LOGINقلب إيفان مشغّل الـMP3 بين أصابعه ببطء، وأخذ يتأمله للحظات، وكأن ملمسه أعاد إليه ذكرى ظلّت عالقة في مكان بعيد من ذاكرته.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن ابتسامة سخرية هذه المرة، بل كانت تحمل شيئًا من الحنين. رفع عينيه نحو الفتاة المنبوذة وقال بهدوء: — لقد أهديتكِ هذا عندما كنا طفلين... أتتذكرين؟ ما إن سمعت كلماته حتى توترت. تشنجت أصابعها دون وعي، وقبضت على طرف تنورتها، بينما بقيت عيناها معلقتين به. أما إيفان، فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: — أتتذكرين عندما أحضركِ أبي إلى منزلنا؟ صمت قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمام عينيه من جديد. — كان ذلك أجمل يوم بالنسبة إليّ... ثم ابتسم. وانسحب الحاضر من حوله شيئًا فشيئًا، لتعود ذاكرته إلى ما قبل عشر سنوات. قبل عشر سنوات... كان منزل عائلة إيفان هادئًا في ذلك الصباح، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة لتنعكس على أرضية الصالون اللامعة. كان إيفان الصغير في غرفته عندما سمع صوت والده يناديه من الأسفل. — إيفان! انزل يا بني، لقد أحضرت لكِ صديقة لطيفة. اتسعت عينا إيفان بحماس. ترك ما كان يفعله واندفع خارج غرفته، ثم بدأ يركض على الدرج بكل سرعته. كان يحمل في يده سيارة صغيرة من ألعابه، وعلى وجهه ابتسامة واسعة لم يستطع إخفاءها. وحين وصل إلى الصالون، توقف فجأة. كانت هناك طفلة صغيرة تقف إلى جانب والده. نظر إليها إيفان بفضول، ثم ابتسم واقترب منها بحماس. لكنها، ما إن رأته يقترب، حتى تراجعت بسرعة واختبأت خلف والد إيفان. توقّف الصغير مكانه. اختفت ابتسامته للحظة، ثم نظر إلى والده باستغراب. أما والده فضحك بخفة، بينما بقيت الطفلة متشبثة بطرف ثوبه وتنظر إلى إيفان بحذر. مد إيفان يده إليها. — أنا إيفان... وأنتِ؟ لكنها لم تجبه. اكتفت بالنظر إليه من خلف والدِه بعينين متوترتين. انحنى والد إيفان قليلًا، ثم أمسك بكتفيها برفق وأخرجها من خلفه. — ابنتي، هذا إيفان. إنه ليس مخيفًا، اذهبي والعبي معه. ظلت مترددة للحظات، ثم نظرت إلى إيفان من جديد. كان واقفًا أمامها، ويده لا تزال ممدودة، ينتظر منها أن تمسك بها. وبعد تردد قصير، تقدمت نحوه بخطوات صغيرة. ابتسم إيفان فورًا. قال والده: — إيفان، خذ هذه الفتاة والعب معها، وأرها ألعابك. ستقضي معنا أسبوعًا فقط، لذلك اعتنِ بها جيدًا. أضاءت عينا إيفان بسعادة. — حقًا؟! ستصبح لديّ صديقة؟ ضحك والده. — نعم. هز إيفان رأسه بحماس. — حسنًا يا أبي، سأعتني بها جيدًا! ثم أمسك يدها وسار بها نحو غرفته. لكن الطفلة التفتت إلى الخلف. كانت تبحث بعينيها عن والد إيفان، وكأنها لا تزال غير مطمئنة. لاحظ الأب ذلك، فابتسم لها وحرك رأسه في إشارة مطمئنة. وكأنه يقول لها: اذهبي معه... لا تخافي. التفتت إليه للحظة، ثم تابعت سيرها مع إيفان. دخل الاثنان غرفته. فتح إيفان صناديق ألعابه بحماس، وأخذ يخرج السيارات والمكعبات والألعاب التي كان يحبها. ثم توقف. نظر إلى الطفلة. كانت جالسة على طرف السرير بصمت، تراقبه دون أن تلمس شيئًا. نظر إلى ألعابه، ثم إليها. — لحظة... خرج من الغرفة وركض إلى غرفة أخته الكبرى. وبعد دقائق عاد وهو يحمل دمية بين يديه. اقترب منها ومد الدمية إليها. — هذه لكِ. نظرت الطفلة إلى الدمية، ثم أخذتها منه. لكنها لم تبتسم. كان وجهها هادئًا، باردًا على نحو غريب بالنسبة إلى طفلة في عمرها. لم ينزعج إيفان. بل اقترب منها أكثر، وانحنى قليلًا وهمس في أذنها: — العبي بها، صحيح أنها تخص أختي، لكنها لن تعرف أنها معكِ لأنها ليست هنا. لا تقلقي، لن آخذها منكِ. نظرت إليه للحظة، ثم بدأت تحرك الدمية بين يديها. ابتسم إيفان بسعادة، وعاد إلى ألعابه. مرّ الوقت وهما يلعبان معًا. شيئًا فشيئًا، بدأت الطفلة تنسى خوفها منه. وبعد فترة، توقفت عن اللعب وقالت بصوت هادئ: — أيها الفتى... أريد النوم. رفع إيفان رأسه إليها. — تريدين النوم؟ هزت رأسها. فنهض فورًا، وأشار إلى سريره. — نامي هنا، وأنا سأنام بجانبك. تقدمت الطفلة إلى السرير واستلقت عليه. وبعد لحظات، فتح والد إيفان الباب. — إيفان، سأخذ الفتاة إلى غرفتها. لقد جهزناها لها. نهض إيفان بسرعة. — لكن أبي! اقترب منه. — لقد أحببتها كثيرًا، وارتحت إليها. هل يمكن أن تبقى هنا الليلة؟ أرجوك يا أبي. نظر والده إليه، ثم إلى الطفلة المستلقية على السرير. ابتسم ابتسامة صغيرة. — حسنًا، ولكن ناما بهدوء. اتسعت ابتسامة إيفان. — شكرًا يا أبي! خرج والده وأغلق الباب. استلقى إيفان إلى جانبها، ثم التفت إليها. — هل تريدين أن أحكي لكِ قصة؟ أومأت برأسها. وبدأ إيفان يحكي لها قصة بصوت خافت، محاولًا تقليد أصوات الشخصيات بطريقة طفولية مضحكة. لكن قبل أن يكمل القصة، التفت إليها. كانت قد أغمضت عينيها. نامت بعمق. نظر إليها إيفان بدهشة، ثم ابتسم. كانت تلك أول مرة يراها تنام بهذه الراحة منذ أن وصلت إلى المنزل. وفي صباح اليوم التالي، استيقظا معًا. فتح إيفان عينيه، ثم ابتسم. — صباح الخير، أيتها الفتاة. فتحت عينيها وأجابته بهدوء: — صباح الخير. اقترب منها إيفان، ومد إصبعه ولمس خدها برفق. — أنتِ جميلة... وبشرتك ناعمة. نظرت إليه بثقة طفولية، ثم قالت ببرود: — هل سيغار أصدقاؤك لأن لديك صديقة مثلي؟ تغيرت ابتسامة إيفان قليلًا. خفض عينيه نحو الغطاء وقال بصوت خافت: — ليس لدي أصدقاء... أنتِ أول صديقة لي. نظرت إليه للحظات. ثم قالت بهدوء: — وأنا أيضًا ليس لدي أصدقاء. رفعت يدها نحوه. — لا تحزن... سأصبح صديقتك. نظر إيفان إلى يدها، ثم صافحها بابتسامة مشرقة. كان سعيدًا بطريقة لم يعرف كيف يصفها. وأخيرًا أصبح لديه صديقة. --- مرّ أسبوع كامل. وفي ذلك اليوم، كان إيفان والطفلة يركضان في أرجاء الصالون، وقد نسيا تمامًا أن ذلك اليوم هو آخر يوم لها في المنزل. كان إيفان يلاحقها وهو يضحك، بينما كانت هي تضحك وتهرب منه. لم تعد تلك الطفلة التي اختبأت خلف والده في اليوم الأول. وفجأة ظهرت والدتهما. توقفت عند باب الصالون، ونظرت إليهما بغضب. — هيا، اذهبا إلى غرفتكما! لقد أزعجتماني، أيها الأحمقان! تجمد الاثنان. ثم تبادلا نظرة سريعة. وركضا معًا نحو غرفة إيفان. لكن قبل أن يصلا إليها، وفجأة دوّى صوت جرسٍ حاد في أرجاء المنزل. ما إن وصل الصوت إلى أذنيها حتى تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها بفزع. رفعت يديها بسرعة إلى أذنيها، وبدأت أنفاسها تتسارع، وكأن ذلك الصوت أعاد إليها خوفًا قديمًا لا تستطيع السيطرة عليه. جعل الطفلة تتوقف في مكانها. تغير وجهها فورًا. وضعت يديها فوق أذنيها، واضطربت أنفاسها. بدأ جسدها يرتجف، وانكمشت على نفسها وهي تبكي. — أطفئوه... لا أستطيع تحمله... تراجع إيفان الصغير خطوة، وقد أصابه الذعر. لم يكن يعرف ماذا يفعل. كان طفلًا مثلها، لكنه كان يرى خوفها أمامه، وكان عاجزًا عن مساعدتها. ثم خطرت له فكرة. ركض بأقصى سرعته إلى غرفة أخته الكبرى. فتح الخزانة التي كانت تُحفظ فيها الأشياء القديمة، وبدأ يبحث بين الأغراض حتى وجد مشغّل الـMP3 وسماعاته. أمسكهما وركض عائدًا إليها. كانت لا تزال جالسة وهي تبكي، ويداها تغطيان أذنيها. اقترب منها إيفان بسرعة، ثم وضع السماعتين فوق أذنيها. توقفت للحظة. حدقت فيه بعينين دامعتين. ثم هدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا. ابتسم إيفان بقلق، وسألها: — هل ساعدك هذا؟ هل يؤلمك شيء الآن؟ أخبريني. لكن قبل أن تجيبه، دخل والد إيفان إلى الغرفة. اقترب من الطفلة وأمسك يدها. — هيا، سنذهب. ركض إيفان خلفهما. — أبي! إلى أين تأخذها؟ توقف الأب في الصالون، ثم التفت إليه. — سأخذها إلى دار الأيتام. لقد انتهى الأسبوع. تغير وجه إيفان. — لكن أبي... هل انتهى بهذه السرعة؟ ثم أمسك بيد والده. — أنا أريدها أن تبقى. أرجوك يا أبي! رفع والده صوته: — كفى يا إيفان! لا تجبرني على فعل شيء يؤذيك. اذهب إلى غرفتك. خفض إيفان رأسه، لكنه سرعان ما قال: — حسنًا... دعني أودعها فقط. اقترب من الطفلة واحتضنها بقوة. ثم ابتعد قليلًا، وأمسك السماعات والمشغّل ووضعهما في يديها. همس لها: — احتفظي بهما. إذا حدث لكِ هذا مرة أخرى، ستساعدكِ السماعات حتى لا تسمعي ذلك الصوت. نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحزن. — وسأزورك دائمًا في دار الأيتام. لن تكوني وحدكِ. نظرت إليه الطفلة بعينين دامعتين. — قل وعدًا. رفع إيفان إصبعه الصغير أمامها. — أعدك. جاء صوت والده من الخلف: — هيا، لا تضيعا وقتي. أمسك بها وغادر. ظل إيفان واقفًا للحظات، يراقبهما حتى اختفيا. ثم ركض إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه، وانفجر بالبكاء. جلس على سريره، ونظر حوله. كانت الغرفة نفسها... الألعاب نفسها... كل شيء في مكانه. لكنها لم تعد تبدو كغرفته. لأنها رحلت. --- عاد إيفان إلى الحاضر. كانت الفتاة المنبوذة واقفة أمامه، وعيناها ممتلئتان بمشاعر متشابكة. فجأة، اقتربت منه وضربت صدره بقبضتها. — لماذا لم تزُرني؟ ثم ضربته مرة أخرى، وصوتها يرتجف من الغضب والحزن. — لماذا كذبت عليّ؟ أمسك إيفان بيديها قبل أن تضرباه مجددًا. — توقفي... رفعت عينيها إليه، وكانت نظرتها تحمل عتاب سنوات كاملة. — هل كان من السهل عليك أن تخدعني؟ لقد كنت أنتظر قدومك بشدة... فهل لديك جواب عن كل هذا؟ صمت إيفان. نظر إلى عينيها طويلًا. ولأول مرة، لم يحاول المزاح أو التهرب. قال بصوت خافت: — ليس لدي جواب. وقبل أن تقول شيئًا، سُمع صوت من خلفهما. — ماذا تفعلان؟ التفتا. كان اليكسندر يقف في نهاية الممر، ينظر إليهما باستغراب. ابتعدت الفتاة المنبوذة عن إيفان بسرعة، وكأنها لا تريد أن يلاحظ شيئًا غريبًا بينهما. أما إيفان، فتقدم نحو اليكسندر بخطوات هادئة. وضع يده على كتفه، ثم زفر ببطء. كانت نبرته هذه المرة هادئة، لكنها مثقلة بحزن لم يستطع إخفاءه. — اعتنِ بهذه الفتاة جيدًا. نظر إلى اليكسندر مباشرة. — إنها أمانة في عنقك. ثم ترك كتفه وغادر. ظل اليكسندر يراقبه وهو يبتعد، وقد عقد حاجبيه باستغراب. تمتم: — ماذا يقول هذا الغبي؟ ولماذا يتحدث عنها وكأنها مهمة بالنسبة إليه؟ رفعت الفتاة المنبوذة يدها قليلًا، وقالت ببرود: — لا تهتم. ثم استدارت وسارت في الممر. بقي اليكسندر واقفًا في مكانه، يتابعها بنظرات حائرة. ثم رفع صوته خلفها: — هل أنتِي على مايرامحلّ المساء، وعادت الفتاة المنبوذة من المدرسة بخطوات هادئة، بينما كان اليكسندر يسير خلفها على مسافة قصيرة، واضعًا يديه في جيوب معطفه، يراقب الطريق بصمت. كان الهواء باردًا قليلًا، والشارع أكثر هدوءًا من المعتاد. لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتهما المتتابعة وأصوات السيارات البعيدة. وفجأة، توقفت الفتاة المنبوذة. رفع اليكسندر رأسه باستغراب، فرأى أمامها جروًا صغيرًا أبيض اللون، يقف بالقرب من أحد المنازل، وكان ينبح بصوت ضعيف ومتقطع. ما إن رأته حتى تغيرت ملامحها. لأول مرة منذ بداية الطريق، بدت على وجهها علامات فرح واضحة. أسرعت نحوه، ثم جلست على ركبتيها أمامه ومدت يدها لتداعب فروه الناعم. — هل تبحث عن أهلك؟ توقف الجرو عن النباح، وأخذ ينظر إليها بعينين بريئتين. ابتسمت له الفتاة المنبوذة ابتسامة صغيرة، ثم مررت أصابعها فوق رأسه. — لا تخف... أنا هنا. حرك الجرو ذيله، واقترب منها أكثر. ضحكت بخفة. — وأنت؟ لماذا أنت هنا وحدك؟ أنت ما زلت صغيرًا... أين صاحبك؟ حملته بين ذراعيها ونهضت، ثم أخذت تدور به ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة لم يعتد اليكسندر رؤيتها منها. — أنت ناع
قلب إيفان مشغّل الـMP3 بين أصابعه ببطء، وأخذ يتأمله للحظات، وكأن ملمسه أعاد إليه ذكرى ظلّت عالقة في مكان بعيد من ذاكرته.ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن ابتسامة سخرية هذه المرة، بل كانت تحمل شيئًا من الحنين.رفع عينيه نحو الفتاة المنبوذة وقال بهدوء:— لقد أهديتكِ هذا عندما كنا طفلين... أتتذكرين؟ما إن سمعت كلماته حتى توترت.تشنجت أصابعها دون وعي، وقبضت على طرف تنورتها، بينما بقيت عيناها معلقتين به.أما إيفان، فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:— أتتذكرين عندما أحضركِ أبي إلى منزلنا؟صمت قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمام عينيه من جديد.— كان ذلك أجمل يوم بالنسبة إليّ...ثم ابتسم.وانسحب الحاضر من حوله شيئًا فشيئًا، لتعود ذاكرته إلى ما قبل عشر سنوات.قبل عشر سنوات...كان منزل عائلة إيفان هادئًا في ذلك الصباح، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة لتنعكس على أرضية الصالون اللامعة.كان إيفان الصغير في غرفته عندما سمع صوت والده يناديه من الأسفل.— إيفان! انزل يا بني، لقد أحضرت لكِ صديقة لطيفة.اتسعت عينا إيفان بحماس.ترك ما كان يفعله واندفع خارج غرفته، ثم بدأ يركض على الد
كانت الفتاة المنبوذة جالسةً في مقعدها بصمت، تحدّق أمامها بشرود، بينما كان اليكسندر قد خرج، على الأرجح، إلى الحمّام.مرّت الدقائق بطيئةً وثقيلة، ولم يدخل الأستاذ إلى الفصل بعد. أخذ الضجر يتسلل إليها شيئًا فشيئًا، فتنفست بضيق، ثم ألقت نظرة سريعة حولها.لم يكن إيفان في مكانه أيضًا.لقد جاء معهم في وقت سابق، لكنها لم تره منذ ذلك الحين، ولم يظهر حتى الآن في الفصل.تنهدت بهدوء، ثم وقفت عن مقعدها.أخرجت سماعاتها، ووضعتها فوق أذنيها، بينما وضعت مشغّل الـMP3 الصغير في جيبها، ثم غادرت الفصل دون أن تلفت انتباه أحد.سارت في الممر الهادئ بخطوات متثاقلة، وكانت أصوات الطلاب المتناثرة تصلها مكتومةً عبر السماعات. وبينما كانت ترفع عينيها تبحث عن إيفان، ظهرت أمامها ميلينا وصوفيا.كانت كل واحدة منهما تشبك ذراعها بذراع الأخرى، وتسيران معًا وهما تتحدثان وتضحكان.ما إن لمحَتا الفتاة المنبوذة حتى خفتت ضحكاتهما، وتبادلت الاثنتان نظرةً ذات مغزى.لم تهتم الفتاة المنبوذة، وأرادت تجاوزهما دون كلمة.لكن، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، مدت ميلينا ساقها فجأة أمامها.لم تنتبه الفتاة المنبوذة إلى ما فعلته إلا بعد فوات الأو
وضع اليكسندر يديه في جيبي معطفه، ثم حرّك إحدى ساقيه بملل، وأطلق صفيرًا قصيرًا وهو يرفع ذقنه بغرور، وكأنه يتحدث عن أمر محسوم لا يقبل النقاش. — لماذا سنُعجب بشكلك أصلًا؟ رغم أنني أوسم منك. التفت إليه إيفان ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة توحي بأنه لم يأخذ كلامه على محمل الجد. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رقبته، ثم قال بنبرة ساخرة: — لأنني رأيتكم تنظرون إليّ بدهشة، لذلك قلت هذا. لم يرد اليكسندر، واكتفى بنظرة جانبية متعالية. في تلك اللحظة، تقدمت الفتاة المنبوذة نحو الدراجة النارية بخطوات هادئة، ثم وقفت أمام إيفان ونظرت إليه ببرود تام. — ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اذهب في طريقك. رفع إيفان حاجبه، ثم أجابها بنبرة هادئة تحمل شيئًا من المزاح: — إنها صدفة، ألم يعجبك الأمر؟ لكن حسنًا كما تريدين... إلا أن قلبي لن يفرط بكما. وقبل أن ترد، جاء صوت اليكسندر من بعيد، مرتفعًا وواضحًا: — فرّط بنا! نحن لا نريد مساعدتك! كان إيفان على وشك وضع الخوذة على رأسه، إلا أن الفتاة المنبوذة نظرت إلى الساعة في معصمها، واتسعت عيناها قليلًا حين أدركت الوقت. — لا، لا، توقف! سنذهب معك. توقفت يد إيفان في الهواء، ثم
---نظرت الفتاة المنبوذة إلى الورقة الموضوعة بجانب الثلاجة، ثم مدت يدها وأخذتها بتردد. فتحتها وبدأت تقرأ ما كُتب فيها سطرًا بعد آخر.ومع استمرارها في القراءة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دون أن تشعر.لكنها سرعان ما انتبهت إلى نفسها، فعادت ملامحها الباردة إلى وجهها وكأن شيئًا لم يحدث.وضعت الورقة جانبًا، ثم وضعت يديها على خصرها، وأخذت تحرك قدمها بضيق وهي تحدق في الثلاجة الممتلئة أمامها.تنفست بعمق، وقالت لنفسها بنبرة ساخطة:— ماذا أفعل الآن بهذه البلوى التي سقطت فوق رأسي؟!ثم حدقت في الرفوف لحظة أخرى، وتذكرت ما فعله اليكسندر في منزلها.قطبت حاجبيها وقالت بانزعاج:— ولم يكتفِ بذلك... بل عبث بدفتري أيضًا، وأخذ قلمي واستخدمه!هزت رأسها بضيق، ثم استدارت وغادرت المطبخ.دخلت غرفتها، واتجهت مباشرة إلى الحمام. فتحت الصنبور، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم أمسكت فرشاة أسنانها وبدأت بتنظيف أسنانها بحركات قوية، وكأنها تفرغ فيها كل انزعاجها.وبعد دقائق، غسلت فمها، ثم خرجت وهي تجفف وجهها بمنشفة صغيرة.لكنها توقفت عند عتبة غرفتها.أخذت تتفحص المكان بنظرة طويلة.كانت الملابس مبعثرة هنا وهناك، والكت
---ثم ألقى أليكسندر نظرة أخيرة نحو الفتاة المنبوذة، ليتأكد من أنها ما تزال غارقة في نومها. كانت ملامحها هادئة على غير عادتها، وشعرها مبعثر قليلًا حول وجهها.التفت بعدها نحو حقيبتها الموضوعة على الأريكة، فتردد للحظة، ثم اقترب منها وفتحها بحذر. أخرج قلمًا وورقة صغيرة، واتجه بهما إلى المطبخ.وقف أمام الثلاجة، وأسند الورقة إلى الطاولة، ثم طواها إلى نصفين وبدأ يكتب بخط واضح:> «أرجوكِ، لا تغضبي مني بسبب ما فعلته. أعلم أنكِ قد تظنين أنني أشفق عليكِ، لكن الأمر ليس كذلك. أنا فقط أردت مساعدتك، لا أكثر.ولكي لا تنزعجي مني، اعتبري كل ما اشتريته لكِ دينًا عليكِ، ويمكنكِ إعادته إليّ عندما تستطيعين. ولا تنسي أنني أحضرت لكِ البيتزا التي تحبينها، لقد وضعتها في الثلاجة، فسخنيها عندما تستيقظين وتناوليها. لا أريدكِ أن تبقي جائعة.»توقف عن الكتابة قليلًا، وحدّق في الكلمات أمامه، ثم أضاف بابتسامة صغيرة:> «وأرجوكِ، لا تفكري كثيرًا في الأمر. لم أفعل شيئًا يستحق الشكر.»طوى الورقة بعناية، ووضعها في مكان واضح بجوار الثلاجة، حتى تكون أول ما تقع عليه عيناها عندما تستيقظ.ثم اتجه نحو المكتبة الصغيرة الموجودة ف







