Home / مافيا / الظل / شباك العنكبوت

Share

شباك العنكبوت

last update publish date: 2026-05-27 09:22:56

في العاصمة الإيطالية روما، حيث تصطف الأبنية الأثرية الضخمة التي تحكي قصص صعود وسقوط الإمبراطوريات تحت ظلال الكنائس القديمة، كان يمتد وكر عائلة "ليون" كشبكة عنكبوتية خبيثة تحيك خيوطها في العتمة. داخل قاعة الاجتماعات السرية للقصر الريفي المحصن، كان الغبار يتراقص ببطء تحت حزمة ضوئية وحيدة تنبعث من نافذة دائرية مرتفعة، تذكر بالسراديب التي شهدت على اغتيال قياصرة الرومان قديماً. كانت الأجواء محتقنة بثقل يخنقه رائحة التبغ المعتق ورائحة نبيذ قديم سُكب جزئياً فوق خشب الطاولة المصقولة، ليعكس طبيعة الغضب الذي كان ينهش صدر الدون (ليون) منذ أن وصلته الأنباء المروعة من الشمال.

كان ليون يرتدي سترة مخملية داكنة، ويقف أمام خريطة جغرافية ضخمة لإيطاليا معلقة على الجدار، ممسكاً بخنجر عتيق ذي مقبض عاجي، يغرسه بعنف في نقطة تمثل إقليم توسكانا، وتحديداً مدينة فلورنسا. وجهه الحاد وشعره الرمادي عند الصدغين بديا تحت الضوء الشاحب أكثر قسوة وغدراً، وعيناه السوداوان الغائرتان تشتعلان برغبة عارمة في الانتقام الشامل الذي يمحو عار هزيمة رجاله.

"أبيدوا بالكامل؟" خرج صوته خشناً، جهيراً، ويحمل بحة الوحشية الدموية التي جعلت الرجال الأشداء الواقفين خلفه يرتعدون رعباً. "فرقة كاملة من أفضل حراس النخبة لدي، رجال تم تدريبهم على تصفية الجيوش، يسقطون جثثاً هامدة في زقاق خلفي قذر، ويتم سحبهم كالفئران دون أن ينجح أحدهم في إحضار الفتاة أو التأكد من قطع رأس أليساندرو؟"

تقدم ذراعه الأيمن، وهو رجل ضخم الجثة يرتدي بذلة رسمية رمادية، ونكس رأسه قائلاً باحترام مشوب بالخوف: "دون ليون، الكمين كان مدروساً بعناية من طرف الكامورا. يبدو أن ماركو كان يراقب الشقة سراً بناءً على أوامر صارمة ومباشرة من أليساندرو نفسه. لم يكن لدينا علم بأن وحش الشمال قد جعل من حماية هذه المرممة الفنية هوسه الأكبر. مصادرنا الموثوقة داخل الشمال تؤكد أن أليساندرو قد نقل الفتاة قسراً، في نفس ليلة المجزرة، إلى قلعته الحصينة على تلال فيسولي، وهي الآن تقبع هناك تحت حراسة مشددة تجعل من اختراق المكان أمراً شبه مستحيل."

انتزع ليون الخنجر من الجدار بحركة سريعة وعنيفة، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة مروعة، ابتسامة تنضح بالغدر والمؤامرات السيكولوجية الحادة. التفت نحو رجاله، وقبض على مقبض الخنجر بقوة، ونبس بنبرة تقطر سماً: "مستحيل؟ لا يوجد شيء مستحيل عندما يتعلق الأمر بامتلاك نقطة الضعف الوحيدة لعدوك. أليساندرو ظل لسنوات كالظل الذي لا يمس، رجل يعيش في الظلام ومحاط بالخيانة، ولم نكن نجد له ثغرة واحدة لنيل من كبريائه. والآن، وبسبب غريزته الأنانية وهوسه بنقاء فتاة عادية، صنع لنفسه بنفسه الكفن الذي سيدفن فيه. حقيقة أنه وضعها في قلعته تعني أنها أصبحت أنفاسه التي يتنفسها، وإذا قطعنا تلك الأنفاس.. فسينهار عرش الكامورا بأكمله تحت أقدامنا."

خطا بضع خطوات بطيئة حول الطاولة المستديرة، وأسند يديه فوق سطح الخشب، وتابع بصوت منخفض ومخيف: "نحن لن نرسل جيشاً ليقتحم البوابات الحديدية لـ فيسولي؛ فهذا غباء سيكلفنا الكثير. بدلاً من ذلك، سنحيك شباك العنكبوت بعناية فائقة. عائلة ليون تملك عيوناً وعملاء سريين يتغلغلون في كل زاوية، حتى داخل خدم وطباخي قصر أليساندرو نفسه. أريد تفعيل تلك الخلايا النائمة فوراً. ابحثوا عن الثغرة الأمنية، عن الخادم الذي يمكن شراؤه بالذهب، أو الحارس الذي يمكن الضغط عليه بسلامة عائلته. نريد خرقاً أمنياً صامتاً يمتد إلى داخل الجناح الشرقي للفتاة. أريدهم أن يعتقدوا أنهم مسيطرون على الوضع، وعندما ترتخي حبال حذرهم.. سننال من نقائها في قلب حصنه، ونثبت لأليساندرو أن ظله لا يحمي أحداً من نارنا."

انصاع الرجال للأوامر، وخرجوا بسرعة لتنفيذ المؤامرة الأوسع، تاركين ليون يتأمل الصور الفوتوغرافية لإيلينا الملقاة على الطاولة بنظرات جائعة، مستعداً لتحويل طهرها إلى الطعم الذي سينهي أسطورة وحش الشمال إلى الأبد.

في هذه الأثناء، وتحديداً داخل الجناح الشرقي الفاخر لقصر الكامورا، كانت إيلينا تعيش فصلاً جديداً ومؤلماً من فصول التأقلم الإجباري مع الواقع المطبق عليها.

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف النهار بقليل، وأشعة الشمس التوسكانية الدافئة كانت تنساب بنعومة عبر النوافذ الزجاجية المقوسة الشاهقة، لتلقي بظلال معقدة فوق الأرضية السجادية الوثيرة. كان الجناح يلفه سكون خانق ورتيب، لا يقطعه سوى أنفاسها القصيرة وصوت تآكل الحطب داخل المدفأة الحجرية. بعد ليلة الموت والنزيف الطويلة التي أمضتها في إعادة خياطة جرح أليساندرو، استيقظت إيلينا لتجد أن جسدها قد بدأ يفرض عليها قوانين البقاء؛ فتناولت بآلية ميتة وخطوات واهية بعض الفاكهة ورشفات من الماء الدافئ من الصينية الفضية المتجددة، لتستعيد أطرافها بعض الحرارة وبعض القوة التي تحتاجها لمواجهة سجنها الذهبي.

سارت بخطوات بطيئة، وأحذيتها تصدر صوتاً خافتاً، متجهة نحو الزاوية الفنية التي جهزها أليساندرو لأجلها بعناية فائقة. وقفت أمام حامل اللوحة الخشبي الضخم والجديد، وتأملت الصناديق التي تحتوي على بقايا مرسمها القديم. كانت تشعر باغتراب شديد ونفور عارم من هذه الأدوات الفاخرة؛ فكل زجاجة ألوان وكل فرشاة مصنوعة من شعر السنجاب النادر كانت تبدو لها كقضبان حديدية غير مرئية تلتف حول حريتها المسلوبة، وتذكرها بأنها أصبحت أسيرة لهوس رجل يحرك الموت بكلمة من شفتيه.

مدت يدها النحيلتين المرتجفتين ببطء، وفتحت أحد الصناديق الخشبية القديمة المبعثرة. وفي وسط الأوراق والأقمشة الممزقة، وقعت عيناها على الغلاف الفضي الصغير لولاعة أليساندرو، التذكار الذي سقط منه في ليلتهم الأولى وتحول إلى رمز لقدرها المحتوم بجانبه. التقطت الغلاف الفضي بأصابعها، وشعرت ببرودة المعدن تخترق جلدها لتعيد إلى مخيلتها تفاصيل لمسات إبهمه الموشوم على وجنتها البارحة، ونبرة صوته الرخيمة العميقة وهو يخبره في غيبوبة الحمى بأنها الترياق الوحيد الذي يحمي روحه من التفتت.

دارت الأفكار في خلدها بإيقاع متباطئ ومملوء بالشجن المرير: "لقد أصلحتُ جسده للمرة الثانية.. أنقذتُ الوحش الذي يربط مصيري بناره، وجعلتُ من يدي الأداة التي تعيد نسج حياته المظلمة. كيف سأفر من هذا الحصن العاجي الذي يطبق على أنفاسي؟ أليساندرو يرى في غرزي القديمة والجديدة صك ملكية لروحي، وماركو ينظر إليّ كمنقذة لعائلتهم، وأنا لا أريد سوى السلام.. لا أريد سوى العودة لزقاقي القديم ولوحاتي المنسية. هذا المرسم الفاخر الذي وضعه في غرفتي ليس سوى قفص ذهبي يريد من خلاله ترويض حريتي وجعلي تابعة لهوامشه. إنني أتنفس هواءهم، وأقتات على طعامهم، وأشعر بأنفاس المافيا القذرة تحكم مصيري وتتحكم في نبضات قلبي. هل سأتحول مع الأيام إلى نسخة من نساء هذا القصر، نساء يرتدين المخمل ويخفين خلف ابتساماتهن البرود القاتل؟ لا.. لن أسمح لناري بأن تنطفئ، ولن أسمح لقسوتهم بأن تلوث طهارتي، حتى لو كان الثمن بقائي حبيسة خلف هذه الأبواب النحاسية إلى الأبد."

وضعت الغلاف الفضي على الطاولة الخشبية الفاخرة بجانب أدوات الرسم، وتنهدت بعمق وهي تمسح دمعة عنيدة انحدرت فوق وجنتها الشاحبة. شعرت برغبة عارمة في تفريغ طاقة الغضب والقهر المكبوتة في صدرها، ولم تجد سبيلاً لذلك سوى الشغف الوحيد الذي تعرفه؛ الفن.

امتدت أصابعها نحو إحدى اللوحات القماشية البيضاء الفارغة المثبتة على الحامل الخشبي. أمسكت بقطعة من الفحم الطبيعي الأسود، وبدأت في خط خطوط عشوائية، سريعة، وعنيفة فوق البياض الناصع. كانت حركات يدها انسيابية ومصحوبة بأنفاس متسارعة يعكس حالتها السيكولوجية المحتقنة؛ كانت ترسم دون تخطيط مسبق، تاركة لوعيها الباطن حرية التعبير عن الكابوس الذي تعيشه.

مع مرور الساعات وتبدل ضوء النهار إلى خيوط شفق برتقالي داكن، بدأت الملامح تتدفق وتتضح فوق اللوحة البيضاء. لم تكن ترسم قديساً مجهولاً، ولم تكن تعيد ألوان معركة تاريخية؛ بل كانت ترسم تفاصيل الليلة العاصفة بدقة حسية مرعبة. ظهرت على القماش خطوط تمثل أزقة فلورنسا الضيقة والمظلمة تحت سيول المطر الغزير، وفي المنتصف رسمت جسداً ضخماً وقوياً لرجل مستلقٍ على الأرض، يضع يده الموشومة فوق جرحه النازف، ووجهه يحمل ملامح أليساندرو الحادة والقاسية، وعيناه الرماديتان بدتا في الرسم كشفرتين من الجمر المشتعل تخترقان عتمة اللوحة لتحدقا في الناظر إليهما ببرود وتملك مطلق. وبجانبه، رسمت ظلالاً مشوهة لأيدي سوداء تمتد من الأسفل كأفاعٍ تحاول تطويق الجسد وسحبه نحو الهاوية، بينما كانت هناك حزمة ضوئية واحدة ونحيلة تنبعث من الأعلى، تمثل النقاء الواهن الذي يحاول طرد الظلام.

توقفت إيلينا عن الرسم فجأة، وتراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تتنفس بعنف، ورمت بقطعة الفحم من يدها لتلوث أصابعها باللون الأسود الداكن. نظرت إلى ما صنعت يداها، وتملكتها دهشة ممزوجة برعب حقيقي من نفسها؛ فقد أدركت أن وعيها قد أصبح غارقاً بالكامل في تفاصيل شخصية أليساندرو، وأن ملامحه قد نُقشت في عمق ذاكرتها الفنية لدرجة جعلتها تعجز عن رسم شيء آخر سوى ظله المخيف.

امتدت يدها لتغطي وجهها الشاحب، وشعرت بغصة حارقة في صدرها تؤكد لها أن التأقلم الإجباري قد بدأ يفرض شروطه القاسية على روحها، وأنها أصبحت مجبرة على التفكير بلغة السجان والتعايش مع ناره التي تحاصر جدران بيتها الجديد.

لم تكن تعلم أن في تلك اللحظات بالذات، كان (ماركو) يقف في مكتب القيادة بالجناح الغربي، ومعه رئيس حرس القصر، يراجعون تقارير فحص ومراقبة الممرات الداخلية وسجلات الخدم. كان ماركو يتحدث بنبرة صارمة وحادة: "أريد تشديد الرقابة الشاملة على الجناح الشرقي للفتاة. دون أليساندرو بدأ يستعيد عافيته بفضل غرزها، وهوسه بها قد وصل لدرجة تجعل من سلامتها سلامة لعائلة الكامورا بأكملها. أي خادم يدخل جناحها يجب تفتيشه بدقة، وأي حركة مريبة في المحيط الخارجي للتلال تُجابه بالرصاص فوراً. عائلة ليون لن تصمت على إبادة فرقتهم، وأنفاس العدو قد تحاول تلمس طريقها عبر الثغرات الصامتة."

كانت شباك العنكبوت تُنسج بدقة متناهية من بعيد في روما، بينما كان حصن القفص الذهبي في فلورنسا يزداد تحصيناً وقسوة أمنية، لتصبح إيلينا محاصرة في قلب صراع مرعب بين قياصرة الجريمة، صراع يقترب من ذروته مع اقتراب الليل، حيث ستلتقي العوالم مجدداً تحت ضوء القمر، وتبدأ سطور الفصل الجديد من ترانيم الهوس والنار التي كُتبت بحبر من الدم والرماد ولا يمكن لأحد الفرار من مصيرها المحتوم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status