انقشعت عتمة الليل القاسية عن تلال فلورنسا ببطء شديد، ليحل محلها فجر شاحب يحمل لون الرماد والفضة الباردة. كان رذاذ المطر قد توقف تماماً، لكن الضباب الكثيف ظل يلف أشجار السرو العتيقة المحيطة بالقصر، كأنه كفن طبيعي يخفي خلفه مؤامرات رجال الدم. داخل الجناح الشرقي، كانت إيلينا لا تزال مستلقية فوق الأرضية السجادية الوثيرة بجانب صناديق مرسمها المفتوحة. فتحت عينيها العسليتين المنهكتين على وقع شعاع ضوئي باهت تسلل عبر النوافذ المرتفعة، لتشعر بكل أنش من جسدها الرقيق يتألم؛ وجنتها لا تزال تحمل أثر الصفعة القاسية، وشفتها الممزقة تؤلمها مع كل حركة، وجوعها الذي يمتد ليومين جعل أطرافها باردة وخائرة القوى تماماً.
قامت ببطء شديد، مستندة بحافة الصندوق الخشبي، ومسحت خصلات شعرها الكستنائي المتمردة عن وجهها الشاحب. نظرت حولها إلى الفخامة العاجية الباردة التي تطوقها؛ لم يكن هناك صوت، ولم تكن هناك حركة، فقط حطب المدفأة الذي تحول إلى رماد أسود بارد يعكس طبيعة حياتها الجديدة. سارت بخطوات واهية متثاقلة نحو الطاولة، وتأملت الصينية الفضية التي تجمدت فوقها الأطعمة الفاخرة، وشعرت بغصة حارقة في حلقها. كانت تدرك أن جسدها بدأ يضعف، لكن كبرياءها ونقاءها كانا يمنعانها من مد يدها إلى طعام سجانها.
وفي وسط هذا السكون المطبق، سُمع صوت حركة مفاجئة عند الباب النحاسي للجناح. لم تكن طرقات الخادمات المعتادة؛ بل كانت طرقات منتظمة وثقيلة تحمل نبرة من التردد والاضطرار. تراجعت إيلينا خطوات إلى الوراء بحركة غريزية يملؤه الخوف، وضمت كفيها المرتجفتين إلى صدرها، وعيناها العسليتان تراقبان الباب وهو يُفتح ببطء بعد أن أدار أحدهم المفتاح من الخارج.
لم يكن المقتحم أليساندرو؛ بل كان (ماركو)، الذراع الأيمن للزعيم. كان يبدو مغايراً تماماً لطبيعته الصارمة القاسية التي ظهر بها في ليلة المجزرة؛ كان مجهداً، وعيناه تحملان قلقاً حقيقياً كسر كبرياء عضلاته الفارهة، وسترة بذلته السوداء كانت مفتوحة بإهمال. وقف عند العتبة، ونظر إلى إيلينا بنظرة لم تعهدها منه من قبل؛ نظرة توسل واستعطاف مخفية خلف وقاره العسكري.
خطا ماركو خطوتين إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم نزع قبعته السوداء بيده ووضعها فوق صدره، ونحنح بصوت متحشرج يحمل بحة الإنهاك، وتحدث بنبرة منخفضة باللغة الفصحى الرصينة: "آنسة إيلينا.. أنا أعتذر عن اقتحام عزلتكِ، لكنني لم آتِ إلى هنا اليوم بصفتي رجلاً من رجال الكامورا، بل جئتُ كإنسان يستجير بنقائكِ لإنقاذ حياة رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة في الجانب الآخر من هذا القصر."
تسمرت إيلينا في مكانها، وانقبض قلبها بعنف بين أضلعها. ورغم المرارة والكره الذي تكنه لهؤلاء الرجال الذين دمروا مرسمها، إلا أن غريزتها الطبية والإنسانية استيقظت فجأة. تملكتها دهشة عارمة من رؤية ماركو، الرجل الثاني في الإقليم، يقف أمامها شبه منكسر.
ثبتت نظراتها العسلية عليه، وقالت بصوت واهن لكنه يحمل نبرة من الكبرياء والجفاء المكبوت: "ما الذي تريده مني يا سيد ماركو؟ أنا لستُ سوى أسيرة خطفها زعيمكم قسراً وحبسها في هذا القفص الذهبي الفاخر. بيتي تحول إلى مسلخ بسببكم، ولوحاتي دُمرت، فما الذي يمكن لمرممة لوحات عاجزة ومسلوبة الحرية أن تقدمه لرجال يملكون الموت بكلمة من شفاههم؟"
أخذ ماركو نفساً عميقاً، وخطا خطوة إضافية نحوها، وعيناه ترجوانها بصدق تراجع معه جبروته: "أعلم أننا دمرنا عالمكِ، وأعلم أن كرهكِ لنا مبرر وقاسٍ، لكن الدون أليساندرو.. يموت ببطء في غرفته. الحمى تلتهم جوفه منذ البارحة، والجرح في خاصرته قد تمزق وانفتح بالكامل بسبب المجهود العنيف الذي بذله لحملكِ وحمايتكِ من رجال عائلة ليون. الدماء تسيل منه، والتسمم يوشك أن ينتشر في جسده."
توقفت الأنفاس في حنجرة إيلينا، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري. تذكرت تفاصيل ذلك الجرح الفظيع الذي خاطته بيديها تحت المطر، وتخيلت كيف يمكن لجسده الضخم القوي أن يتفتت الآن بسببها.
تابع ماركو بصوت يملؤه الوجع والإخلاص لصديق عمره: "الطبيب الخاص هنا، ومعه كل الأدوية، لكن أليساندرو يرفض بشكل قاطع وجنوني السماح لأي إنسان بلمس جرحه أو إعادة خياطته. إنه يعيش في هذيان الحمى، ويردد اسمكِ بين حشرجات صدره. إنه يرى أن الغرز التي وضعتِها أنتِ بأصابعكِ الناعمة والباردة هي الشيء الوحيد المقدّس المتبقي له من ليلة نجاته، ويرفض أن يمحو الطبيب أثر يديكِ من جسده حتى لو كان الثمن حياته. أنا أستسمحكِ يا إيلينا.. أرجوكِ، ابتلعي غضبكِ وتعالي معي. أنتِ الوحيدة في هذا العالم التي يطيعها أليساندرو، والوحيدة التي يملك نقاء يدها القدرة على طرد الوحوش من عقله وإعادة خياطة حياته قبل فوات الأوان."
دارت الأفكار في رأس إيلينا كإعصار متباطئ وموجع. كان صراعها الداخلي عنيفاً وصادقاً؛ عقلها وكبرياؤها يصرخان بها أن ترفض، أن تترك هذا الوحش الدموي يموت بنيران أفعاله وهوسه، لتتحرر من سجنه وتستعيد حياتها. ولكن، في المقابل، كانت إنسانيتها النظيفة، والنذر القديم الذي قطعته على نفسها بأنها لن تدع نفساً تحتضر وهي قادرة على مساعدتها، يمنعانها من الشماتة أو الصمت. تذكرت وجهه الشاحب تحت المطر، وكيف أن حمايتها كانت السبب الرئيسي في تمزق جسده مجدداً.
نظرت إلى يديها النحيلتين المرتجفتين، ثم رفعت عينيها العسليتين نحو ماركو، وقالت بغصة حارقة في حلقها: "أنا لا أفعل هذا لأجل عائلة الكامورا، ولا لأجل نفوذكم يا ماركو. أنا أفعل هذا لأنني امرأة لا تحتمل رؤية جسد بشري يتلف ويموت أمامي دون أن أتحرك. خذني إليه.. ولكن اعلم أنني أرمم جسده الليلة لأبرئ ذمتي أمام الله، وليس استسلاماً لجحيمكم."
ارتسمت لمحة ارتياح حقيقية على ملامح ماركو القاسية، وانحنى برأسه احتراماً طال تملكه، ثم فتح لها الباب وأخلى لها سبيل الممر الطويل. سارت إيلينا بجانبه بخطوات واهية متثاقلة، وجسدها المنهك يصارع الجوع والخوف، مارة عبر الممرات الرخامية الواسعة للجناح الشرقي، حتى عبروا الجسر الداخلي المؤدي إلى الجناح الغربي الشاسع، حيث يمتد عالم أليساندرو الخاص.
توقف ماركو أمام باب خشبي ضخم مغطى بالجلد الأسود الفاخر، عليه حراسة مشددة من رجلين من النخبة خفضا رؤوسهما فور رؤية إيلينا. فتح ماركو الباب ببطء، ودفعها برفق نحو الداخل، بينما تراجع هو بالخارج وأغلق الباب خلفها ليتيح لها مواجهة الوحش الجريح بمفردها.
دخلت إيلينا خطوتين، وتجمدت الأنفاس في صدرها، واجتاحت مسامها رائحة ثقيلة وخانقة؛ خليط من عرق الحمى، والكحول الطبي المطهر، ورائحة الدم الدافئ الفواح الذي صبغ الأجواء بنبرة من الموت الوشيك. كانت الغرفة شاسعة، جدرانها مغطاة بالجلد الداكن، ولا يضيئها سوى مصباح جداري صغير يرسل ضوءاً شاحباً خافتاً يلقي بظلال مخيفة فوق الأثاث الأثري.
في وسط الغرفة، كان يربض السرير الملكي الضخم، وحيث يستلقي (أليساندرو) بكامل جسده العريض وقامته الفارهة. كان المنظر مروعاً وصادماً لدرجة جعلت إيلينا تضع يدها على فمها لتمسك صرخة رعب.
كان الزعيم الشاب غارقاً بالكامل في غيبوبة الحمى المطبقة، وصدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس متسارعة، ثقيلة، ومتهدجة كأنها حشرجات تخرج من جوف بركان يوشك على الانفجار. قميصه الحريري الأسود كان ممزقاً ومفتوحاً بالكامل عند الجانب الأيمن، لتظهر اللفائف الطبية البيضاء التي تحولت إلى شاش مخضب بالكامل باللون القرمزي الداكن والنازف. الدماء الدافئة كانت قد تسربت لتصبغ الشراشف الفاخرة للسرير، ووجهه الرجولي الحاد كان شاحباً كبياض الكفن، وشعره الفاحم مبللاً بعرق حرارة الحمى التي جعلت بشرته متوهجة كالمرجل. كانت تقاطيع وجهه تنقبض بعنف وتشنج، وشفتيه تتحركان قسراً بحركات سريعة ومتقطعة، وهو يهذي بكلمات غير مفهومة بصوت عميق ومتحشرج، وكان اسم "إيلينا" هو الحرف الوحيد الواضح الذي يخرج من بين ثنايا ألمه.
تخلت إيلينا عن كل خوفها وكل غضبها في تلك اللحظة الخاطفة؛ فحالة الجسد البشري الممزق أمامها حركت فيها عقلية المرممة الدقيقة التي تتعامل مع قطعة أثرية ثمينة تتلف وتتفتت بسرعة. خطت خطوات بطيئة وصامتة نحو السرير، وكانت كل خطوة تبدو وكأنها تستغرق دهراً في صمت الغرفة الخانق.
ركعت بجانب السرير فوق السجاد الفاخر، ومدت أصابعها الرقيقة والباردة ببطء شديد، ووضعتها فوق جبهته العريضة المشتعلة بالحمى لتقيس حرارته. كانت بشرته ساخنة لدرجة جعلت إيلينا ترتعش؛ فالحمى كانت تلتهم وعيه بالكامل.
بمجرد أن لامست برودة أصابعها الناعمة جبينه المتوهج الملتوع، حدث ذلك التحول السحري والغامض نفسه الذي اختبرته في الليلة العاصفة الأولى. انخفضت حدة تشنج عضلات فكه العريض بحركة انسيابية غريبة، وانبسطت أسارير وجهه المنقبضة، وصدر عنه أنين منخفض وعميق يشبه زئير فهد جريح وجد ترياقه السحري في حضن معشوقته. تحركت أجفانه الثقيلة ببطء شديد وبصعوبة بالغة، لتنفتح عيناه الرماديتين اللتين كسا طابعهما بريق أحمر مخيف بفعل الحرارة، وتلتقي بنظرات عينيها العسليتين الصافيتين عن قرب شديد.
تلاقت عيناهما في صمت طويل وثقيل، صمت تلاشت فيه كل الحروب والصراعات بالخارج، ولم يبقَ في هذا العالم سوى النقاء والنار اللذين يلتقيان فوق سرير الموت. كان وعي أليساندرو مشوشاً بالكامل بفعل الغيبوبة، وظن في أول وهلة أن حضورها مجرد طيف أو حلم تصنعه وحوش حمّاه لتعذيبه.
مدّ يده اليمنى الثقيلة، الموشومة بشعار الخنجر والتاج، بحركة متباطئة ومجهدة للغاية، ووضع أصابعه الطويلة فوق وجنتها الشاحبة الملتوعة، ولامس بأطراف إبهامه شفتها الممزقة برقة متناهية تتناقض تماماً مع طبيعته الوحشية، ونبس بصوت رخيم، مبحوح، ويحمل حشرجة الوجع المكتوم: "هل أنتِ حقيقة يا حارسة التاريخ.. أم أن الأشباح التي تسكن عقلي قد صنعت صورتكِ النظيفة لتمحو آثار خيانتي؟ لقد أغلقتِ بابكِ من الخارج لتهربي من ناري، فما الذي جاء بنقائكِ إلى عتمة جحيمي الليلة؟"
شعرت إيلينا بحرارة أصابعه تحرق وجنتها، وبأنفاسه الحارة تضرب وجهها، وشعرت بجاذبية مظلمة ومرعبة تخترق حصونها النفسية وتثير وجدانها بالكامل. لم تسحب وجهها، بل تركت يد الموشومة تستقر فوق جلدها، ونظرت في عمق عينيه الرماديتين الغارقتين بالحمى، وقالت بصوت خافت ومبحوح يحمل كبرياءً جريحاً ورقة بالغة: "أنا لستُ طيفاً يا سيد أليساندرو، أنا إيلينا التي جئتُ لأمنع جسدك من السقوط مجدداً في هاوية الفناء. ماركو جاء إليّ مستسمحاً، وعلمتُ أنك ترفض العلاج وتصارع الموت بسبب عنادك وهوسك الأناني بغرزي القديمة. أنت تموت ببطء يا أليساندرو، وإذا لم تدعني أساعدك الليلة، فلن تحميك أسوارك ولا رجالك من قضاء الموت."
تحركت ملامح أليساندرو الصخرية حركية طفيفة، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة غامضة ومظلمة تنضح بالحب والتعلق السري، وقبض بأصابعه الطويلة على كفها الرقيقة الممسكة بجبينه، وضغط عليها بضعف يملؤه التملك، وقال بنبرة أكثر انخفاضاً تغلغلت في مسام روحها: "الموت خطيئة تراجعت أمامي كثيراً يا إيلينا، لكن جرحي يرفض الشفاء إلا إذا لمسته يداكِ مجدداً. لقد أخبرتُ ماركو أن إبرة الطبيب القذرة لن تمحو الأثر الذي تركتِهِ في جسدي، وأنا أفضل الهلاك بالح حيا على أن يعبث غريب بآخر تذكار يربطني بليلة نجاتي بين يديكِ. إذا كنتِ تريدين لي الحياة.. فأصلحي ما مزقتُهُ لأجلكِ، وأعيدي نسج قدري بأصابعكِ النظيفة."
انقبض قلب إيلينا من كلمات كلماته المليئة بالهوس والتملك المطلق؛ فهذا الرجل يرى في ألمه وجرحه النازف رابطاً سرياً ومقدساً يربطه بها. تراجعت خطوة للوراء ببطء، وسحبت يدها من قبضته المرتخية بفعل الضعف، وقامت لتفتح الباب وتستدعي ماركو والطبيب.
أحضرت الصناديق الطبية الكبيرة، والزجاجات المليئة بالكحول التطهيري، والإبر والخيوط الطبية المعقمة. ركعت بجانبه مجدداً، وتحولت إلى الممرضة الصارمة والدقيقة؛ بدأت في قص قميصه الحريري الأسود بالكامل لتكشف عن مكان الجرح الممزق. كان المنظر موجعاً؛ بعض الغرز الداخلية قد انفتحت بالفعل، والدماء الدافئة تتدفق بغزارة لتبدد جهود ليلتها الأولى.
نظرت إلى وجهه؛ كان قد أغمض عينيه مجدداً مستسلماً لألمه، وصدره العريض يتأوه بأنفاس مكتومة. صبت الكحول المطهر مباشرة فوق الجرح المفتوح، ليتصاعد صوت أزيز خفيف، وينتفض جسد أليساندرو الضخم انتفاضة عنيفة كادت أن تطيح بالأدوات الطبية من يدها، وانقبض فكه العريض بقوة مرعبة، وعرق المجهود تصبب من جبينه، لكنه لم يفتح عينيه ولم يصدر عنه صراخ واحد، كبرياءً وأنفة يرفض معها إظهار الضعف أمامها.
"تحمل.. أرجوك تحمل يا أليساندرو،" همست بصوت مرتجف يملؤه التوتر والخوف الصادق عليه، ووضعت يدها الباردة فوق كتفه العريض لتدعمه وتثبته فوق السرير.
أمضت الساعتين التاليتين في معركة حقيقية وضارية وصامتة ضد الموت والتسمم. كانت أصابعها الرقيقة، التي اعتادت على التعامل مع أكثر اللوحات التاريخية تلفاً وحساسية، تتحرك بدقة بالغة وبطء شديد فرضته طبيعة الإصابة الممزقة. بدأت في إدخال الإبرة الطبية وإعادة خياطة حواف الجرح المفتوح، غرزة تلو الأخرى، خيطاً تلو الآخر، في مشهد سيكولوجي حاد؛ فالمرممة كانت تعيد نسج حياة الرجل الذي سلبها حريتها، وكل غرزة تضعها كانت تبدو وكأنها ترسم خطاً جديداً ومحتبساً في لوحة قدرها الخاص بجانبه.
كان عرق المجهود يتصبب من جبين إيلينا ليختلط بدموع التوتر التي كانت تنهمر من عينيها العسليتين، وتناثرت القطع القطنية الملوثة بالدم حول السرير، بينما كان أليساندرو يفرز عرقاً بارداً يعكس صراعه الداخلي الصامت. ومع كل لمسة من أصابعها الباردة لجسده الساخن، كان يهدأ قليلاً وتنبسط أسارير وجهه المنقبضة، وكأن لمستها كانت الترياق السحري الوحيد الذي يطرد الوحوش والأشباح من عقله الشارد وثبت السكينة في روحه الملتوعة.
بعد ما بدا وكأنه دهر ممتد من المعاناة والمجهود الشاق، وضعت إيلينا الغرزة الأخيرة بدقة بالغة، وقطعت الخيط الطبي، ثم قامت بلف شاش أبيض نقي بإحكام شديد حول خاصرته وصدره العريض، متأكدة من أن النزيف قد توقف بالكامل، وأن نبضه بدأ يستقر ويصبح أكثر عمقاً وهدوءاً، وحرارة الحمى بدأت تتراجع تدريجياً لتترك بشرته في حالة من السكون الدافئ.
رمت بجسدها المنهك بالكامل إلى الوراء، وجلست على الأرض السجادية الوثيرة مستندة بحافة السرير، وأنفاسها تتصاعد وتتلاحق بعنف من فرط التعب والجوع وضغط اللحظات الماضية. كانت يداها وثيابها ملوثة بدمائه الدافئة، وعقلها غارق في ذهول صرف وهي تنظر إلى صنع يديها؛ لقد أنقذت وحش الشمال للمرة الثانية، وأعادت نسج حياته بطلب من رجاله وبدافع من طهر إنسانيتها.
فتح أليساندرو عينيه الرماديتين ببطء شديد مجدداً، وكان بريقهما الأحمر قد انقشع ليحل محله ركود رمادي بارد وعميق يملؤه الامتنان المكبوت والهوس المطبق الذي لا يرحم. نظر إليها وهي جالسة في حالة انهيار جسدي بجانبه، ومد يده اليمنى الموشومة برقة بالغة ليقبض على كفها الرقيقة الملوثة بدمه، وضغط عليها بثبات، ونبس بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وتغلغلت في مسام روحها: "لقد فعلتِها مجدداً يا حارسة التاريخ.. أعَدْتِ خياطة حياتي بأصابعكِ النظيفة، وأثبتِّ للقدر أنكِ الترياق الوحيد الذي يحمي أليساندرو من الفناء. أنتِ تعتقدين أنكِ أنقذتِ عدواً، ولا تعلمين أنكِ الليلة قد نقشتِ ملامحكِ في عمق روحي بحبر من الدم والنار، ولن يستطيع أحد في هذا العالم انتزاعكِ من ظلي بعد الآن."
لم تجبه إيلينا؛ كانت تكتفي بالنظر إليه بعينين عسليتين غارقتين بالدموع والإنهاك، وشعرت بأن قبضته الموشومة الممسكة ب كفها أصبحت كالقيد الحديدي غير المرئي الذي يربط مصيرها بمصيره إلى الأبد. سحبت يدها بضعف شديد، وقامت على قدميها الخائرتين، وسارت بخطوات متعثرة نحو الباب لتغادر الغرفة وتعود إلى قفصها الذهبي، تاركة خلفها الزعيم الشاب يستقبل نومه العميق والآمن بعد أن طردت أصابعها الأشباح من محرابه.
بمجرد خروجها، وجد ماركو واقفاً في الممر، وانحنى أمامها باحترام مطلق وعميق، قائلاً بصوت منخفض: "شكراً لكِ يا آنسة إيلينا.. لقد أنقذتِ الكامورا بأكملها الليلة. جناحكِ مؤمن بالكامل، والطعام الدافئ ينتظركِ، ورجالي تحت أمركِ لكل ما تطلبينه."
تجاهلت كلماته، وسارت بآلية ميتة نحو الجناح الشرقي، وأغلقت الباب النحاسي خلفها، وارتمت فوق سريرها الملكي الحريري لتستسلم لنوم عميق وبدون وعي من فرط الإنهاك الشامل. كانت لمسات إبهامه الموشوم على وجنتها لا تزال تترك أثراً حاراً وغريباً يسري في جسدها، وصوت كلماته المليئة بالهوس والتملك يتردد في مسامعها كترانيم قدر لا يمكن الفرار منه؛ مدركة بغصة حارقة في صدرها أن المواجهة السيكولوجية والجسدية الكبرى قد انتهت بكسر أجزاء إضافية من حصونها النفسية، وبأن غريزتها الإنسانية قد جعلتها تابعة وجزءاً لا يتجزأ من عالم "الظل" داخل قلعته التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان.