Share

الغرفة الصامتة

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-19 06:55:46

أول شيء شعرت به لارا عندما استعادت وعيها…

كان الصمت.

ليس صمتًا عاديًا.

بل صمت ثقيل، خانق، كأن العالم كله اختفى فجأة.

فتحت عينيها ببطء.

إضاءة بيضاء قوية. جدران زجاجية شفافة. وغرفة صغيرة باردة لا تحتوي إلا على كرسي معدني وسرير ضيق.

حاولت التحرك.

توقفت فورًا عندما شعرت بالقيود المعدنية حول معصميها.

“اللعنة…”

همست بها، لكنها لم تسمع صوتها جيدًا.

ثم أدركت الحقيقة.

الغرفة عازلة للصوت.

نهضت بسرعة واتجهت نحو الزجاج.

طرقت عليه بقوة.

لا شيء.

حتى صوت ضرباتها بدا مكتومًا وغريبًا.

شعرت بقلبها يبدأ بالخفقان بعنف.

هذا المكان ليس مجرد غرفة احتجاز.

إنه قفص.

رفعت عينيها أخيرًا نحو الخارج.

وكان هناك شخص يراقبها.

امرأة.

تقف خلف الزجاج المقابل بهدوء مرعب.

شعرها الأسود الطويل منسدل فوق كتفيها، وترتدي ملابس داكنة بسيطة.

وللحظة…

شعرت لارا وكأنها تنظر إلى انعكاسها داخل المرآة.

لكن الفرق كان في العينين.

عينا المرأة لم تكونا قاسيتين مثلها.

بل هادئتين… وحزينتين.

شعرت لارا بأنفاسها تتعثر.

“ليان…”

قالت الاسم دون وعي، حتى لو لم تسمع صوتها.

أما المرأة خلف الزجاج…

فابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.

في الوقت نفسه، كان جواد يستعيد وعيه بصعوبة فوق أرضية الشقة.

رأسه ينبض بألم عنيف.

رفع يده نحو الجرح بجانب رأسه، ثم نهض بسرعة فورًا عندما تذكر.

لارا.

“لارا!”

صوته خرج غاضبًا ومختنقًا وهو يبحث بعينيه بجنون داخل الشقة المدمرة.

لا أحد.

فقط آثار الدم والزجاج المحطم.

شعر بشيء مظلم ينفجر داخله فورًا.

دخل ياسين الشقة بعد دقائق ومعه كارما.

لكنهم توقفوا فور رؤية المكان.

“يا إلهي…”

همست كارما بصدمة.

أما جواد، فكان يقف وسط الفوضى وعيناه مرعبتان.

“أخذوها.”

قالها بصوت منخفض جدًا.

وهذا أخطر من الصراخ.

اقترب ياسين بحذر.

“هل رأيت من كانوا؟”

هز رأسه بغضب.

“ملثمون.”

ثم أضاف بعد لحظة قصيرة:

“لكنها رأت شخصًا.”

رفع ياسين حاجبه.

“من؟”

رفع جواد عينيه نحوه ببطء.

“ليان.”

ساد الصمت داخل الشقة.

حتى كارما شعرت بالقشعريرة.

لأن الاسم بدأ يتحول إلى شبح يطارد الجميع.

في الغرفة الزجاجية، كانت لارا تراقب ليان بعدم تصديق.

اقتربت ليان من الزجاج ببطء.

ثم رفعت يدها ولمست السطح الفاصل بينهما برفق.

شعرت لارا بشيء ينهار داخلها.

لأنها قضت سنوات تكره أختها، تحسدها، وتظن أنها ماتت.

لكن رؤيتها الآن…

أعادت كل شيء دفعة واحدة.

الحريق. الصراخ. ورائحة الدخان.

فتحت ليان الباب أخيرًا ودخلت الغرفة.

تراجعت لارا فورًا بعينين مشتعلتين.

“أنتِ حيّة.”

خرج صوتها مبحوحًا بعد ساعات من الصمت.

أما ليان، فظلت تنظر إليها طويلًا قبل أن تهمس:

“وأنتِ ما زلتِ غاضبة.”

ضحكت لارا فجأة.

ضحكة قصيرة عصبية.

“غاضبة؟”

ثم اقتربت منها بسرعة رغم القيود.

“كنتِ ميتة!”

انخفضت عينا ليان للحظة.

“كان يجب أن يظن الجميع ذلك.”

“من فعل هذا؟”

سألتها لارا بحدة.

لكن ليان لم تجب فورًا.

بل نظرت إلى القيود حول معصميها، ثم همست:

“أنتِ لستِ هنا لأنهم يريدون قتلك.”

عقدت لارا حاجبيها.

“إذن لماذا؟”

رفعت ليان عينيها إليها أخيرًا.

“لأنهم يخافون منكِ.”

شعرت لارا بالقشعريرة تمر داخل جسدها.

في منزل الجدة، كانت كارما تتحرك بهدوء داخل الممر المظلم.

الجدة اختفت داخل الغرفة العلوية مجددًا.

وهذه المرة، كانت كارما مصممة على معرفة الحقيقة.

اقتربت من الباب ببطء.

ثم وضعت يدها فوق المقبض…

لكن الباب انفتح فجأة.

شهقت بخوف.

ظهرت الجدة أمامها مباشرة.

لكن الغريب…

أنها كانت تحمل قطعة قماش وإبرة خياطة.

“كارما؟”

قالتها بابتسامة دافئة هادئة.

تجمدت كارما للحظة.

ثم نظرت داخل الغرفة خلفها.

آلات خياطة قديمة. أقمشة. وصناديق مليئة بالخيوط.

غرفة خياطة عادية تمامًا.

شعرت كارما بالارتباك فورًا.

“أنا… سمعت صوتًا فقط.”

ابتسمت الجدة بخفة.

“الأرق يجعلني أخيط أحيانًا.”

ثم رفعت فستانًا أسود كانت تعمل عليه.

“العمل يهدئ أعصابي.”

راقبتها كارما بصمت، لكن شيئًا داخلها ظل غير مرتاح.

لأنها أقسمت أنها سمعت صوت رجل داخل الغرفة قبل دقائق.

بعد أن غادرت كارما، اختفت ابتسامة الجدة تمامًا.

أغلقت الباب بهدوء.

ثم التفتت نحو الجدار الخلفي للغرفة.

ضغطت على قطعة خشبية صغيرة.

فُتح باب سري ضيق ببطء داخل الحائط.

ومن خلفه…

ظهرت عشرات الملفات والصور وشاشات المراقبة.

صور لمراد. جواد. لارا. ليان. وياسين.

كلهم تحت المراقبة.

كلهم.

جلست الجدة بهدوء فوق الكرسي، ثم رفعت سماعة قديمة نحو أذنها.

وجاءها صوت امرأة عبر الخط:

“لقد بدأ جواد يبحث عنها.”

ابتسمت الجدة ببطء شديد.

ثم همست:

“جيد…

دعيه يقترب أكثر.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status