاستدعت الطبيب الإمبراطوري ليطمئن عليها. وبعد فحص دقيق، رفع الطبيب رأسه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.قال باحترام:— مولاتي، لديّ خبر سيغير حياتك... أنتِ حامل.شهقت خنساء، ثم وضعت يدها على بطنها.— حامل؟أومأ الطبيب، ثم أضاف بحذر:— نعم، لكن لا يمكن الجزم بعمر الحمل أو عدد الأجنّة من خلال الفحص وحده. أحتاج إلى إجراء فحص أدق، غير أن العلامات الأولية تشير إلى أنك في بدايات الشهر الثاني، وقد يكون هناك جنينان.تجمدت خنساء للحظات، ثم اغرورقت عيناها بالدموع. توأمان... وريثان صغيران ينموان في أحشائها. شعرت لأول مرة أن كل ما عانته لم يذهب سدى.لكن الخبر وصل سريعًا إلى حوراء.وحين علمت أن خنساء تحمل توأمًا، تغير وجهها بالكامل. لم تعد ترى فيها مجرد زوجة لولي العهد، بل خطرًا حقيقيًا على أحلامها في الوصول إلى كرسي الإمارة.جلست حوراء في جناحها تفكر طويلًا، ثم لمعت في عينيها نظرة شريرة.— لن أسمح لها بأن تحمل وريثين وتصبح أقوى مني.وفي تلك الليلة، نفذت خطتها

  • السقوط من حافة الهاوية   سقوط من حافة الهاوية المشتعلة

    أقام فؤاد الناري، والد فاروق وزعيم قبيلة النسور، احتفالًا مهيبًا في أنحاء القبيلة احتفاءً بقدوم الوريث الجديد. تعالت أصوات الطبول، وأُشعلت المشاعل، وامتلأت الساحة بأفراد القبيلة الذين احتفلوا بانتصار سلالة النسور واستمرار نسلها.غير أن قرارًا آخر كان يُتخذ في الخفاء، بعيدًا عن صخب الاحتفال.جلس فؤاد على كرسي الحكم، وأمامه وثيقة قديمة تحمل ختم القبيلة. كانت تنص على إلقاء خنساء في الهاوية المشتعلة، بحجة أنها لم تنجب وريثًا.دخل فاروق إلى المجلس، وما إن وقعت عيناه على الوثيقة حتى تجمد في مكانه. شعر بأن ضجيج الاحتفال انطفأ فجأة، ولم يعد يسمع سوى خفقان قلبه المتسارع.قال فؤاد بصرامة:— «وقّع يا فاروق. هذا قانون القبيلة، وأنت تعرف أن لا أحد يستطيع مخالفته.»رفع فاروق عينيه إلى والده، ثم إلى الختم الأحمر على الوثيقة. بدا له كأنه بقعة دم لم تجف بعد.— «أبي... أمهلني.»— «لا وقت للتردد. أمامك خيار واحد: أن توقّع، أو تعلن عصيانك أمام القبيلة كلها.»تعلقت أصابع فاروق بحافة الطاولة. أراد أن يعترض ويصرخ، بل أن ينتزع الوثيقة ويمزقها أمام الجميع، لكنه كان يدرك أن مخالفة قانون القبيلة تعني تحدي سلطة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status