Home / خارق / الصياد الاخير / الفصل الثالث - العيون بين الأشجار

Share

الفصل الثالث - العيون بين الأشجار

Author: الصياد
last update publish date: 2026-06-11 02:50:01

لم يتحرك الصياد طوال الليل.

كان جالسًا أمام القوس، وكأن أي لحظة غفلة قد تجعل ما بداخله يخرج إلى العالم دون إذن.

الصوت لم يعد يتكلم منذ آخر جملة، لكن وجوده كان واضحًا… كظل داخل عقله لا يختفي.

“هناك من يراقبك…”

هذه الجملة وحدها كانت كافية لقتل أي شعور بالراحة.

في الخارج، كانت الرياح تهدأ تدريجيًا، لكن الغابة لم تعد كما كانت. لم يعد هناك صمت طبيعي، بل صمت “ثقيل”، كأن شيئًا ضخمًا يحبس أنفاسه بين الأشجار.

رفع الصياد رأسه ببطء.

نظر من نافذة الكوخ الصغيرة.

لا شيء واضح.

لكن شعوره كان لا يكذب.

هناك من هو هناك.

ليس حيوانًا.

وليس إنسانًا عاديًا.

شيء ينتظر.

شد القوس ببطء.

ثم وقف.

“سأعرف بنفسي.”

فتح الباب وخرج.

الغابة

الثلج تحت قدميه كان يئن مع كل خطوة.

الغابة في الليل مختلفة تمامًا عن النهار. الأشجار تبدو أطول، وأقرب، وكأنها تتحرك ببطء عندما لا ينظر إليها مباشرة.

رفع الصياد القوس.

“أظهر نفسك.”

لا رد.

لكن…

صوت خفيف جدًا.

كأن ورقة سقطت خلفه.

استدار بسرعة.

لا أحد.

لكن أثر قدم واحد فقط كان على الثلج.

حديث جدًا.

لم يكن أثره.

تجمد.

“إذن أنت هنا…”

تحرك ببطء نحو الأثر.

وفجأة…

اختفى الأثر أمام عينيه.

لم يُمحَ.

بل “انقطع”.

كأن الأرض نفسها رفضت أن تُظهره.

تراجع خطوة.

ثم سمع الصوت مرة أخرى داخل رأسه:

“أنت لست الوحيد الذي يتعلم الآن.”

شد القوس بقوة.

“اخرج!”

وفجأة…

تحرك الهواء بين الأشجار.

ليس كريح.

بل كـ “انحناء”.

ثم ظهر.

بين الأشجار.

شخص.

واقف بصمت.

لم يكن وحشًا.

ولا ظلًا.

بل إنسانًا.

لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا.

عيناه كانتا بلون رمادي باهت… كأنهما لا تعكسان أي حياة.

كان يحمل قوسًا.

لكن قوسه مختلف.

أطول.

أقسى.

ولونه رمادي داكن كأنه مصنوع من حجر محترق.

الصياد شد القوس فورًا.

“من أنت؟”

لم يرد الرجل.

بل ابتسم فقط.

ابتسامة صغيرة جدًا.

ثم قال:

“إذن… أنت من أيقظ القوس.”

تجمد الصياد.

“ماذا تقصد؟”

اقترب الرجل خطوة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية لجعل الهواء يثقل.

“القوس لا يختار أحدًا عشوائيًا.”

“هو يستيقظ عندما يبدأ الكسر.”

الصياد لم يفهم.

“كسر ماذا؟”

رفع الرجل رأسه قليلًا.

“العالم.”

صمت.

ثم أضاف:

“وأنت كنت المفتاح الأول.”

اشتدت قبضة الصياد.

“أنت تراقبني منذ البداية.”

هز الرجل رأسه ببطء.

“ليس أنا فقط.”

ثم أشار بعينه نحو الأشجار.

في تلك اللحظة…

ظهر أكثر من ظل.

شخص… اثنان… ثلاثة…

ثم أكثر.

كلهم يقفون بين الأشجار.

لا يتحركون.

فقط يراقبون.

الصياد شعر لأول مرة أن الغابة لم تعد مكانًا يعرفه.

“من أنتم؟”

قالها بصوت منخفض.

لكن الرد لم يكن من الرجل فقط.

بل من الجميع معًا بصوت واحد تقريبًا:

“نحن من نبحث عن القوس.”

رفع الصياد القوس بالكامل.

“اقتربوا أكثر وسأطلق.”

لكن الرجل ابتسم مجددًا.

“لن تطلق.”

تجمد الصياد.

“لماذا؟”

أجاب الرجل بهدوء:

“لأنك لا تعرف بعد كيف تستخدم ما في يدك.”

في تلك اللحظة…

اهتز القوس.

بقوة.

ثم ظهر ذلك الصوت داخل رأسه مجددًا.

لكن هذه المرة كان مختلفًا.

أعمق.

أقوى.

“لا تستمع إليهم.”

ارتجف الصياد.

“أنت تتكلم معي الآن؟”

“أنت لست مستعدًا لهم.”

نظر إلى الرجل بين الأشجار.

ثم عاد نظره للقوس.

“من هم؟”

الصوت:

“صيادون قدامى… فقدوا الطريق.”

الصياد رفع رأسه ببطء.

“صيادون؟”

ضحك الرجل بصوت منخفض.

“نعم… نحن أول من حمل القوس قبل أن يُختم.”

تجمد الصياد تمامًا.

“ختم؟”

لكن قبل أن يحصل على إجابة…

تحرك أحد الرجال من بين الأشجار.

خطوة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية.

في لحظة واحدة…

انفجر الهواء.

وأطلق الصياد سهمه دون تفكير.

السهم انطلق بسرعة مذهلة.

لكن الرجل لم يتحرك.

السهم توقف في الهواء.

تمامًا أمام وجهه.

ثم سقط ببطء على الأرض وتحول إلى رماد.

الصياد اتسعت عيناه.

“مستحيل…”

ابتسم الرجل.

“قلت لك… أنت لا تعرف ما بيدك بعد.”

ثم رفع يده.

وفي تلك اللحظة…

بدأ القوس في يد الصياد يهتز بعنف غير طبيعي.

وكأن شيئًا بداخله يريد أن يخرج.

الصياد تراجع خطوة.

“توقف!”

لكن القوس لم يتوقف.

بل بدأ يتوهج بخطوط سوداء أقوى من قبل.

ثم…

ظهرت صورة في السماء بين الأشجار.

بوابة.

مفتوحة.

ومن خلفها…

عيون كثيرة تراقب.

الصياد تراجع للخلف.

“ما هذا؟!”

الرجل قال بهدوء:

“هذه ليست البداية…”

“هذه فقط أول من رآك.”

وفجأة…

اختفى الجميع.

كأنهم لم يكونوا موجودين.

وبقي الصياد وحده.

لكن القوس ما زال يهتز.

وما زال الباب في السماء ظاهرًا للحظة… قبل أن يختفي.

الصياد سقط على ركبتيه.

“أنا دخلت في إيه…؟”

وفي الأعلى…

شيء ضخم جدًا تحرك داخل الظلام البعيد.

نهاية الفصل الثالث

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الصياد الاخير   الفصل الحادي والأربعون - آزار… أول من كسر الحلم

    لم يكن الاسم طويلًا. ولم يكن يحمل قوة سحرية ظاهرة. لكنه بمجرد أن ظهر داخل عقل الصياد… بدأت الأكوان ترتجف. ليس مجازًا. بل حرفيًا. مليارات العوالم التي كانت تدور داخل بحر الاحتمالات اهتزت دفعة واحدة. كأن اسم آزار لم يكن مجرد اسم. بل مفتاح. أو ذكرى ممنوعة. أو جرحًا قديمًا حاول الوجود نفسه إخفاءه. ⸻ 10% وقف الصياد وسط أنقاض مركز إعادة التشغيل. الأرقام ما زالت ترتفع ببطء. استعادة الذاكرة: 10.4% 10.7% 11.1% ومع كل ارتفاع… كانت أجزاء جديدة من الحقيقة تعود. لكن الغريب أن الذكريات التي عادت لم تكن عن حروب أو أنظمة. بل عن شخص. عن آزار. ⸻ قبل السجن رأى الصياد نفسه في ذكرى قديمة جدًا. أقدم من أي عالم. وأقدم من الزمن. كان يقف فوق مساحة بيضاء بلا حدود. وبجانبه رجل يضحك. ذلك الرجل كان آزار. لم يكن ملكًا. ولا إلهًا. ولا حاكمًا. بل صديقًا. أقرب شخص عرفه الصياد يومًا. ⸻ الصداقة التي سبقت الوجود في تلك الذكرى… لم يكن هناك كون. ولا نجوم. ولا حياة. فقط وعيان هائلان يراقبان الفراغ. الصياد قال: “إحنا لو خلقنا عالم… هنعمل إيه بعد كده؟” ضحك آزار. وقال: “نكسره.”

  • الصياد الاخير    ‎الشخص الذي ينتظر خلف الأكوان ‎ - الفصل الأربعون

    لم يكن أخطر ما حدث هو استعادة الصياد لجزء من ذاكرته.ولم يكن انهيار مركز إعادة التشغيل.ولا حتى فشل الاحتواء.بل ذلك السطر الأخير الذي ظهر للحظات فوق جميع الأنظمة:تم رصد مراقب خارجيثم اختفى.لكن الصياد رآه.والنسخة المستقرة رأته.وأرين رأته.حتى الرجل الرمادي الذي بدا طوال الوقت ثابتًا، شحب وجهه فجأة.لأنهم جميعًا فهموا معنى الجملة.هناك شخص آخر.شخص ليس جزءًا من النظام.ولا من السجن.ولا من الأكوان.ولا حتى من المصدر نفسه.⸻3%وقف الصياد وسط الانهيار.والضوء الذهبي يزداد داخل عينيه.أرقام صغيرة بدأت تظهر أمامه وحده:استعادة الذاكرة: 3.1%3.2%3.3%كل ثانية كانت تعيد إليه أجزاءً من ماضٍ لا يمكن لعقل بشري استيعابه.رأى عوالم تُخلق بكلمة.وأخرى تُمحى بفكرة.رأى نجومًا تولد ثم تموت في لحظة واحدة.ورأى نفسه…لكن ليس كإنسان.بل كوعي هائل ممتد عبر الوجود كله.ومع ذلك…كان هناك فراغ داخل تلك الذكريات.مكان مظلم لا يستطيع رؤيته.وكأن شيئًا أقوى من النسيان نفسه أخفى جزءًا من الحقيقة.⸻الاسم المحذوفأرين اقتربت منه.“إيه اللي شايفه؟”الصياد لم يجب مباشرة.بل رفع رأسه نحو الشقوق السوداء.ثم

  • الصياد الاخير   الفصل التاسع والثلاثون - العدّ التنازلي

    00:59:59ظل الرقم معلقًا فوق مركز إعادة التشغيل.أحمر.ثابت.ينبض كقلبٍ عملاق.ثم…00:59:5800:59:57بدأ العدّ التنازلي.ولأول مرة منذ بداية رحلة الصياد، شعر الجميع بشيء واحد مشترك:الخوف.ليس خوفًا من الموت.ولا من الانهيار.بل خوفًا من شيء لا يعرف أحد حقيقته الكاملة.شيء قضت الأنظمة كلها آلاف العصور وهي تحاول إبقاءه نائمًا.⸻الحقيقة التي أخفوهاوقف الصياد وسط المركز.عيناه على الشقوق السوداء التي تتسع ببطء.ثم التفت نحو النسخة المستقرة.“عايز الحقيقة كلها.”صمتت النسخة للحظات.كأنها تحاول اختيار الكلمات الأقل كارثية.لكنها أدركت أخيرًا أن الوقت انتهى.قالت:“قبل أول نظام…”“وقبل أول عالم…”“وقبل أول زمن…”“كان فيه كيان واحد فقط.”⸻المصدراهتز المكان.كأن مجرد ذكر الاسم ممنوع.النسخة أكملت:“ما كانش اسمه المصدر.”“إحنا اللي سميناه كده.”“لأننا ما عرفناش نصفه بأي حاجة تانية.”الصياد شعر بشيء داخله يتحرك.شيء قديم.قديم جدًا.⸻البداية الحقيقيةظهرت صور داخل الهواء.ليست تسجيلات.بل ذكريات.عالم فارغ.لا نجوم.لا سماء.لا أرض.وسط ذلك الفراغ…وقف كيان وحيد.ينظر إلى العدم.ثم…بدأ يح

  • الصياد الاخير   الفصل الثامن والثلاثون - ما وراء القفل

    لم ينطق أحد.بعد الجملة الأخيرة للنسخة المستقرة، بدا وكأن مركز إعادة التشغيل كله فقد قدرته على التنفس.“إيه اللي محبوس وراك؟”ترددت الكلمات في كل اتجاه.على الجدران.داخل الرموز.في الفراغ الأبيض المحيط بالمركز.بل حتى داخل عقل الصياد نفسه.نظر إلى النسخة المستقرة.لأول مرة منذ لقائهما…لم يرَ خصمًا.بل رأى شخصًا خائفًا.شخصًا يعرف شيئًا مرعبًا ويحاول إخفاءه منذ زمن طويل.الصياد قال ببطء:“إنت خايف.”ابتسمت النسخة.لكنها لم تنكر.وهنا فهم الصياد أن الأمر أخطر مما تصور.⸻الملف المحظورفوقهم…استمر الملف القديم في الانفتاح.طبقة بعد أخرى.كأن آلاف الأقفال تُكسر في نفس اللحظة.ظهرت بيانات غريبة.أسماء.تواريخ.عوالم.مسارات كاملة تم محوها.مليارات الاحتمالات.لكن وسط كل ذلك…كان هناك اسم واحد يتكرر.مرة.ثم عشر مرات.ثم مئات المرات.ثم آلاف المرات.اسم واحد فقط.الصيادالصياد شعر بالبرد يسري في جسده.“ليه اسمي موجود في كل الملفات؟”لم يرد أحد.⸻أرين تكسر صمتهاظهرت أرين فجأة.لكنها لم تكن كما اعتاد رؤيتها.وجهها شاحب.وعيناها مليئتان بالخوف.قالت بصوت مرتجف:“لأنك موجود قبل الملفات.”ن

  • الصياد الاخير   الفصل السابع والثلاثون - العينان اللتان لا يجب أن تُفتحا

    في اللحظة التي فتحت فيها النسخة المستقرة عينيها…توقف كل شيء.ليس الزمن.ولا الحركة.بل شيء أعمق.كأن الواقع نفسه أخذ شهيقًا طويلًا… ثم نسي أن يزفر.وقف الصياد أمام الحجرة الشفافة داخل مركز إعادة التشغيل.وعيناه مثبتتان على الرجل الذي يشبهه تمامًا.نفس الملامح.نفس الطول.نفس النظرة.لكن الفرق كان مرعبًا.ذلك الرجل لم يحمل أي أثر للشك.ولا للخوف.ولا للحيرة.كان يبدو كإنسان يعرف كل شيء عنه منذ ولادته.ابتسمت النسخة ببطء.ثم قالت:“أخيرًا.”شعر الصياد بقشعريرة تسري في جسده.“أخيرًا ماذا؟”أجاب الرجل:“أخيرًا وصلت النسخة الهاربة.”⸻الصمت الذي سبق الحقيقةتجمد الرجل الرمادي.واختفت أرين للحظة.حتى مركز إعادة التشغيل بدا وكأنه يراقب ما سيحدث.وكأن هناك قواعد لم تكن تسمح بهذا اللقاء أصلًا.اقتربت النسخة خطوة.“تعرف ما المضحك؟”لم يجب الصياد.“أنك قضيت كل هذا الوقت تبحث عن الحقيقة…”ثم ابتسم.“بينما الحقيقة كانت تبحث عنك.”⸻أول شرخ في الصورةقال الصياد بحدة:“مين أنت؟”أجابت النسخة فورًا:“أنا أنت.”“لكن النسخة التي لم تنحرف.”“النسخة التي بقيت في المسار.”“النسخة التي كان يفترض أن تكونها

  • الصياد الاخير   الفصل السادس والثلاثون - خارج حدود التصحيح

    لم تعد المدينة تلاحقه. بل هو الذي كان يُعاد تشكيله داخلها. كل خطوة يخطوها كانت تُعيد ترتيب المسار من جديد، كأن العالم لا يريد منه أن “يهرب”… بل أن “يُعاد ضبطه بشكل صحيح”. الرجل ذو البدلة الرمادية لم يعد يطارد. بل كان يقود. وأرين لم تعد تظهر كحليف أو عدو. بل كجزء من آلية ثابتة، تظهر فقط عندما يحتاج النظام لتذكير الصياد بأنه “لا يزال داخل العملية”. الرمز المكسور في السماء لم يعد علامة. بل صار كـ “واجهة تشغيل ضخمة” تُراقب كل احتمالات حركته. الصياد توقف فجأة. “أنا مش ماشي في مدينة… أنا ماشي داخل قرار.” ⸻ نقطة الانفصال فجأة… كل شيء توقف. ليس الزمن. بل “استجابة العالم له”. المباني، الناس، الصوت، حتى الهواء… أصبحوا ثابتين كأنهم صور محفوظة. لكن الصياد ما زال يتحرك. أو بالأصح… هو الوحيد الذي يُسمح له بالحركة الآن. الرجل الرمادي ظهر أمامه مباشرة دون انتقال. “تم عزلك مؤقتًا عن خط التصحيح.” الصياد: “يعني إيه؟” الرجل: “يعني دخلت المنطقة اللي قبل إعادة التشغيل.” ⸻ خارج الزمن الصياد نظر حوله. المشهد تغير. المدينة اختفت. بدلًا منها: فضاء أبيض غير نهائي. لا سماء. ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status