Share

الفتاة رقم سبعة

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-18 10:21:37

لم تغادر صورة نور رأس جواد طوال الليل.

كانت عيناها الواسعتان داخل الصورة أشبه باتهام مباشر، بينما بقيت الجملة أسفلها تتكرر داخل عقله بصورة خانقة:

لقد أخذها شخص آخر هذه المرة.

هذه المرة.

أي أن هناك من يعرف كل شيء.

بل ويتحداه عمدًا.

وقف أمام نافذة شقته مع أول ضوء للفجر، يدخن بصمت، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء أسفل البناية.

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

شعر بأنه مراقَب.

في الجانب الآخر من المدينة، كانت نور تستيقظ داخل غرفة باردة معتمة.

رأسها يؤلمها بعنف، ويداها مقيدتان إلى الكرسي المعدني خلفها.

حاولت الحركة بذعر، لكن القيود كانت محكمة.

“أخيرًا استيقظتِ.”

جاء الصوت هادئًا جدًا.

رفعت نور رأسها بسرعة.

وتجمدت.

كانت فتاة تجلس أمامها فوق طاولة خشبية صغيرة.

ترتدي الأبيض بالكامل.

شعر أسود طويل، وجه هادئ، وعينان ساكنتان بصورة مرعبة.

ليان.

أو هكذا تظن نور.

اقتربت ليان ببطء وهي تحمل كوب ماء.

“لا تصرخي… لن يسمعك أحد.”

بدأت نور ترتجف بعنف.

“ماذا تريدين مني؟”

وضعت ليان الكوب فوق الطاولة وجلست أمامها بهدوء.

“أريد أن أطرح عليكِ سؤالًا فقط.”

“من أنتِ؟!”

ابتسمت بخفة.

“هذا السؤال يتكرر كثيرًا مؤخرًا.”

ثم مالت برأسها قليلًا وهي تراقب خوف نور باهتمام حقيقي.

“هل وثقتِ بجواد بسرعة؟”

اتسعت عينا نور.

“أنتِ تعرفينه؟”

“أكثر مما ينبغي.”

بدأت الدموع تنهمر من عيني الفتاة.

“أرجوكِ… دعيني أذهب…”

ظلت ليان تراقبها لثوانٍ طويلة.

ثم مدت يدها ببطء ومسحت دموعها بإبهامها.

حنونة جدًا.

وهذا ما جعل الموقف أكثر رعبًا.

“أتعلمين؟”

همست ليان.

“أكثر شيء يثير فضولي في البشر… هو سرعة انكسارهم.”

في الظهيرة، وصلت الشرطة إلى الجامعة للتحقيق في اختفاء نور.

انتشرت الأخبار بسرعة، وتحول الأمر إلى حديث المدينة بالكامل.

أما كارما، فبدأ خوفها يزداد أكثر.

خصوصًا بعد أن لاحظت اختفاء ليان منذ الصباح.

وقفت أمام باب غرفتها المغلق وطرقت عدة مرات.

لا رد.

فتحت الباب ببطء.

الغرفة فارغة.

لكن شيئًا آخر جذب انتباهها فورًا.

الحاسوب المحمول فوق المكتب كان مفتوحًا.

ترددت للحظة قبل أن تقترب.

ثم تحركت شاشة الجهاز فجأة.

ظهر ملف مفتوح يحتوي على صور لفتيات مختلفات.

أسفل كل صورة: اسم، عمر، وتاريخ.

شعرت كارما بأن أنفاسها تتقطع تدريجيًا.

فتاة أولى. ثانية. ثالثة.

ثم…

نور.

كانت الصورة الأحدث.

اتسعت عيناها برعب حقيقي.

وفي الزاوية السفلية من الشاشة ظهر عنوان ملف:

الفتاة رقم 7.

تراجعت خطوة للخلف.

“ما هذا بحق الجحيم…؟”

وفجأة— سمعت صوت الباب خلفها يُغلق.

استدارت بسرعة.

كانت ليان تقف هناك.

هادئة كالعادة.

لكن هذه المرة…

ابتسامتها كانت أوضح.

وأبرد.

“كان يجب ألا تلمسي أشيائي.”

قالتها بهدوء.

شعرت كارما بأن جسدها تجمد بالكامل.

“ما هذه الصور؟”

لم تجب ليان فورًا.

بل تقدمت نحو المكتب وأغلقت الحاسوب بهدوء شديد.

ثم رفعت نظرها إليها.

“فضولكِ مؤذٍ.”

“ليان… ماذا يحدث؟”

“لا شيء.”

“لا تكذبي عليّ!”

ارتفع صوت كارما أخيرًا.

“من هؤلاء الفتيات؟!”

ساد الصمت للحظات.

ثم ابتسمت ليان بخفة.

“ضحايا.”

“ضحايا ماذا؟!”

اقتربت أكثر.

“البشر دائمًا يثقون بالشخص الخطأ.”

بدأت كارما تتراجع ببطء دون وعي.

لأنها للمرة الأولى…

لم تعد ترى ليان أمامها.

الفتاة الواقفة هناك كانت شخصًا آخر بالكامل.

شخصًا مخيفًا بصورة لا يمكن تفسيرها.

“هل قتلتِ رائد؟”

سألتها بصوت مرتجف.

ظلت ليان تنظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثم قالت ببساطة:

“نعم.”

توقفت أنفاس كارما.

لم تحاول الإنكار حتى.

لم تتوتر.

لم ترتبك.

اعترفت وكأنها تتحدث عن الطقس.

“أنتِ مجنونة…”

همست بها كارما.

ولأول مرة…

ضحكت ليان فعلًا.

ضحكة منخفضة وهادئة، لكنها مرعبة بصورة جعلت الدم يبرد داخل عروق كارما.

“كلمة مملة جدًا.”

في تلك اللحظة، كان جواد يقتحم أحد المخازن القديمة قرب الميناء.

وصلته رسالة مجهولة قبل ساعة تحتوي على موقع فقط.

وعندما دخل المكان…

وجد آثار دماء فوق الأرض.

ومقعدًا معدنيًا مقيدًا بالحبال.

لكنه كان فارغًا.

أما على الحائط أمامه، فكُتبت جملة باللون الأحمر:

هل بدأتَ تشعر بالخوف أخيرًا؟

قبض على سلاحه بعنف وهو يلتفت حوله.

“من أنت؟!”

لكن لم يصله رد.

وفجأة…

رن هاتفه.

أجاب فورًا.

جاءه صوت ليان الهادئ عبر السماعة:

“يبدو أنكَ تأخرت قليلًا.”

تجمّد مكانه.

“أين أنتِ؟”

“سؤال أفضل…”

قالتها بنبرة ناعمة.

“أين نور؟”

شعر قلبه يهبط داخل صدره.

“ماذا فعلتِ؟”

ضحكت بخفوت.

“أنتَ من علّمني أن البشر مجرد ألعاب يا جواد.”

“استمعي إليّ جيدًا—”

قاطعته بهدوء:

“هل تعلم ما الفرق بيني وبينك؟”

ساد الصمت.

ثم همست:

“أنتَ تؤذي الناس من أجل المال…

أما أنا… فأفعل ذلك لأنني أستمتع.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   المرحلة الأخيرة

    الإنذار داخل المختبر لم يتوقف.الضوء الأحمر كان يومض بعنف فوق الجميع، وصوت التحذير المعدني يتكرر بلا رحمة.“Security breach detected.”“Initiating lockdown.”لكن لا أحد كان يركز معه الآن.لأن لارا كانت ما تزال على الأرض، تتنفس بصعوبة، وعيناها فارغتان بشكل مرعب.“لارا.”جواد أمسك وجهها برفق، محاولًا إجبارها على التركيز عليه.“انظري إليّ.”لكنها لم تكن تراه.كانت ترى الدم.الكثير من الدم.صوت أمها وهي تبكي.“خذهما واهرب!”صوت تحطم الزجاج.صرخة ليلان الصغيرة.ثم—الرصاصة.شهقت بعنف وكأنها عادت للتو من الغرق.ثم دفعت يد جواد فجأة، وقفت مترنحة، وعيناها اتجهتا مباشرة نحو الشاشة.نحو والدها.“أنت قتلتها…”همستها خرجت مرتجفة، لكنها كانت مليئة بشيء أخطر من البكاء.الكراهية.الرجل على الشاشة ظل ينظر إليها بهدوء بارد.“نعم.”قالها ببساطة.“وفعلت ما كان يجب فعله.”انفجر الغضب داخلها فجأة.أطلقت النار على الشاشة مرة أخرى.الزجاج تناثر بكل مكان، لكن صورته ظهرت مجددًا على شاشة أخرى.ثم أخرى.ثم أخرى.حتى بدا وكأن المختبر كله يراقبهم بعينيه.“أنت مريض!”صرخت ليلان وهي تبكي.“كانت أمنا!”“وكانت خائنة.

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الشيء الذي دفنوه داخلها

    الصمت داخل المختبر أصبح خانقًا بعد كلمات والد لارا.“لأن المرحلة الأخيرة بدأت أخيرًا.”الأضواء الحمراء كانت تومض فوقهم بعنف، تعكس ظلالًا مشوهة على الوجوه المتوترة.لكن لارا لم تعد ترى شيئًا حولها.كانت تنظر فقط إلى وجه أبيها على الشاشة.نفس النظرة القديمة. نفس البرود. ونفس الإحساس المقرف الذي كان يجعلها تشعر دائمًا أنها ليست “ابنته”… بل شيء يملكه.“ما الذي تقصده؟”سأل سليم بحدة.لكن الرجل تجاهله تمامًا.عيناه بقيتا مثبتتين على لارا.وكأن باقي الموجودين غير مهمين أصلًا.“كبرتِ أكثر مما توقعت.”قالها بهدوء غريب.“لكن ما زلت أراكِ بوضوح.”“وأنا لا أريد رؤيتك أصلًا.”ردت لارا ببرود قاتل.ابتسم.ابتسامة صغيرة باردة جدًا.“الكراهية دائمًا كانت تليق بكِ.”جواد تحرك خطوة أمامها فورًا.“لا تتحدث معها.”قالها بصوت منخفض، لكن خطير بما يكفي ليجعل حتى آدم ينظر له بحذر.هذه المرة…نظر الأب إليه أخيرًا.وصمت لثوانٍ طويلة.ثم ضحك بخفوت.“ما زلت حيًا إذًا.”“للأسف بالنسبة لك.”رد جواد ببرود.لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا.بل نظر إليه بطريقة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.كأنه ينظر لشيء صنعه بنفسه… ثم خرج

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   ما تبقى بعد الانفجار

    الانفجار ابتلع الممر بالكامل.الحرارة اندفعت خلفهم كوحش هائج، والهواء نفسه تحول إلى كتلة نارية دفعت الجميع بعنف للأمام.لارا فقدت توازنها فورًا، لكن جواد جذبها إليه قبل أن ترتطم بالأرض.ثم سقطا معًا فوق المياه القذرة التي غمرت أرضية الممر.الصراخ، الدخان، وصوت المعدن المنهار…كل شيء اختلط بشكل مرعب.“الأطفال!”صرخت ليلان وسط الفوضى.“هم معي!”ردت كارما وهي تحاول حماية طفل صغير بجسدها بينما ياسين يسندها من الخلف.أما سليم فكان يسعل بعنف، وقد امتلأ وجهه بالغبار والدماء الصغيرة الناتجة عن الشظايا.“تحركوا!”صرخ آدم رغم الألم الوحشي بذراعه المصابة.“السقف ينهار!”وبالفعل…بدأت التشققات تنتشر فوقهم بسرعة.قطع معدنية ضخمة سقطت خلفهم، وأغلقت الممر الذي أتوا منه بالكامل.توقف الجميع للحظة، ينظرون للخلف بصمت ثقيل.التجربة رقم تسعة…اختفى.ابتلعه الانفجار.لكن كلماته الأخيرة بقيت عالقة داخل رأس جواد كطعنة.“لا تدعهم يعيدونك للقفص…”أنفاسه أصبحت أثقل، والأصوات داخل رأسه عادت مجددًا بشكل أبعد وأضعف.لارا لاحظت شروده فورًا.“جواد.”همست وهي تمسك يده.نظر لها ببطء، وكأنه عاد للتو من مكان بعيد جدًا.

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   المختبر القديم

    الصمت الذي أعقب كلمات جواد كان أسوأ من صوت الإنذار نفسه.“إنه أحد المختبرات القديمة.”الضوء الأحمر الخافت جعل الممر يبدو كأنه جزء من كابوس قديم.الجدران المعدنية المتآكلة. المياه القذرة تحت أقدامهم. ورائحة الصدأ والدم القديم…كل شيء بالمكان بدا ميتًا.لكن ليس مهجورًا.ليلان ضمت الأطفال إليها فورًا.“ماذا يعني مختبر؟”سألت بصوت مرتبك وخائف.جواد لم يجب مباشرة.كانت عيناه تتحركان ببطء فوق الجدران، وكأن المكان يوقظ داخله ذكريات لا يريدها.أما كيان…فنظرته أصبحت أكثر حذرًا لأول مرة.“لم يكن من المفترض أن يبقى هذا المكان موجودًا.”قالها بهدوء.سليم ضحك بسخرية عصبية.“رائع. كل دقيقة نكتشف أن حياتنا أسوأ مما توقعنا.”لكن آدم لم يكن ينظر إلا لجواد.لاحظ شحوب وجهه. توتر كتفيه. ويده التي انقبضت بقوة حتى برزت عروقها.“جواد.”قالها بهدوء هذه المرة.“هل تستطيع المتابعة؟”صمت لثوانٍ.ثم أومأ ببطء.لكن لارا عرفت فورًا أنه يكذب.لأنها كانت تشعر بارتجاف يده.اقتربت منه أكثر دون كلام، فنظر لها للحظة قصيرة.لحظة ممتلئة بتعب هائل.“إذا شعرت بأي شيء غريب… تخبرني فورًا.”همست.ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.متع

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الطريق الذي لا عودة منه

    صوت انهيار الصخور فوق النفق أصبح أعلى من الرصاص نفسه.الغبار ملأ الهواء، والجدران بدأت تهتز بعنف متقطع جعل الجميع يشعر أن المكان سيسقط فوق رؤوسهم بأي لحظة.لكن رغم ذلك…لم يتحرك أحد لثوانٍ.---لأنهم كانوا ينظرون فقط إلى جواد.المنهار بين ذراعي لارا.---أنفاسه كانت مضطربة بشكل مؤلم، وجسده يرتجف بعنف، وكأنه خرج للتو من حرب داخل عقله.أما لارا…فكانت تضمه بقوة، يدها تمر فوق شعره ببطء، وكأنها تحاول إعادته لنفسه قطعة قطعة.---ليلان حبست دموعها بصعوبة.حتى آدم، الذي رفع سلاحه قبل دقائق نحوه، خفضه ببطء الآن.---أما كيان…فظل يراقب بصمته المرعب المعتاد.لكن تلك النظرة الغامضة لم تختفِ من عينيه.---“علينا التحرك.”قالها سليم أخيرًا بعصبية وهو ينظر للسقف المتشقق.“النفق سينهار بالكامل.”---صوت انفجار آخر دوّى بعيدًا، ثم تبعته صرخات رجال المنظمة من الممر الأمامي.---“إنهم يدخلون من الجهة الثانية أيضًا!”صرخ حسام.---كارما أمسكت الأطفال بسرعة أكبر.“أقسم إذا متنا داخل هذا المكان سألعنكم جميعًا.”---رغم التوتر…خرجت ضحكة قصيرة متعبة من ياسين.ثم اقترب منها سريعًا، وأخذ طفلًا من بين ذراعيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الممر السفلي

    صوت الرصاص داخل النفق كان يقترب بسرعة مرعبة.صرخات الرجال. ارتطام الأحذية بالأرض المبللة. وأصوات الأطفال الخائفة…كل شيء اختلط داخل فوضى خانقة جعلت التنفس نفسه صعبًا.“لارا تحركي!”صرخ آدم من عند باب الممر السفلي وهو يساعد طفلين على النزول بسرعة.لكنها لم تبتعد عن جواد.كان جالسًا على ركبتيه الآن، يداه تضغطان رأسه بعنف، وأنفاسه خارجة بشكل متقطع ومؤلم.وكأن حربًا كاملة تدور داخل عقله.“جواد…”همست وهي تمسك وجهه مجددًا.“اسمع صوتي.”عيناه رفعتا نحوها ببطء.متعبتان. ضائعتان. وممتلئتان برعب لم تره فيه من قبل.“اهربي…”خرجت منه بصعوبة.“قبل أن—”رصاصة اخترقت الجدار قربهما.تناثر الحجر فوق كتف لارا، فالتفت الجميع فورًا.“إنهم دخلوا!”صرخ ياسين وهو يطلق النار نحو الممر الرئيسي.حسام كان يدفع الأطفال للداخل بسرعة.“تحركوا! بسرعة!”أما كيان…فما يزال واقفًا وسط الفوضى بهدوء مقلق.يراقب فقط.سليم أمسك ذراعه بعنف.“إما أن تتكلم أو تبتعد من أمامنا!”كيان أبعد يده ببرود.“لن ينجو أحد إذا فقد السيطرة بالكامل.”“ماذا يحدث له؟!”صرخت لارا.كيان نظر لها للحظة.ثم قال:“هناك أوامر مزروعة داخل عقله.”ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status