LOGINضحكت إيلينا وهي تتجه نحو الباب، وقالت دون أن تلتفت إليه: «تعال قبل أن يبدأ في التفاوض على كمية الطعام.»
تبعها ريان مباشرة، بينما وقف آثان مكانه لثانية، ثم نظر إلى قطعة الحلوى وكأنه يودعها، قبل أن يلحق بهم. خرج الأربعة من غرفة الجلوس، وساروا في الممر المؤدي إلى مكتب لوسيان. كانت خطواتهم تتردد بهدوء فوق الأرضية الحجرية، وبين حين وآخر كان أحدهم يعلق على شيء صغير، لكن الحديث لم يعد يحمل ذلك القدر من المزاح. عند نهاية الممر توقف لوسيان أمام باب مكتبه، وأخرج المفتاح من جيبه. أدخله في القفل وأداره، ثم دفع الباب إلى الداخل. دخل آثان أولًا، لكنه توقف بعد خطوتين عندما وقعت عيناه على الرفوف الممتدة من الأرض حتى السقف. امتلأت الغرفة بالكتب والمخطوطات القديمة، بعضها محفوظ خلف ألواح زجاجية، وبعضها موضوع بعناية على رفوف مفتوحة. كانت هناك صناديق خشبية صغيرة في الزوايا، وخرائط ملفوفة موضوعة داخل حوامل طويلة، بينما احتلت الطاولة الكبيرة في منتصف الغرفة مساحة واسعة تكفي لفتح عدة سجلات في الوقت نفسه. مد آثان يده نحو أحد الكتب، لكنه توقف قبل أن يلمسه عندما سمع صوت لوسيان خلفه. «لا تلمس شيئًا قبل أن أحدد ما سنفتحه، ليس كل شيء يمكنكم نظر اليه.» سحب آثان يده فورًا، ثم التفت إليه بابتسامة بريئة. «كنت فقط أنظر.» «أعرف.» «وهذا يعني؟» «أنني ما زلت أثق بنفسي أكثر من كلامك.» ضحك ريان، بينما جلست إيلينا قرب المصباح السحري الموجود فوق الطاولة، وأخرجت أوراقها من جديد. اتجه لوسيان إلى أحد الرفوف الخلفية، وبحث بين الكتب لعدة دقائق دون استعجال. مرر أصابعه فوق عناوين مختلفة حتى توقف عند مجموعة من السجلات القديمة، ثم سحب واحدًا منها. بعده أخذ كتابًا آخر، ثم ثالثًا، قبل أن يحملها جميعًا إلى الطاولة. وضعها أمامهم واحدًا تلو الآخر. «هذه السجلات تغطي فترات مختلفة، لكن بينها تقاطعات كثيرة. لن نبحث عن شيء واحد محدد الليلة، بل نريد أن نرى إن كانت هناك ظواهر قديمة تشبه ما ظهر في السنوات الأخيرة.» فتح ريان أول كتاب أمامه، ثم رفع عينيه إليه. «هل تقصد المرأة؟» توقف لوسيان للحظة، ثم جلس في مقعده وقال بهدوء: «قد تكون مرتبطة، وقد لا تكون. لا أريد أن نبني استنتاجًا على شيء لا نملك عنه معلومات كافية.» كان آثان قد فتح أحد السجلات بالفعل، لكنه رفع رأسه عند سماع ذلك. «مع ذلك، ما حدث في المركز التجاري لم يكن طبيعيًا. كانت أمامنا، ثم اختفى أثرها تمامًا.» وقبل أن يسترسل، وضعت إيلينا يدها على طرف الصفحة وأوقفته بنظرة هادئة. «آثان، سيد رافين طلب منا أن نتوقف عن هذا الأمر مؤقتًا.» بقي آثان صامتًا للحظة، ثم أرجع ظهره إلى الكرسي.«أعرف.» «إذن لا داعي لأن نعيد الحديث عنه.» تنهد آثان، ثم فتح الكتاب أمامه مجددًا. «حسنًا. لن نبحث عنها.» ابتسم ريان ابتسامة خفيفة، وقال وهو يقلب صفحة أخرى: «هذا أفضل. لدينا ما يكفينا من الكتب حتى الصباح.» رفع آثان عينيه إليه. «أنت تقول ذلك وكأننا لن نبقى هنا حتى الصباح.» «أنا أعرفك.» «وهذا هو الجزء المزعج في صداقتنا.» لم يعلق لوسيان، واكتفى بفتح السجل أمامه. وبدأ البحث. في البداية كان الأمر هادئًا وبسيطًا. كل واحد منهم أخذ مجموعة من الكتب، وبدأ يقارن بين التواريخ والأسماء والأماكن. بعض السجلات كانت تتحدث عن حروب قديمة، وبعضها عن مدن اختفت من الخرائط، وأخرى عن ظواهر سحرية لم تعد تظهر في العصر الحديث. كان لوسيان أكثرهم صمتًا، لكنه لم يكن ساكنًا. كلما وجد فقرة مهمة وضع علامة صغيرة بجانبها، ثم انتقل إلى كتاب آخر ليتأكد من المعلومة. وإذا وجد تاريخًا مختلفًا، كان يفتح سجلًا ثالثًا بدل أن يعتمد على مصدر واحد. أما إيلينا فكانت تجمع الملاحظات في صفحات منفصلة، بينما تولى ريان مقارنة الخرائط القديمة بالنسخ الحديثة. آثان، من جانبه، كان ينتقل بين أكثر من مخطوطة، ويبدو في كل مرة وكأنه وجد شيئًا مهمًا، قبل أن يكتشف بعد دقائق أنه لا علاقة له بما يبحثون عنه. ومرت الساعات. تغيرت أكواب المشروبات أكثر من مرة، ونفدت بعض الأطباق التي تركها الخدم، ثم دخل أحدهم في وقت لاحق ووضع أطباقًا جديدة دون أن يقطع تركيزهم. لم يلاحظ الأربعة مرور الوقت إلا عندما بدأ آثان يفرك عينيه ويضع الكتاب أمامه. «هذا المؤرخ كان يستطيع شرح الفكرة في صفحة واحدة.» رفع ريان رأسه عن الخريطة. «ما المشكلة؟» أشار آثان إلى الكتاب. «كتب أربع صفحات ليصف طريقًا بين مدينتين.» ابتسمت إيلينا وهي تواصل كتابة ملاحظتها. «ربما لأنك لا تحب القراءة.» «أنا أحب القراءة.» رفع ريان حاجبه. «أحب الكتب المهمة.» «وهذا ليس كتابًا مهمًا؟» نظر آثان إلى الصفحة ثم تنهد. «كان مهمًا قبل أن يبدأ المؤلف في وصف الأشجار على جانبي الطريق.» ضحك لوسيان دون أن يرفع عينيه عن السجل الذي يقرأه. التفت آثان إليه فورًا. «حتى أنت تضحك؟» «لأنك منذ ساعة كاملة تقرأ وصف الأشجار نفسه.» هز آثان رأسه باستسلام، ثم قلب الصفحة. عاد الهدوء إلى الغرفة. ومع مرور الوقت، أصبحت الملاحظات أكثر كثافة، والكتب المفتوحة أكثر عددًا. لم يعودوا يقرأون كل شيء، بل صاروا يركزون على الكلمات التي تتكرر في أكثر من سجل: اختفاء، تشوه، أثر، منطقة مغلقة، ظاهرة، علامة. وقبل أن يصل الليل إلى نهايته، كان ريان يقلب خريطة قديمة عندما توقف. مرر إصبعه فوق جزء صغير من الورقة، ثم مد يده إلى كتاب آخر. «انتظروا.» رفع الجميع رؤوسهم. وضع الخريطة بجانب سجل قديم، ثم أشار إلى اسم مكتوب على طرفها. «هذا المكان مذكور هنا باسم مختلف.» اقترب لوسيان منه، وانحنى فوق الخريطة. «الموقع نفسه؟» «تقريبًا. انظر إلى الجبل هنا، والنهر هنا. تغير الاسم فقط.» أخذ لوسيان السجل، وقارنه بالخريطة الحديثة، ثم عاد إلى القديمة. «الاسم تغير بعد الحرب.» أضافت إيلينا وهي تقترب منهما: «وهذا يعني أن البحث في السجلات الحديثة لن يقودنا إليه.» «بالضبط.» بدأ آثان يبحث في صندوق قريب، ثم أخرج خريطة أقدم وفتحها فوق الطاولة. سرعان ما ظهرت أمامهم المنطقة نفسها تقريبًا، لكن هذه المرة كانت هناك علامة صغيرة بجانبها. لم تكن علامة عسكرية. اقترب لوسيان أكثر. «هذه العلامة...» توقف، ثم اتجه إلى رف آخر وسحب كتابًا أقدم. فتح عدة صفحات بسرعة، ثم توقف. كانت العلامة نفسها موجودة في سجل آخر. قال ريان وهو يحدق فيها: «إنها تتكرر.» أجاب لوسيان دون أن يرفع عينيه: «نعم.» «هل تعرف معناها؟» «ليس بعد.» وضع الكتاب الأول بجانب الثاني، ثم بدأ يقلب صفحات إضافية. مرة أخرى ظهرت العلامة. ثم مرة ثالثة. وفي كل سجل كانت مرتبطة بأحداث مختلفة، لكنها تشترك في شيء واحد؛ وجود منطقة أو كائنات أو بيئة تعرضت لتغير لم يستطع المؤرخون تفسيره بصورة كاملة. تقدمت إيلينا حتى أصبحت بجانب لوسيان، وقالت وهي تتبع السطور: «هذا لا يبدو كأثر معركة.» «لأنه ليس كذلك.» رفع آثان رأسه. «إذن ماذا كان؟» لم يجب لوسيان فورًا. فتح كتابًا رابعًا، ثم قلب عدة صفحات حتى وصل إلى جزء مكتوب بحروف أقدم وأكثر بهتانًا من بقية النص. مرر إصبعه تحت الكلمات ببطء. كانت هناك إشارة إلى ظاهرة لم تظهر في السجلات الحديثة منذ زمن بعيد، ظاهرة ارتبطت بعلامة محددة، ووصفت بأنها لا تترك العالم بسهولة بعد أن تضع أثرها فيه. قطب ريان حاجبيه. «كم هو قديم هذا السجل؟» نظر لوسيان إلى التاريخ. ثم أعاد النظر إليه مرة أخرى. «قديم جدًا.» اقترب آثان أكثر. «كم؟» أجاب لوسيان بهدوء: «أكثر من مئة ألف عام.» ساد الصمت لثوانٍ. لم يكن الرقم وحده هو ما جعلهم يتوقفون، بل حقيقة أن السجل الذي بين أيديهم كان يشير إلى ظاهرة لم يسجل ظهورها على هذه الأرض منذ ذلك الزمن. قالت إيلينا ببطء: «أكثر من مئة ألف عام... وحتى آخر إمبراطورية سحرية لم تجد لها أثرًا مؤكدًا؟» أومأ لوسيان. كان ريان قد بدأ يقلب صفحات الكتاب بسرعة أكبر، يبحث عن أي ذكر آخر يمكن أن يوضح ما يقرؤونه. أما آثان فظل واقفًا إلى جانب الطاولة، وعيناه تتحركان بين العلامة والتاريخ. ثم توقف. «هناك اسم في بداية الفقرة.» مد يده وأدار الكتاب قليلًا حتى أصبح العنوان واضحًا أمام الجميع. تقدمت إيلينا خطوة، بينما وضع ريان يده على حافة الطاولة. قرأ لوسيان الكلمات بصوت منخفض، ثم بقي صامتًا للحظة. كانت الكلمة واضحة رغم قدمها. الهاوية. لكن هذه المرة لم يكتفِ أحد بالنظر إلى الاسم. سحب لوسيان الكرسي وجلس، ثم فتح الصفحة بالكامل أمامهم، بينما اقترب آثان وريان وإيلينا من الطاولة. كانت هناك صفحات أخرى بعد هذه. وبينما بدأ لوسيان يقرأ السطور التالية، لم يكن أحد منهم يعرف بعد ما الذي تخفيه تلك السجلات عن ظاهرة اختفى آخر أثر مؤكد لها منذ أكثر من مئة ألف عام. وكان عليهم أن يعرفوا أولًا ماذا حدث في ذلك الزمن البعيد... ولماذا بقي اسم الهاوية حاضرًا في السجلات رغم أن أثرها اختفى منذ عصور طويلة.نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ
بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري
توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.
"أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده
ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك
كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر







