/ مافيا / الظل / أنفاس تحت الركام

공유

أنفاس تحت الركام

last update 게시일: 2026-05-28 06:42:34

خلف الحاجز الزجاجي السميك، المصقول، والبارد لقبو القصر الطبي، كانت عقارب الساعة الجدارية المعدنية الضخمة تتحرك بإيقاع متباطئ، خانق، وأشبه بضربات مطرقة ثقيلة تهشم ما تبقى من تماسك إيلينا النفسي. كانت الإضاءة النيونية البيضاء الساطعة، والمسلطة بكثافة فوق سرير العمليات في الداخل، تعكس مظهر أليساندرو بكامل تفاصيله المروعة والمهيبة؛ جسده الضخم والقوي كان ممدداً بكامل طوله كجثة لملك قديم عُثر عليها تحت أنقاض مدينة محترقة طواها الرماد. كان صدره العريض العاري يرتفع وينخفض بآلية واهنة ومصطنعة تحت تأثير قناع الأكسجين البلاستيكي الملتصق بوجهه الشاحب، بينما كانت الأنابيب الطبية الرفيعة والمحاقن تتغلغل في أوردة يده الموشومة بشعار الخنجر والتاج، تضخ فيها سائل الحياة الأحمر البديل الذي تبرع به حراسه الشخصيون في الغرف المجاورة سراً.

كانت إيلينا تقف متجمدة في مكانها، ووجهها يكاد يلامس سطح الزجاج البارد الذي بدأت تتشكل فوقه طبقة رقيقة من بخار أنفاسها القصيرة المتسارعة. كانت يداها النحيلتان معلقتين أمام صدرها، وأصابعها التي غسلت عنها آثار الفحم والدم تلتصق بالزجاج بقوة، وترتعش قسراً كلما رأت حركات الطبيب الجراح العجوز ومساعدوه، وهم يتحركون بصرامة وصمت حول خاصرته الأيمن. كانت الأدوات المعدنية الحادة والمقاصد تصدر أصوات رنين حاد وصغير يتردد صداه عبر مكبرات الصوت الداخلية لقاعة المراقبة، ممتزجاً بالصوت الرتيب والمقلق لجهاز ضربات القلب الذي كان يعلن عن تذبذب خطير في مؤشر وعي الزعيم الشاب، تذبذب يجعل الأنفاس تتراجع في الصدور خوفاً من تلك اللحظة التي قد يتوقف فيها كل شيء.

انحدرت دمعة ساخنة وطويلة فوق وجنتها الشاحبة، لكنها لم تمسحها؛ بل ظلت عيناها العسليتان تحدقان في الجرح المفتوح الذي كان الجراح يقوم بتنظيفه وإعادة رتقه بغرز عميقة ودقيقة. كان المشهد سيكولوجياً حاداً ومؤلماً لدرجة جعلت أحشاءها تنقبض؛ فهذه الدماء التي تسيل، وهذا الجسد الذي يتفتت تحت مباضع الأطباء، لم يكن سوى نتاج تلك اللحظة الخاطفة في الجناح الشرقي، اللحظة التي اختار فيها وحش الشمال أن يجعل من كبريائه وقوته درعاً ليفتدي طهرها ونقاءها من رصاص الخيانة. كانت الغرفة ممتلئة بالحركة الصامتة للأطباء، وممرات القبو غارقة في استنفار أمني مطبق، لكن داخل وعي إيلينا كان هناك صمت آخر، صمت يجمع بين ركام الليلة العاصفة وتفاصيل هذا الرجل الملقى أمامها كأنه صخرة حطمها القدر.

تأملت خطوط وجهه الحادة عبر الزجاج؛ جبهته العريضة التي كانت قبل ساعات تشع بحرارة الحمى، فكه العريض المتشنج حتى في غيبوبته، والندبة الصغيرة التي تزين وجنته اليسرى كرمز لمعاركه القديمة. كانت تشعر بأن الهواء من حولها يضيق، وأن الجدران الخشبية والرخامية للقصر لم تعد مجرد جدران سجن، بل تحولت إلى برزخ يجمع مصيرها بمصيره بسلاسل غير مرئية. كل حركة للمشرط داخل جسده كانت تبدو وكأنها تقطع جزءاً من براءتها القديمة، وكل قطرة دم تسقط منه كانت تكتب سطراً جديداً في رواية هوسه التي فرضت شروطها القاسية على حياتها الساكنة.

كيف يمكن لرجل بهذه القسوة وهذا الجبروت أن يصبح واهناً كقطعة قماش ممزقة تحت الضوء الأبيض؟ لقد خطفني، وسلبني حريتي، وجعل من بيتي مسلخاً، ومع ذلك.. أنا هنا أقف ساهرة، وأدعو الله ألا تنطفئ أنفاسه تحت ركام هذه الليلة. هل هذا الخوف الذي يعتصر قلبي هو خوف على سحري الآمن، أم أنه بداية لتعلق غامض ومخيف بهذا الظل الذي طوق روحي؟ لقد ماتت الفتاة التي كنتُها قبل أيام، ودُفنت براءتي تحت ركام جدراني المحطمة، وأنا اليوم أتنفس هواء المافيا، وأطهر يدي بدمائهم، وأدرك بغصة حارقة في صدري أن خيوط قدري قد نُسجت بحبر واحد مع قدر أليساندرو، وإذا انقطعت أنفاسه الليلة.. فسينهار عالمي بأسره في قاع جحيمهم. إنني أرى حياتي السابقة تبتعد كلوحة فنية سُكبت فوقها ألوان سوداء، ولم يعد أمامي سوى الانتظار خلف هذا الزجاج، مراقبة الرجل الذي جعل من موته درعاً لولادتي الجديدة.

سارت خطوات بطيئة وخافتة خلفها، ليتوقف ماركو بجانبها مباشرة. كان قد خلع سترته الرسمية الفاخرة، وبدا قميصه الأبيض ملوثاً ببعض بقع الغبار والدم الجاف، وعيناه القاسيتان تحملان ملامح وجع حقيقي وإنهاك شديد كسر صرامة تقاطيعه العضلية الطاغية. نظر عبر الزجاج إلى أليساندرو بركود يملؤه الولاء المطلق، ثم التفت نحو إيلينا بنظرة يملؤها الاحترام العارم والتقدير المكبوت لشجاعتها وأنفتها التي جعلتها تقف في قلب هذا الجحيم دون أن تنكسر بالكامل.

تحدث ماركو بصوت منخفض، رخيم، ويحمل بحة الإنهاك التي صبغت الليلة بنبرة من الترقب: "الطبيب يقول إن النزيف الداخلي كان غزيراً، لكن بنية أليساندرو العضلية القوية وقدرة جسده الهائلة على الصمود قد منحتا الأطباء الوقت الكافي لإغلاق الشريان الممزق. الغرز الطبية الجديدة أعمق وأكثر ثباتاً، وإذا مرّت الساعات الثلاث القادمة دون حدوث انتكاسة في ضربات قلبه، فستتراجع الحمى ويعود الظل إلى عالمنا بكامل عافيته وسلطته التي يحتاجها الإقليم لإعادة فرض النظام بالدم."

لم تلتفت إيلينا إليه، وظلت عيناها العسليتان مثبتتين على السرير، وقالت بنبرة خافتة مشوبة بالشجن والوجع المرير: "لماذا فعل ذلك يا ماركو؟ لماذا خاطر بحياته وبوجود عائلته بأكملها لأجل امرأة خطفها وحبسها في قفص ذهبي؟ الرجال مثله لا يفتدون أحداً دون مقابل، ولا يضحون بنفوذهم لأجل براءة امرأة عادية لا تملك سلاحاً ولا مالاً ولا جاهاً في عالمكم المظلم."

أخذ ماركو نفساً عميقاً، وأسند يديه الثقيلتين على الحافة المعدنية للزجاج، ونبس بصوت يحمل صدى الحكايات القديمة لسراديب فلورنسا: "الرجال مثله يا إيلينا يعيشون في وسط الخيانة منذ طفولاتهم اليتيمة. أليساندرو لم يرَ في حياته سوى الأيدي التي تمتد لتسرق نفوذه، والعيون التي تخفي خلفها الخبث والغدر والمؤامرات السياسية. عندما سقط على عتبة بابكِ في الليلة العاصفة الأولى، لم تكوني تعرفين هويته، ولم تكوني تطلبين أمواله أو تخافين بطشه؛ بل منحتِهِ أصابعكِ الناعمة والباردة لتخيط جرحه وتطرد الوحوش والأشباح من عقله الشارد بدافع من طهر إنسانيتكِ ونقائكِ الصرف الذي لا مصلحة فيه."

تابع ماركو وهو يثبت نظراته على وجه أليساندرو الشاحب: "هذا النقاء يا إيلينا هو الشيء الوحيد الذي يعجز أليساندرو عن شرائه بنفوذه أو إخضاعه ببطشه، وقد تحول هذا النقاء إلى هوس أعمى وتملك مطلق في أعماق روحه الملتوعة. لقد جعل من حمايتكِ واجبه الشخصي وقانونه الخاص، لأنه يدرك في قرارة نفسه أنه إذا سمح للموت بأن ينال من نقائكِ.. فستنطفئ الشعلة الوحيدة التي تضيء ظلام روحه، وسيتلاشى الظل الذي يحميه من الانهيار الكامل أمام الخونة."

انقبض قلب إيلينا من كلمات ماركو الصادقة والقاسية في آن واحد؛ فهذا الهوس الذي يملأ صدر أليساندرو تجاهها ليس مجرد رغبة أنانية في السيطرة الجسدية، بل هو حاجة وجدانية وسيكولوجية حادة لنقائها، حاجة جعلته مستعداً للموت والنزيف لأجل الاحتفاظ بها بجانبه داخل أسوار قلعته. شعرت برغبة عارمة في الابتعاد عن هذا الحديث الذي يعمق قيودها؛ فسارت بخطوات واهية متثاقلة نحو حوض غسيل صغير يقع في زاوية قاعة المراقبة المظلمة.

فتحت صنبور المياه الباردة، ووضعت كفيها النحيلتين تحت التدفق المائي الجاري. بدأت تدعك أصابعها بالصابون والمطهر الطبي بعنف وقسوة، كأنها تحاول غسل بقايا إحساس دمه الدافئ الذي علق بجلدها، وآثار الفحم الأسود الذي رسمت به ملامحه البارحة. كانت تراقب الماء الأحمر والرمادي وهو ينساب في البالوعة ويتلاشى في عتمة الأنابيب، وشعرت بأن براءتها وعزلتها القديمة تنزلقان مع ذلك الماء إلى غير رجعة، لتتركا مكانها لامرأة جديدة، امرأة أصبحت أنفاسها تحت ركام القصر معلقة بنبضات قلب رجل المافيا الشاب، نبضات ترقبها بعينين قرحهما السهر والوجع الصرف.

عادت ووقفت خلف الزجاج مجدداً، وكانت الساعات تمر ببطء قاتل يعصر الأرواح. كان الأطباء في الداخل يواصلون عملهم بدقة بالغة؛ يضعون الضمادات البيضاء الثقيلة حول خاصرته وصدره، وينظمون تدفق محاليل الدم والأدوية عبر الأنابيب الرفيعة. بدأت ضربات جهاز القلب تستقر تدريجياً، وتحول المؤشر المضطرب والسريع إلى خطوط منتظمة وثابتة تعلن عن نجاح العملية الجراحية وتراجع خطر الفناء العاجل عن جسد أليساندرو الفاره. قام الأطباء بـإزالة قناع الأكسجين البلاستيكي الكبير واستبداله بأنبوب أنفي رفيع للتنفس، وبدأت بشرته الشاحبة كالموت تكتسي بحمرة دافئة خفيفة تعكس عودة الحياة واستقرار الدورة الدموية في مسارها الطبيعي الصارم.

تنفسّت إيلينا الصعداء ببطء شديد، وشعرت بحمل هائل ينزاح عن صدرها المنهك، حمل كاد أن يخنق رغبتها في البقاء. غادر الأطباء الغرفة بعد أن وضعوا أليساندرو في حالة من النوم العميق والآمن للراحة، وفتح ماركو الباب الزجاجي المؤدي لغرفة العناية، والتفت نحوها قائلاً باحترام وعمق: "لقد انتهت المعركة الليلة يا إيلينا. أليساندرو تجاوز مرحلة الخطر وهو الآن بحاجة إلى الراحة ليستعيد قوته، وأنتِ بحاجة أشد للنوم وتناول الطعام بعد كل هذا الإنهاك الشامل والصدمات المتتالية. جناحكِ الشرقي تم إغلاقه بالكامل لبدء عمليات الترميم وإزالة آثار الانفجار، وقد جهزتُ لكِ جناحاً خاصاً في الجناح الغربي الفاخر، بجانب غرفته مباشرة، لتبقي قريبة منه وتحت الرعاية الأمنية المشددة بناءً على الأوامر الصارمة لحمايتكِ."

نظرت إلى أليساندرو الراقد بسلام نسبي فوق السرير، وشعرت بثقل جفونها يعود ليفرض عليها إغلاقاً إجبارياً من فرط التعب الجسدي والنفسي الذي عاشته طوال الساعات الماضية. لم تجبه بكلمة؛ بل سارت بخطوات آلية ميتة خلف أحد الحراس الشخصيين الذي قادها صعوداً عبر الأدراج المخفية نحو الجناح الغربي الفاخر. دخلت غرفتها الجديدة التي كانت تنضح برائحة أثاث أثري دافئ ومدفأة مشتعلة تلقي بظلال وردية على السقف المرتفع. ارتمت فوق السرير الحريري العاجي بكامل ثيابها الملوثة بقايا غبار الليلة، واستسلمت لنوم عميق خاوٍ من الأحلام من فرط الإنهاك الشامل، تاركة خلفها أنفاس الظل تستقر تحت ركام الليلة العاصفة، بانتظار الفجر الجديد الذي سيشهد يقظة الوحش وانقشاع العاصفة بالكامل لتبدأ سطور الفصل الأكثر تداخلاً وعمقاً في رواية الهوس والنار التي كُتبت بحبر من الدم والرماد.

أمضت إيلينا ساعات نومها وتلك الأنفاس تحت الركام تعيد صياغة المشاعر في وعيها الباطن الساكن؛ فكل تفصيلة جرت البارحة كانت تؤكد لها أن القيود التي تربطها بأليساندرو لم تعد قيود جدران وأبواب نحاسية فقط، بل أصبحت قيود أرواح تتداخل في العتمة لتصنع قدراً مشتركاً لا فكاك منه. كان القصر في الخارج يلفه هدوء حذر، ورجال النخبة يطهرون الممرات ويعيدون التحصينات الأمنية، مستعدين للمواجهة الكبرى التي يعلمون أنها قادمة مع عائلة ليون بالخارج. ومع أولى خيوط الصباح الفضي التي بدأت تتسلل عبر النوافذ الزجاجية العريضة، بدأت جفون أليساندرو تتحرك ببطء شديد في غرفته المجاوِرة، لتعلن عن انتهاء معركة القبو وبدء معركة الوعي واليقظة التي ستجمع النقاء والنار مجدداً تحت ضوء النهار الساطع.

كانت الدماء في عروق أليساندرو تسير بثبات الآن، والضمادات البيضاء تحمي جرح خاصرته المفتوح الذي أصلحته أيدي الأطباء، لكن عقله الشارد لم يكن يحلم بالنفوذ أو الانتقام؛ بل كان يبحث في عتمة نومه عن صورة الفتاة ذات العينين العسليتين، الفتاة التي غسلت دموعها غبار الليلة، وجعلت من وجودها الترياق الوحيد الذي يعيد الظل إلى عالم الأحياء. انقشعت العاصفة الطبية، وبقيت الأنفاس مستقرة تحت الركام، تعلن عن بداية الهدنة الصامتة والمريرة التي ستغير ملامح الكبرياء والعناد في قلعة الكامورا، وتضع حارسة التاريخ وجهاً لوجه أمام عواطف الوحش الذي افتداها بحياته، لتكتمل ترانيم الرماد المشتعل بحبر لا يمكن لمياه المطر أو دموع القهر محو أثره من سجلات مصيرهم المشترك.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status