Share

(3)

last update publish date: 2026-08-07 01:17:30

القاعة كانت تضج بالنخبة. نساء يرتدين المجوهرات التي تكفي لبناء مستشفى. رجال يتصافحون وينظرون إلى بعضهم بعيون الثعالب. موسيقى كلاسيكية تتسلل إلى الأذن كسم. وفي كل زاوية... همس. همسات كالسكاكين تطعن من الخلف.

"شايفة دي؟ دي نور... مرات اللي ماتوا."

"التالت جواز... ربنا يستر للراجل."

"يقولوا إنها بتقتلهم بالبطيء. زي العنكبوت الأسود."

عمر سمع. سمع كل كلمة. رغم أنهم كانوا يهمسون. رغم أن الموسيقى كانت عالية. لكنه سمع. لأن همساتهم كانت تتجه نحوها كالسهام. ونحوه. كأنهما هدف في ساحة رماية.

شعر بيده ترتعش. ليس من الخوف. بل من الغضب. غضب غريب. غضب لا يخصه. لكنه يشعر به. يشعر بأنهم يسيئون إلى شيء... إليه. إلى زوجته. ولو كانت زوجة على الورق.

نور كانت تقف بجانبه. تبتسم. تتحدث مع سيدة عجوز. لكنه رأى شيئاً. رأى أن إصبعها يضغط على كأس العصير بقوة. حتى ابيضّ مفصلها.

همس في أذنها:

"عايزين نرقص."

نظرت إليه. عيناها تحملان دهشة.

"إيه؟"

"نرقص. دلوقتي."

لم تنتظر موافقتها. وضع يده على خصرها. سحبها برفق لكن بقوة. إلى وسط القاعة. حيث الأضواء. حيث العيون. حيث المجهر.

الجميع صمت. تبادلوا النظرات. المصورون رفعوا عدساتهم.

عمر وضع يده على خصرها. الأخرى في يدها. كانت قريبة. قريبة جداً. يشعر بحرارة جلدها من خلال الحرير الرقيق. يشعر بقلبها يدق... بسرعة. أسرع مما تظهر.

"إنت بتعمل إيه؟" همست. عيناها تختبئ خلف الرموش الطويلة.

"بمثل. زي ما قولتي."

"مش كده. ده... ده قريب."

"اللي بيحب... بيبقى قريب."

كانت الموسيقى بطيئة. رومانسية. تُجبر الجسدين على الاقتراب. على الالتصاق. على التنفس من نفس الهواء.

تحركا. خطوة. خطوتين. عمر لم يرقص من قبل. لكن الغضب كان يقوده. الغضب والرغبة في أن يُسكت الألسنة. في أن يُثبت لهم... ولها... أنه ليس مجرد بند في عقد.

"إيدك... رطبة." قال. صوته خافت. لا يسمعه سواهما.

"عشان أنا..."

"عشان إيه؟"

"عشان إنت مش زي الباقي. وده... ده مخوفني."

نظرت إلى عينيه. نظرة حقيقية. نظرة لا تحمل قناع الملكة. بل تحمل... امرأة. امرأة تخاف. ترتعش. تحتاج.

اقترب أكثر. جبينهما قريبان. يكادان يلتصقان.

"نور..."

"متقولش حاجة. لو قولت... هتكسر حاجة."

"إيه الحاجة؟"

"القاعدة. إن مفيش مشاعر. مفيش حقيقة. مفيش..."

توقفت. لأن الموسيقى توقفت.

لكنهما بقيا واقفين. في وسط القاعة. في وسط العيون. يداه على خصرها. يداها على صدره. كأن العالم توقف.

ثم... صفق أحد.

صفقة واحدة. بطيئة. ساخرة.

يوسف.

كان واقفاً عند الدرج. يصفق. يبتسم. لكن ابتسامته كانت تسقط مثل المطر الحمضي.

"يا سلام. يا سلام على الرومانسية. بجد... مؤثرة."

انفصلوا. نور تراجعت خطوة. القناع عاد. البرود عاد. كأن اللحظة لم تكن.

"شكراً يا يوسف. دايماً بتعرف توقف اللحظة الحلوة."

"مش قصدي أوقفها. قصدي أكملها."

رفع كأسه. نظر إلى الحشد.

"لنور... زوجتي الحبيبة. واللي قبلها... واللي قبله. وإلى كل من دخل هذا البيت... ولم يخرج."

صمت. صمت مريخ.

ثم ضحك. ضحك عالٍ. مجوف.

"أقصد... وخرج. بسلام. إن شاء الله."

شرب.

الحشد شرب. لكن العيون كانت على عمر. تنتظر رد فعله. تنتظر أن يذوب. أن يهرب. أن يفضح نفسه.

لكن عمر... ابتسم.

ابتسم ابتسامة لم يكن يعرف أنه يملكها. ابتسامة باردة. واثقة. خطيرة.

رفع كأسه. نظر إلى يوسف. وقال بصوت مسموع:

"لأخويا... اللي ما يعرفش يشرب غير الوحده. ويخاف يشارك. لأنه عارف... إن اللي بيشارك... بيخسر."

شرب.

نور نظرت إليه. عيناها توسعت. دهشة. ثم... شيء آخر. شيء يشبه الفخر. يشبه الاهتمام. يشبه بداية شيء لم تكن تخطط له.

يوسف لم يضحك. وجهه جمد. عيناه تحملان قتلاً صامتاً.

"زكي. بس الزكا... بتوجع."

"أنا متعود على الأوجاع."

عمر وضع كأسه. نظر إلى نور.

"نمشي؟"

"نمشي."

خرجا. بين العيون. بين الألسنة. بين السكاكين المخفية.

في السيارة... صمت. ثقيل. عميق.

نور كانت تنظر من النافذة. لكنه رأى انعكاس وجهها على الزجاج. كانت تبتسم. ابتسامة صغيرة. حقيقية.

"إنت... إنت عملت إيه النهاردة؟"

"ممثلتش. على الأقل... مش كل الوقت."

نظرت إليه. نظرة طويلة. كأنها تراه لأول مرة.

"مين علمك تبقى خطير كده؟"

"الزقاق. اللي بيعيش فيه... بيتعلم. أو بيموت."

سكتت. ثم مدت يدها. يدها الباردة. وضعتها على يده.

لم تقل شيئاً. لكن اللمسة... كانت تكفي.

لكن عندما وصلوا... ونزلت من السيارة... توقفت عند الباب.

"عمر."

"نعم."

"الليلة... اللي جاية. هتكون أصعب. لأن يوسف... مش هيسكت."

"وإحنا؟"

"إحنا..."

نظرت إلى عينيه. وفي عينيها... شيء يشبه الأمل. يشبه الخوف. يشبه بداية انهيار جدار.

"...إحنا هنستعد."

دخلت. تركته في الممر.

لكنه... شعر بأن شيئاً قد تغير. أن القواعد لم تعد واضحة. أن اللعبة... أصبحت شخصية.

ودخل غرفته. أغلق الباب. وقف في الظلام.

ثم... سمع صوتاً. صوت خافت. من غرفة نور. صوت... زجاج يتكسر.

ثم صمت.

صمت مخيف.

ودقات قلبه... كانت هي الصوت الوحيد في القصر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العشق الممنوع    (5)

    الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م

  • العشق الممنوع    (4)

    الطلقة لم تصب عمر. اصطدمت بجسد آخر. بجسد ألقى بنفسه بينه وبين الموت. بينه وبين الرصاص. بينه وبين النهاية. نور. شعرت أولاً بالنار. بخط حارق يشق ظهرها قرب الكتف. ثم بالخدر. ثم بوزن جسدها وهو ينهار. لا تستطيع التحكم في أطرافها. لا تستطيع أن تتنفس. فقط السقوط. السقوط الطويل نحو صدره. عمر امتدت يداه بغريزة. بغريزة الأسد. بغريزة الرجل الذي لا يترك ما يملك يسقط. قبض عليها وهي تنهار فوقه. دمها. دمها الحار. ينساب فوراً على قميصه. يبله. يغمره. يحول الأسود إلى أحمر داكن. "نور... نور!" صوته كان صراخاً. صراخاً داخلياً. صراخاً يمزق الحلق. يمزق الروح. الرجل دخل من الشرفة. خطوة. خطوتين. طويل. أشيب الشعر. عينان رماديتان. باردةتان. مثل عيني يوسف، لكنهما تحملان عشرين عاماً إضافية من القسوة. من الحنق. من الجنون المُحكم. بدلة سوداء. نظيفة. مكوية. كأنه يحضر جنازة. جنازة ابنه. وجنازة من سيقتلهم الآن. "مثير." قال. صوته كالحصى يتدحرج على صفائح حديد. "العاهرة تحبك فعلاً. تماماً كما أحبت أمها لي. قبل أن أكسرها." عمر رفع رأسه. رؤيته مشوشة. دم يسيل من صدغه. يغطي عينه اليسرى. لكنه يرى. يرى بوضوح كافٍ. كا

  • العشق الممنوع    (3)

    الدم كان يسيل ببطء. ليس بسرعة الموت الفوري. بل ببطء الحياة التي تتسرب. قطرة. قطرتين. تتسلل من صدغ عمر. تبل الأرضية. تخلط بدم يوسف. تخلق نهراً صغيراً من الأحمر. من الخسارة. من الخوف. نور كانت تركع. يداها تضغطان على جرحه. بقوة. بجنون. كأنها تستطيع أن تمنع الدم بالإرادة. كأن حبها وحده يكفي لإغلاق الجرح. "متموتش... متموتش يا عمر. أنا مش هسمح. مش هسمحلك." صوتها يرتجف. بين البكاء والصراخ. بين اليأس والأمل. بين الحياة والموت. فريدة كانت واقفة. لحظات. تبدو أصغر. أضعف. كأن القناع سقط من وجهها. كأنها رأت ما يكفي من الموت. وقررت أن تختار الجانب الصحيح. "خلي بالك منه. أنا هجيب الدكتور." "إزاي؟ يوسف كان هيخليه يقتل أمي!" "الدكتور ده... ابني." نور رفعت رأسها. عيناها توسعتا. في دهشة. في فهم بطيء. "ابنك؟" "آه. ويوسف كان بيهدده. بس دلوقتي... يوسف مات. والتهديد... راح." نظرت إلى جسد يوسف. إلى الدم المتجمع حوله. إلى الوجه الملتوي الذي لم يعد يبتسم. "أرجعي بسرعة." فريدة هزت رأسها. ثم اختفت. في الظلام. نحو الممر. نحو الخارج. نحو الأمل. نور نظرت إلى عمر. وجهه شاحب. كالشمع. الشفاه جافة. متش

  • العشق الممنوع    (2)

    الدم كان يسيل. دم عمر. دم يوسف. دم يلطخ البلاط الأبيض. يلطخ الصور المخدوشة. يلطخ كل شيء. كأن الغرفة نفسها تتنفس دماً. كأن الجدران كانت عطشى لسنوات. وها هي الآن تشرب. تشرب الخيانة. تشرب الحقيقة. تشرب النهاية. نور ركعت. بجانب عمر. يداها ترتعشان. تبحث عن نبض. عن نفس. عن أي علامة على الحياة. يداه باردةتان. باردةتان جداً. كأن روحه تتسرب بين أصابعها. كأنها تحاول أن تمسك بماء. "عمر... عمر افتح عينيك." لم يتحرك. وجهه شاحب. شاحب كالقمر المريض. الدم يسيل من صدغه. يتسلل على خده. على رقبته. يبل قميصه الأسود. يجعله يبدو كأنه يرتدي ثوب حداد. ثوباً كان مكتوباً عليه منذ البداية. "لا... لا تسيبني. مش دلوقتي. مش بعد كل ده." صوتها ينكسر. دموعها تقع على وجهه. دافئة. حارة. كأنها تريد أن تُعيد الحياة إليه بحرارتها. كأن دموعها هي الدواء الوحيد. كأن حبها هو الأكسجين الذي يحتاجه للعودة. ثم... سمعت صوتاً. صوت خشن. صوت كالحجر يُجر على الزجاج. يوسف. كان يتحرك. ببطء. بصعوبة. يجر نفسه على البلاط. يترك خلفه خطاً أحمر. مقص عمر كان غارقاً في ظهره. لكنه لم يمت. لم يزل يتنفس. يتنفس بصعوبة. بغضب. بحقد. بذلك ا

  • العشق الممنوع    الفصل الرابع: قلب الأسد

    (1)الظلام لم يكن نهائياً.كان ثقيلاً. كثيفاً. كالطين يملأ العينين والأذنين والفم. لكن في ثناياه... كانت هناك بقعة ضوء. بعيدة. خافتة. تتلألأ وتختفي كالنجم في ليلة مغيمة.عمر حاول أن يتحرك. لكن جسده لم يستجب. كان ثقيلاً. كأنه مصنوع من رصاص. رأسه يؤلمه. يؤلمه بعنف. كأن أحداً يضربه بمطرقة من الداخل. يضرب ويضرب ولا يتوقف.تذكر.الصوت. القبضة. الظلام.يوسف.فتح عينيه بصعوبة. الرؤية كانت ضبابية. مزدوجة. يرى اثنين من كل شيء. اثنان من السرير الأبيض. اثنان من الصور المخدوشة. اثنان من الظلال التي تتحرك في الزاوية.ثم... تركزت.ورأى.نور.كانت واقفة. ظهرها للجدار. يوسف أمامها. المسدس في يده. لكنه لم يكن يوجهه إليها. كان يوجهه نحو الباب. نحو الظلام. نحو المكان الذي خرجت منه أمها."إخرجي يا ماما العزيزة." قال يوسف. صوته عذب. سام. "خلاص الوقت. هنخلص اللعبة."صمت.ثم... خطوات.من الظلام.من الزاوية.الأم.كانت تخرج. ببطء. كأنها تسحب نفسها من قبر. شعرها الأبيض المنكوش يغطي وجهها. فستان الزفاف القذر يلتصق بجسدها النحيف. عيناها الحمراوان... كانت أحمر الآن. أكثر. كأن الدم قد غمرهما بالكامل."إنت..." قال

  • العشق الممنوع    (5)

    الظل تحرك. لم ينبسط. لم يتبدد. بل تقدم. خطوة. خطوتين. من عتبة الباب نحو الضوء الخافت. حتى وقعت أشعة المصباح المتهالك على وجهه. عمر شعر بقلبه ينكمش. يتقلص. يتحول إلى حجر. يوسف. كان يقف هناك. يراقب. ينتظر. كالعنكبوت الذي يشبك خيوطه ثم يجلس في الزاوية يرقص فريسة تتشابك. لم يكن يحمل سلاحاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً أخطر. ابتسامة. ابتسامة عريضة. منتصرة. كأنه يشاهد مسرحية بلغت ذروتها. كأن كل ما حدث كان وفق سيناريوه. كل دمعة. كل قبلة. كل صراخ. كل شيء. صفق. ببطء. صفقة. صفقتين. صوت التصفيق كان مجوفاً في الغرفة المظلمة. كأنه يرتد من جدران من رخام. "برافو. بجد. مشهد مؤثر. يستحق أوسكار." صوته كان عذباً. ساماً. يملأ الغرفة كالدخان. ينسل إلى الرئتين. يخنق. نور انتفضت. تراجعت خطوة. يداها تبحثان عن المقص على الأرض. لكنه كان بعيداً. بعيداً عن متناولها. بعيداً عن الأمل. "إنت... إنت إزاي فتحت الباب؟" سألت. صوتها يرتجف. يكاد ينكسر. "عندي مفتاح. زي ما عندي مفتاح كل حاجة في هذا القصر. بما فيها... غرفة أمك المفضلة." دخل. بكامله. جسده الطويل النحيف يملأ المدخل. وأغلق الباب خلفه. ببطء. بمتعة. سمعو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status