Share

الفصل20: استيقاض

Author: Ikram
last update publish date: 2026-09-27 00:00:23

رفعت إيما عينيها إليه، بينما بقيت يدها ممسكة بيد كارينا، وكانت عيناها تنتقلان بين وجه زوجها والشبكة السحرية التي ظهرت أمامهما، وكأنها تحاول فهم مدى خطورة ما وصلت إليه روح و جسد ابنتها دون أن تسمح للخوف بالسيطرة عليها.

«إلى أين وصلت؟»

لم يجبها فورًا، وإنما تتبع الخيوط السحرية بعينيه حتى وجد المسار الذي اختفى داخل الشبكة، ثم بقي صامتًا للحظات وهو يراقبها قبل أن يجيب بصوت منخفض حمل توترًا واضحًا هذه المرة.

«إلى شبكة قديمة، ومكان كهذا لا أريد لروحها أن تبقى فيه أكثر مما بقيت.»

لم تحتج إيما إلى المزيد من الشرح، فقد تغيرت ملامحها بمجرد أن سمعت وصفه، وانتقلت عيناها إلى كارينا قبل أن تعود إليه بسرعة، وكأنها بدأت تدرك أن كل ثانية تمر دون أن تصل إليهما قد تجعل عودة ابنتها أكثر صعوبة.

«إذن علينا إخراجها الآن.»

«أعرف.»

رفع يده وبدأ بتشكيل تعويذة نداء متقدمة، بينما ظهرت دائرة واسعة فوق السرير وامتدت منها خيوط سحرية رفيعة نحو الشبكة البعيدة، وبدأت الرموز داخل الدائرة تتحرك بسرعة مع ازدياد الطاقة المتجمعة حول كارينا.

«سأحاول الوصول إليها قبل أن تغلق المسافة تمامًا.»

راقبت إيما الدائرة وهي تتشكل، ثم نظرت إلى زوجها ولاحظت التوتر الذي حاول إخفاءه خلف تركيزه الشديد، قبل أن تسأله بصوت منخفض وهي تكافح حتى لا يظهر الخوف في نبرتها.

«وإذا لم تستجب؟»

توقفت يده للحظة قصيرة، ثم رفع عينيه نحو الخيوط المتشابكة قبل أن يجيب دون أن يلتفت إليها.

«لن أنتظر حتى تصل الأمور إلى ذلك الحد.»

بدأ النداء، وامتدت الخيوط السحرية داخل الشبكة وهي تبحث عن أثر روح كارينا بين المسارات المتشابكة.

«كارينا.»

بقيت الشبكة ساكنة، ولم يظهر أي أثر يدل على وصول صوته إليها، فشد أصابعه قليلًا وأعاد المحاولة بقوة أكبر.

«كارينا، اسمعيني وحاولي العودة.»

ارتجفت بعض الرموز فوق السرير، ثم انطفأت واحدة تلو الأخرى، وكأن الشبكة نفسها ترفض السماح للنداء بالعبور إلى الجانب الآخر.

حاول للمرة الثالثة، لكن النتيجة لم تتغير، ومع آخر محاولة بدأت الدائرة تخفت تدريجيًا حتى اختفت الخيوط السحرية تمامًا، وبقي الهواء فوق كارينا ساكنًا كما لو أن شيئًا لم يحدث.

أخفض يده ببطء، وكانت ملامحه أكثر صرامة من قبل، بينما بقيت عيناه مثبتتين على الشبكة التي لم تسمح له بالوصول إلى ابنته.

«لن يصل إليها النداء بهذه الطريقة.»

لم تجبه إيما، لكنها فهمت من نبرة صوته أن الوضع أصبح أخطر مما أراد أن يقول، وأن الوقت الذي يملكونه لإنقاذ كارينا ربما أصبح أقصر مما توقعاه.

مد يده جانبًا، وفي اللحظة التالية ظهرت السكين السحرية داخل كفه، فانعكس ضوءها على وجهه قبل أن يلتفت إليها للحظة قصيرة.

تغيرت ملامح إيما فورًا، بينما نظر لوسيان إلى السكين ثم إلى والده، وفهم دون حاجة إلى سؤال أن السحر العادي لم يعد كافيًا للوصول إلى كارينا.

أمسك لوسيان بذراع إيلينا برفق واتجه بها نحو الباب، رغم أنها بقيت تنظر إلى كارينا بقلق واضح، وكأنها لا تريد مغادرة الغرفة وهي تعرف أن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.

«تعالي، أبي يعرف ماذا يفعل.»

ترددت للحظة، لكنه تابع بهدوء محاولًا طمأنتها رغم القلق الذي ظهر في عينيه.

«أبي وأمي هنا، ولا داعي للخوف، كل شيء سيكون بخير.»

أخرجها معه وأغلق الباب، بينما بقيت إيما في الداخل مع زوجها وكارينا، ولم تقل شيئًا عندما رأته يرفع السكين فوق راحة يده، لأنها كانت تعرف بالفعل ما الذي يستعد لفعله.

مرر النصل على راحة يده، فظهر جرح صغير سرعان ما خرجت منه قطرات دم حمراء، ثم أخذ إحدى القطرات ووضعها بحذر فوق جبين كارينا.

في اللحظة التي لامس فيها الدم جلدها، ظهرت رموز قديمة حول جسدها، وانتشرت هالة مختلفة تمامًا عن أي سحر استُخدم في الغرفة من قبل، حتى إن الهواء نفسه بدا وكأنه أصبح أثقل تحت تأثيرها.

عرفت إيما التعويذة فورًا، وشعرت بقلق حاد يضغط على صدرها، فهي تعرف جيدًا أن السحر المحرم ليس مجرد تعويذة أقوى من غيرها، بل واحد من أخطر أنواع السحر المسجلة، وأن استخدامه يفرض ثمنًا لا يمكن تجاهله حتى بالنسبة إلى ساحر متمرس.

قالت بصوت خافت، وقد ظهر الخوف في نبرتها رغم محاولتها السيطرة عليه:«أنت تعرف ثمن هذا السحر.»

ثبت عينيه على كارينا، ولم يتوقف عن متابعة الخيوط التي بدأت تتشكل أمامه، ثم أجابها بصوت هادئ رغم الإرهاق الذي بدأ يظهر على ملامحه.

«أعرف.»

ظهرت خيوط حمراء رفيعة من الدم فوق جبين كارينا، ثم امتدت داخل الشبكة البعيدة، متجاوزة المسافة بين جسدها والروح العالقة في ذلك المكان، بينما بدأت الرموز القديمة تضيء حولها بقوة متزايدة.

«لكن كل لحظة تبقى فيها روحها هناك تجعل الأمر أسوأ.»

اقتربت إيما خطوة، بينما كانت عيناها تتبعان الخيوط الحمراء وهي تختفي داخل الظلام السحري، ولم تستطع منع نفسها من النظر إلى وجه كارينا بين لحظة وأخرى، وكأنها تخشى أن تفقد ابنتها قبل أن يتمكن زوجها من الوصول إليها.

«وهذه الشبكة ليست مكانًا يمكن أن تبقى فيه روح طفلة طويلًا.»

أومأ دون أن يبعد عينيه عن كارينا، بينما كانت أصابعه تتحرك باستمرار لتوجيه الخيوط داخل المسار السحري.

«خصوصًا أنها لم تبنِ مرساتها بعد.»

ساد صمت قصير بينهما، ولم تحتج إيما إلى تفسير أكثر من ذلك، لأنها تعرف تمامًا خطورة انفصال روح كارينا عن جسدها وهي لا تزال في هذا العمر، ولذلك ازداد خوفها مع كل لحظة كانت تمر دون أن يظهر أي أثر لعودة ابنتها.

شد والد كارينا أصابعه قليلًا، ثم قال بصوت أكثر حزمًا وهو يواصل التعويذة رغم الألم الذي بدأ يظهر في يده.

«لن أتركها هناك.»

نظرت إليه إيما، فرأت الشحوب يزداد في وجهه، كما لاحظت أن تنفسه أصبح أثقل وأن يده بدأت ترتجف قليلًا، لكنها لم تكن تعرف إن كان ذلك بسبب استنزاف المانا أم بسبب الثمن الذي بدأ السحر المحرم يطلبه منه.

«إذن أعدها.»

خرجت كلماتها بصوت منخفض، لكن الخوف كان واضحًا في نبرتها، خوفًا على كارينا التي بقيت روحها في مكان مجهول، وخوفًا أكبر على زوجها الذي بدأ يدفع ثمن التعويذة أمام عينيها.

لم يجبها، وإنما أغلق عينيه للحظة ودفع المزيد من قوته داخل التعويذة، فاشتعلت الرموز حول كارينا بقوة أكبر، وبدأت الخيوط الحمراء تمتد أعمق داخل الشبكة حتى أصبحت قادرة على تتبع أثر روحها في مكان بعيد لا يستطيع الوصول إليه بالسحر العادي.

ظل وجهه ثابتًا وهو يركز على الخيوط، لكن شحوبه ازداد تدريجيًا مع اكتمال الدائرة السحرية، وبدأت قطرات عرق باردة تظهر عند صدغيه، بينما بقيت إيما تراقبه بقلق وهي تعرف أن كل خطوة إضافية داخل هذا السحر قد تعني ثمنًا أكبر على جسده.

ومع اكتمال الدائرة، اهتز الهواء حول السرير بعنف، وارتفعت الخيوط الحمراء فجأة نحو الشبكة، وكأنها وجدت أخيرًا الطريق الذي كانت تبحث عنه.

---

وفي مكان آخر، وسط الظلام الذي كانت كارينا عالقة فيه، ظهر خيط أحمر ضعيف وسط الفراغ، بدا في البداية كنقطة بعيدة تكاد تختفي، ثم بدأ يزداد وضوحًا شيئًا فشيئًا.

توقفت كارينا عن الركض، وبقيت تحدق فيه دون أن تفهم كيف ظهر أمامها أو من أين جاء، لكنها شعرت منذ اللحظة الأولى بأنه مرتبط بشيء مألوف داخل قلبها، شيء جعل الخوف يتراجع للحظة أمام إحساس غريب بالأمان.

ثم سمعت صوت والدها يقترب منها عبر الظلام، وكان صوته هذه المرة أوضح من أي وقت مضى، حتى شعرت وكأنه يقف على الجانب الآخر من ذلك الفراغ.

«كارينا... عودي إليّ.»

ارتجفت شفتاها، ومدت يدها نحو الضوء الأحمر، وشعرت بدفء خفيف ينتقل إلى أصابعها قبل أن تلمسه بالكامل، وكأن الخيط يعرف طريقه إليها منذ البداية.

وفي اللحظة التي لامسته فيها، اهتز الظلام كله من حولها بعنف، وبدأت الغابة والنار والزهرة والأضواء تتلاشى أمام عينيها وكأنها صور ممزقة تُسحب بعيدًا عن ذاكرتها.

شعرت بقوة هائلة تسحب روحها تدريجيًا نحو مكان لم تستطع رؤيته، ولم تعد قادرة على مقاومة التيار الذي أصبح أقوى مع كل لحظة تمر، حتى فقدت قدرتها على معرفة أين ينتهي الظلام وأين يبدأ الضوء.

ثم أصبح كل شيء أبيض.

---

في قصر رافين، ارتجفت أصابع كارينا فوق السرير، فرفع والدها رأسه بسرعة عندما شعر بالحركة القادمة من جسدها، بينما توقفت الخيوط الحمراء للحظة قبل أن تبدأ بالانحسار تدريجيًا.

تحركت جفونها مرة، ثم ارتجفت مرة أخرى، واقتربت إيما من السرير وقلبها يخفق بعنف وهي تحاول ألا تظهر خوفها أمام ابنتها، بينما بقي زوجها يراقبها بصمت وقد بدأ التعب يثقل ملامحه.

«كارينا...؟»

فتحت كارينا عينيها ببطء، لكنها لم تستطع رؤية شيء بوضوح في البداية، لأن السقف فوقها بدا ضبابيًا والضوء كان شديدًا على عينيها، وكأنها خرجت للتو من مكان لم يعرف النور منذ زمن طويل.

أغمضتهما من جديد للحظة، ثم حركت أصابعها فوق الغطاء وأخذت نفسًا متقطعًا قبل أن تحاول رفع رأسها رغم الثقل الذي ملأ جسدها.

خرج صوت ضعيف من حلقها.

«أمي...؟»

انحنت إيما عليها بسرعة وأمسكت يدها وقربتها من وجهها، بينما راحت يدها الأخرى تمسح شعر كارينا عن جبينها بحنان واضح، وقد شعرت في تلك اللحظة بأن جزءًا من الخوف الذي خنق صدرها بدأ ينحسر أخيرًا.

«أنا هنا، حبيبتي، افتحي عينيك بهدوء ولا تحاولي الحركة بسرعة.»

فتحت كارينا عينيها مرة أخرى، وتمكنت هذه المرة من رؤية وجه أمها بوضوح أكبر، وبدأ اللون يعود تدريجيًا إلى وجهها الشاحب، لكن آثار الخوف بقيت واضحة في عينيها وكأنها لم تستطع التخلص مما عاشته داخل الظلام.

ثم تحرك بصرها ببطء نحو الجانب حتى استقر على والدها الواقف بجانب السرير.

كان وجهه شاحبًا بصورة واضحة، ويده تحمل أثر الجرح الذي تركته السكين، بينما بقيت عيناه معلقتين بها وكأنه يحتاج إلى رؤيتها بعينيه حتى يصدق أنها عادت فعلًا.

حدقت فيه كارينا لثوانٍ طويلة، ثم تحركت شفتاها بصعوبة وهي تحاول التأكد من وجوده أمامها:«أبي...»

ارتخت ملامحه للحظة، وكان ذلك الصوت وحده كافيًا ليخبره أن روحها عادت إلى جسدها بالفعل، وأنه نجح في الوصول إليها قبل أن يبتلعها ذلك المكان بالكامل.

لكن جسده لم يكن قادرًا على تحمل المزيد بعد القوة التي استنزفها في التعويذة، فتراجع خطوة قبل أن تصطدم ساقه بطاولة صغيرة إلى جانبه.

حاول الإمساك بحافتها، إلا أن يده ارتجفت وفقد توازنه، فسقط نصف جسده عليها بينما أطلق نفسًا ثقيلًا حاول إخفاءه عن إيما.

«حبيبي!»نهضت إيما بسرعة واتجهت إليه، ثم أمسكت بكتفه ووضعت يدها الأخرى خلف رأسه لتسانده، بينما حاول هو استعادة توازنه دون أن يبعد عينيه عن كارينا.

«اجلس، لا تحاول الوقوف الآن.»

أغمض عينيه للحظة، وكان تنفسه أثقل من السابق، ثم فتحهما ببطء وأجابها بصوت خافت متعب، بينما ظهر أثر الإرهاق بوضوح في ملامحه.

«أنا بخير، إيما.»

كانت إيما تعرف أن ما تراه أمامها ليس مجرد إرهاق عابر، فقد كان السحر المحرم أخطر بكثير مما توقعت، والثمن بدأ يظهر على جسده أسرع مما أرادت الاعتراف به.

لم تقتنع بكلماته، وبقيت يدها خلف رأسه وهي تراقب شحوب وجهه، لكنه أضاف بصوت أكثر هدوءًا وهو يعيد نظره إلى ابنته.

«أنا بخير، فقط دعيني أتأكد منها أولًا.»

ثم رفع يده الحرة رغم الضعف الذي أصاب جسده، وبدأ يرسم تعويذة جديدة في الهواء، بينما بقيت إيما تسنده من كتفه وهي تراقب حركاته بقلق.

«ماذا تفعل؟»

«أثبت روحها قبل أن تستقر في مكانها الخطأ.»

لم تحتج إيما إلى المزيد، فتراجعت قليلًا لتمنحه المساحة، بينما ظهرت دائرة صغيرة فوق صدر كارينا وامتدت منها خيوط فضية دقيقة أحاطت بجسدها دون أن تلمسه.

بدأت الرموز تتحرك ببطء، ثم استقرت واحدة تلو الأخرى حول روحها، بينما ظل والدها يراقبها بعناية حتى تأكد من أن أثرها لم يعد ينزلق خارج جسدها.

«لا تتحركي الآن.»

نظر إلى كارينا مباشرة، وكان صوته منخفضًا لكنه حازم، بينما بقيت يده مرفوعة رغم الارتجاف الخفيف الذي بدأ يظهر في أصابعها.

«أريد أن تثبت روحك بالكامل قبل أن تحاولي الجلوس أو الكلام كثيرًا.»

راقبت كارينا الرموز فوقها وهي تلمع، ثم سألت بصوت ضعيف بعدما استعادت جزءًا صغيرًا من وعيها.

«أين... كنت؟» ما هذا ما الذي يحدث

توقفت يده للحظة فوق الدائرة، ونظر إليها طويلًا قبل أن يجيب دون أن يثقل عليها بالمزيد من الأسئلة.

«في مكان لم يكن يجب أن تصلي إليه أصلًا، وسأعرف ما حدث بعد أن أتأكد أنك استقررت تمامًا.»

أعاد تركيزه إلى التعويذة، بينما بقيت إيما بجانبه، إحدى يديها فوق كتفه والأخرى ممسكة بيد كارينا، وراحت تراقب الخيوط الفضية وهي تستقر حول ابنتها تدريجيًا.

أما والد كارينا فظل واقفًا رغم أن جسده كان يطلب منه السقوط مرة أخرى، لأنه كان يعرف أن العودة وحدها لم تكن كافية، وأن عليه التأكد من استقرار روح ابنته قبل أن يسمح لنفسه بالتفكير في الثمن الذي دفعه.

وبعد لحظات طويلة بدأت الرموز تخفت تدريجيًا، وعاد تنفس كارينا إلى إيقاع أكثر انتظامًا، بينما شعر والدها أخيرًا بأن روحها استقرت داخل جسدها دون مقاومة.

أغمض عينيه للحظة، ثم أخذ نفسًا بطيئًا قبل أن يخفض يده، بينما بقيت إيما ممسكة بكتفه وكأنها تخشى أن ينهار مجددًا بمجرد أن يتوقف عن استخدام السحر.

كانت كارينا قد عادت، وكان ذلك وحده كافيًا في تلك اللحظة لجعل إيما تتشبث بالأمل، رغم أنها لم تستطع تجاهل حالة زوجها أو الدم الذي ما زال يظهر عند راحة يده.

أما والدها، فظل صامتًا للحظات وهو يستعيد أنفاسه بصعوبة، مدركًا أن استخدام السحر المحرم لم يكن أمرًا يمكن لجسده أن يتجاوزه دون عواقب، وأن الثمن الذي دفعه لم ينتهِ بمجرد عودة ابنته.

وقبل أن تغلق كارينا عينيها من جديد بسبب الإرهاق، بقيت صورة واحدة عالقة في ذهنها رغم كل شيء.

كانت صورة الزهرة التي ظهرت وسط الظلام، والصوت الذي ناداها من مكان بعيد حتى وجد طريقه إليها.

كان صوت والدها.

وفي أعماق ذاكرتها، بقيت تلك اللحظة حاضرة كما لو أنها لم تنتهِ بعد، بينما لم تكن تعرف أن ما حدث لها سيترك أسئلة كثيرة داخل قصر رافين، أسئلة لن تجد العائلة إجاباتها بسهولة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل49:الرحيل

    نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل48: هدية عند باب المنزل

    بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل47: بداية الحياة ما وراء العالم المألوف

    توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل46:بين الذكرى والرحيل

    "أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل45:كارينا بعد مراسم استيقاض 3

    ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل44:كارينا بعد مراسم استيقاض 2

    كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status