LOGINصمتت إيلينا تماماً، لكن هذا الصمت لم يكن فراغاً، بل كان تكثيفاً مرعباً للطاقة. مالت برأسها قليلاً إلى الجانب، ونظرت إلى الرجل بنظرة خالية من أي مشاعر بشرية، نظرة تشبه تلك التي ينظر بها الجزار إلى قطعة لحم لا قيمة لها. لم تهتم بصيحات الاستهجان في المدرجات، ولا بضحكاته المقززة، بل كانت عيناها الباردتان تحللان بدقة مذهلة نقاط الضعف في تكوينه الجسدي، من ثغرات دفاعه إلى ارتعاشات عضلاته غير المدروسة.وفي لحظة خاطفة، وبسرعة تتجاوز حدود الإدراك البصري للبشر، اختفت إيلينا من مكانها.ساد صمت مفاجئ في القاعة، وشعر الحضور بضغط هوائي غريب. وقبل أن يرمش الرجل الضخم أو يكمل ضحكته القذرة، شعر ببرودة حادة كالنصل تخترق معصمه. كانت إيلينا قد ظهرت خلفه كشبح من الثلج، ممسكة بيده التي كان يشير بها بوقاحة، ولفتها بحركة خاطفة ومحكمة لدرجة أن صوت تحطم العظام كان مسموعاً بوضوح في أرجاء المنصة، مما جعل صرخة الرجل تمزق سكون المكان.لم تمنحه إيلينا ثانية واحدة ليتنفس؛ فبينما كان يلتفت بجسده الضخم محاولاً ضربها، انزلقت هي تحته بركضة انسيابية، ووجهت ركلة دقيقة وقاتلة إلى مؤخرة ركبته. سقط الرجل كالجبل المنهار، وارتج
بينما كان لوكاس يتحدث بحماس عن تفاصيل ضربته القاضية، التفت فجأة ليوجه كلمة شكر إلى ماكسيمس، لكنه تجمد في مكانه. لم يجد أحداً. لقد اختفى ماكسيمس من مكانه تماماً، وبشكل صامت لا يترك أثراً، وكأنه لم يكن موجوداً من الأساس. شعر لوكاس بقشعريرة مفاجئة تضرب عموده الفقري، ونوع من الخوف الطفيف واللاوعي تملك قلبه. لم يكن يعرف لماذا، ولكن غياب ماكسيمس المفاجئ ترك في الجو فراغاً مرعباً، وكأن الوحش الذي كان يراقبهم قد انسحب إلى الظلال ليرقبهم من بعيد. حول لوكاس نظره بسرعة نحو ليا، وكأنه يبحث عن الأمان في وجودها، ثم وبحركة مفعمة بالاحترام والولاء، انخفض بجسده ليركع على ركبة واحدة أمامها، خافضاً رأسه في إشارة خضوع وتقدير لقائدته. أخذت ليا نفساً عميقاً، محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة وتفريغ التوتر الذي خلفه ماكسيمس في روحها. وضعت يدها على كتف لوكاس برفق، وابتسمت له ابتسامة هادئة خففت من حدة الموقف. قالت بنبرة حانية ومشجعة: «أحسنت يا لوكاس.. لقد كنت مذهلاً. لقد أثبتَّ أن تدريباتنا لم تذهب سدى». ثم تذكرت أن القتال لم ينتهِ كلياً بالنسبة له، فسألته: «هل تشعر أنك قادر على إكمال الجولات التالية الآن،
تجمّد الهواء من حول ليا في لحظة واحدة، وكأن الزمن قرر التوقف عند تلك الكلمات. لم يكن برود الجو هو ما أرعبها، بل كانت تلك النبرة التي نطق بها ماكسيمس؛ نبرة هادئة، خالية من أي انفعال، لكنها تحمل في طياتها تهديداً وجودياً.التفتت ليا إليه بسرعة، وأدركت من نظراته أنه لم يكن يتحدث عن "برون" الملقى أرضاً يتأوه من الألم، بل كان يقصد لوكاس؛ العضو الأبرز في فريقها، والشاب الذي كان في تلك اللحظة يغادر الساحة بزهو المنتصر، محاطاً بهتافات زملائه.ارتجفت يد ليا بشكل غير ملحوظ، وشعرت بقلبها يقرع طبول الخوف. هي تعلم، وتعلم يقيناً، الحقيقة المظلمة التي تسكن عروق ماكسيمس. دماء ماكسيمس ليست مجرد سائل حيوي يمنح الحياة، بل هي "جوهر طاقة" خام، مركزة لدرجة مرعبة، ونادرة لدرجة أنها تصبح لعنة قاتلة على من لا يملك "الوعاء" الروحي والجسدي المناسب لتحملها.إنها قوة لا تعترف بالوسطية؛ فإما أن ترفع الشخص إلى مرتبة عظيمة، أو تحوله إلى رماد في ثوانٍ. قطرة واحدة منها قد تمنح بشرياً عادياً قوة تزلزل الجبال، لكن الثمن يكون احتراق العروق من الداخل وانفجار القلب تحت ضغط الطاقة التي لا ترحم. وبما أن لوكاس، رغم موهبته، يظ
لاحظ ماكسيمس ذلك البريق الخفي في عيني ليا؛ تلك اللمعة التي لم يستطع القناع، رغم صلابته وتغطيته الكاملة، أن يحجبها. كانت تلك اللمعة تعلن عن ولادة شعور قديم، شعور بالأمان كان مدفوناً لسنوات تحت ركام من الخيبات والوحدة والخذلان. في تلك اللحظة، حدث تحول في نظرة ماكسيمس؛ لمعت عيناه الحمراوان بوميض دافئ وغير معهود، وتسللت ابتسامة خافتة، تكاد تكون غير مرئية، على شفتيه. لم تكن ابتسامة انتصار أو ثقة مفرطة، بل كانت ابتسامة رضا عميقة، وكأنه وجد أخيراً في هذا العالم الباهت والموحش شيئاً واحداً يستحق أن يُحمى، وشخصاً واحداً يستحق أن يبتسم لأجله.في هذه الأثناء، كانت الساحة قد تحولت إلى مسرح لصراع غير متكافئ في الظاهر. وقف لوكاس في مواجهة خصمه من فريق الذئاب السوداء، وهو شاب يدعى "برون"، كان يجسد القوة الغاشمة بكل تفاصيلها؛ جسد ضخم كالجدار، وعضلات مفتولة تبرز من تحت ملابسه، وسلاح خشبي ثقيل يلوح به بعنف في الهواء. كانت ضربات برون عشوائية لكنها مدمرة، كلما ضرب بها الأرض أحدث دويًا مسموعًا جعل الحصى يتطاير من حوله، محاولاً بذلك ترهيب لوكاس وكسر إرادته قبل أن يبدأ القتال الفعلي.انطلقت ضحكة أجشة من حنج
دوى صراخ المراقب الأعلى في أرجاء المكان، ليرمق الصمتُ المنصة العالية التي انقلبت أجواؤها رأسًا على عقب في لحظة.كان المحكم الذي واجهه رجلًا مهيبًا، يرتدي درعًا ذهبيًا يلمع تحت الشمس، وكان معروفًا في أرجاء الإمبراطورية بصرامته التي لا تسمح لأحدٍ أن يرفع صوته في حضرته. لكنه الآن، ولأول مرة، تراجع نصف خطوة إلى الوراء، وقد تملكته الرهبة وهو يتأمل ملامح وجه المراقب.سأل المحكم بصوت خفيض، تحاول نبرته استعادة توازنها: «ما الذي تهذي به؟ إنه مجرد شاب يقف بجوار قائدة فريق صغيرة.. ما الذي يمكنه فعله حقًا؟»لم يأتِ الرد من المراقب، بل كان صمتُه أبلغ. كان يتنفس بصعوبة، وأصابعه تضغط على حافة المنصة الحجرية بقوة جعلت مفاصله تبيضّ، بينما ظلت عيناه مسمرتين على ماكسيمس في الأسفل، وكأنه يراقب كارثة وشيكة.همس بصوت متهدج، بالكاد يصل لمسامع من حوله: «أنتم لا تفهمون.. لا تدركون من يكون. لو عرفتم فقط.. لو أدركتم من يقف هناك..» ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أضاف بنبرة يملؤها اليأس: «لو أراد، لمسح هذا المسرح ومن فيه بنظرة واحدة».خيم صمت ثقيل على المنصة، وتبادل المحكمون نظرات الحيرة والذهول. لقد عرفوا المراقب الأعلى
لم تكن مجرد خطوة، بل كان حضوراً طاغياً سحق كل الأصوات في الساحة. الشخص الذي دخل لم يكن يصرخ، ولم يلوح بسلاحه، لكن الضغط الروحي الذي كان ينبعث منه كان ثقيلاً لدرجة أن المزارعين من الرتب الدنيا في المدرجات شعروا بأن الهواء قد سُحب من رئتيهم، بينما انحنى بعض الحراس لا إرادياً، والذعر يملأ عيونهم.كان يرتدي رداءً أسوداً كأنه قطعة من ليل سرمدي، ينسدل حوله بنعومة تخفي تحته قوة تدميرية. وجهه كان شاحباً، وعيناه باردتان كقطعتين من الجليد القديم، تنظران إلى الجميع وكأنهم مجرد حشرات عابرة في طريقه.ساد صمت جنائزي. حتى ألدريك، المضيف الذي كان يسيطر على المسرح بثقة، تراجع خطوة للخلف، وظهرت على وجهه علامات القلق العميق. همس بصوت متهدج:»المراقب الأعلى من قصر الظلال.. ما الذي يأتي به إلى مسابقة للفرق الناشئة؟«أجاب الرجل الأسود بنبرة باردة:»جئت لأنظر فقط.. لا أكثر.«في منطقة القادة، كانت ليا تراقب الوافد الجديد بقلب يخفق بسرعة. كانت هي الوحيدة في الساحة، بجانب هذا الرجل، التي تدرك تماماً هوية الشخص الذي يقف بجانبها.بجانبها، شعر ماكسيمس بتغير الجو. لم تتغير تعابير وجهه، ولم تهتز شعرة واحدة منه. ظل
"ههه، أمسكِني إن استطعت." "أوه، هل تريدين سباقًا؟ لكني أحذركِ، في العوالم الإلهية السبع كلها، ليس هناك أحد أسرع مني، لذا حين تخسرين لا تأتيني باكية وتقولين إنني غششت." "هراء! من ستأتي باكية إلى وحش جميل مثلك؟ هممف، يا لك من مغرور! أنت خائف من الخسارة، واجهني وسترى." "ههههه، لنرَ من سيبكي أخير
ظهر تحت القناع الباهت من الخشب وجه طفولي جميل، بشعر قصير عند العنق، وعينين زاهيتين من الياقوت الأخضر، وبشرة شاحبة بنفخة طفولية أبرزت براءتها ونقائها. ذهل الرجل لوهلة، ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، يصعب ملاحظتها. اندهشت ليا للحظة، ثم سارعت إلى أخذ قناعها محاولةً إخفاء وجهها. "لقد قالت الس
قوبلت اعادة ليا بالرفض خاصة من المحظيات اللواتي قتلت بناتهن و حرمن من حق الامومة . لكن في مكان اخر، بعيد جدا عن مايمكن ان تراه الاعين هممم… هل عادت جميلتي بالفعل؟" رنّ صوتٌ أجش، عميق، يحمل فرحًا مرعبًا. "وأخيرًا… طال غيابكِ يا صغيرتي." سكت لحظة… ثم همس: "حان وقت تنفيذ وعدي…" كوني مستع
"هممممم منذ متى اصبح للنمل العلماني القدرة على استخدام السحر الأسود؟ ألا توافقني الرأي يا صديقي كريستاليس"، تكلم المرتبة الرابعة بينهم سيد اللهب الالهي أغنيوس مخاطبًا روح الجليد بنبرة تناسب شخصيته المتحمسة. "هذا ليس شيئًا جديدًا على أي حال، لولا ندائك يا لومياس لم أكن لأحضر، لأنني ببساطة لا أهتم







