بيت / التشويق / الإثارة / الفستان / الفصل الثالث: أول خيط اتهام

مشاركة

الفصل الثالث: أول خيط اتهام

مؤلف: Zeze
last update تاريخ النشر: 2026-07-24 13:49:05

في مركز الشرطة المركزي، وفي غرفة تحقيق باردة الإضاءة، جلست ريم بعد ساعات من ليلة الجريمة، منهكة، وثوبها الملطخ بالدم ما يزال عليها لأن أحدًا لم يفكر في منحها فرصة لتغييره وسط الفوضى التي تلت اكتشاف الجثة.

كان المحقق المسؤول عن القضية في تلك الليلة الأولى ضابطًا اسمه رأفت النجار، رجل في الخمسينيات، معروف بحرصه على إغلاق القضايا الكبرى بسرعة تُرضي الرأي العام والساسة النافذين، أكثر من حرصه على الدقة المطلقة.

قال رأفت وهو يقلّب أوراق التحقيق: "أنتِ من عثر على الجثة."

"نعم."

"وكنتِ آخر شخص رأى يارا الحمدان حية، بحسب أقوال الحضور."

"كنت أعدّل فستانها في غرفة القياس، ثم نزلت إلى القاعة الكبرى. لم أرها بعد ذلك."

"لكن أحد الحراس يقول إنه رآكِ تتجهين نحو الممر الخلفي، حيث عُثر على الجثة، قبل دقائق من سماع صراخكِ."

توقفت ريم للحظة، محاولة تذكر تفاصيل تلك الدقائق المشوشة. قالت: "ربما أخطأ في المسار، أو ربما رآني في وقت آخر. أنا فقط دخلت الغرفة حين لاحظت الباب مفتوحًا، ووجدتها بالفعل..."

قاطعها رأفت: "ويداكِ ملطختان بدمائها."

"لأنني حاولت مساعدتها! لمست عنقها لأتحقق من نبضها!"

كان صوتها يرتفع من الإحباط، لكن الضابط لم يتزحزح تعبيره الجاف قيد أنملة. كان يدوّن كل كلمة، لكنه في الوقت نفسه، كان يبني في ذهنه رواية بسيطة ومريحة: مصممة أزياء تتشاجر مع عميلتها الثرية على أجر متأخر أو خلاف شخصي، ثم تقتلها في لحظة غضب، وتحاول التغطية على الأمر بسرقة العقد لتوجيه الشبهة نحو لص مجهول.

الرواية كانت خاطئة، لكنها كانت مريحة؛ لأنها لا تُقلق أحدًا من كبار الشخصيات الحاضرين في تلك الليلة، ولا تفتح بابًا لتحقيق أعمق قد يمسّ اسم عائلة الحمدان النافذة.

سُئلت ريم عن علاقتها المالية بيارا، فأجابت بصدق أن يارا كانت قد دفعت لها مقدمًا كامل أجر تصميم الفستان، بل وأضافت مكافأة سخية، ولم يكن بينهما أي خلاف مطلقًا؛ بل كانت العلاقة تقترب من الصداقة الحقيقية.

لكن أحد الحاضرين في الحفل، سيدة من معارف نادية، أدلت بشهادة أثارت الشكوك أكثر: قالت إنها سمعت يارا وريم "تتحدثان بنبرة متوترة" في وقت سابق من الليلة، قرب غرفة القياس، رغم أن ما سمعته في الحقيقة كان مجرد نقاش عادي حول تفصيلة في الفستان.

هكذا، بدأت التفاصيل البريئة تتحول، حبة رمل بحبة رمل، إلى جبل من الشك المتصاعد حول ريم.

في اليوم التالي، استُدعيت للتحقيق مرة أخرى، وهذه المرة، أُبلغت أن آثار أصابعها وُجدت على إطار النافذة الزجاجية القريبة من مكان مقتل يارا، وهو أمر لم تنكره ريم؛ فقد فتحت تلك النافذة بالفعل قبل ساعات من الجريمة، حين شعرت بحرارة الغرفة أثناء تجهيز الفستان.

لكن التوقيت الذي حدده المحققون لبصماتها كان مضللًا؛ إذ افترضوا، دون دليل قاطع، أن البصمات تركت في وقت قريب من الجريمة، لا قبلها بساعات كما حدث فعليًا.

قال أحد أفراد فريق التحقيق لرأفت النجار في اجتماع مغلق: "لدينا بصمات، ودم على يديها، وشهادة عن خلاف مسموع، وغياب أي مشتبه به آخر واضح. هذا يكفي لتوجيه الاتهام."

اعترض أحد المحققين الأصغر سنًا، شابًا اسمه سامي، وقال: "لكن كيف انتقلت الجريمة إلى تلك الغرفة البعيدة عن مكان عرض العقد؟ هذا التناقض لم يُفسَّر بعد."

أجاب رأفت بضيق: "سنترك هذا السؤال للمحكمة. مهمتنا الآن توجيه الاتهام بناءً على الأدلة المتاحة."

كانت تلك اللحظة، رغم صغرها، أول شرخ في جدار الرواية الرسمية، شرخ لم يلحظه أحد بعد، لكنه سيصبح لاحقًا أحد أهم المفاتيح التي ستقود إلى الحقيقة.

خرجت ريم من التحقيق في ذلك اليوم وهي تشعر أن الأرض تنسحب من تحت قدميها، وأن كل كلمة تقولها للدفاع عن نفسها تتحول، في يد المحققين، إلى دليل إضافي ضدها.

اتصلت بعمر، خطيبها، آملة أن يكون سندها في هذه اللحظة القاسية. رد عليها بصوت متوتر وقال: "ريم، أنا أحاول أن أفهم ما يحدث. المحامون ينصحونني بألا أُدلي بأي تصريحات علنية الآن، حتى تتضح الصورة."

لم تكن تلك الكلمات وحدها ما جرح ريم، بل النبرة الباردة التي حملتها؛ نبرة رجل يحسب موقفه الاجتماعي أولاً، قبل أن يفكر في المرأة التي يفترض أنه يحبها.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفستان   الفصل العاشر: خيط في نسيج الكذب

    بدأ خالد وريم، بالتنسيق الحذر مع المحامي، يبنيان معًا خطًا زمنيًا دقيقًا لتلك الليلة، محاولين سد كل الثغرات التي تركتها الشرطة في تحقيقها المتسرع. طلب خالد من ريم أن تحاول تذكر أي تفصيلة، مهما بدت تافهة، عن سلوك نادية في الأسابيع التي سبقت الحفل.تذكرت ريم عندئذ تفصيلة كانت قد نسيتها تمامًا وسط صدمة الأحداث: قبل الحفل بأسبوع، أثناء جلسة قياس أخيرة للفستان، دخلت نادية على يارا وهما منشغلتان، وسمعت ريم، دون قصد، جزءًا من مكالمة هاتفية أجرتها نادية في الرواق المجاور، حيث كانت تتحدث بصوت خافت لكنه غاضب مع شخص ما عن "مستحقات تأخرت كثيرًا" وأنها "لن تسمح بأن يُهضم حقها مرة أخرى."في حينها، لم تولِ ريم الأمر أي اهتمام، ظانّة أنه مجرد خلاف مالي عابر لا يخصها. لكن حين أخبرت خالد بهذه التفصيلة الآن، توقف قلمه عن الكتابة للحظة، وشعر أن هذا قد يكون الخيط الذي يبحث عنه منذ أيام.قال بحماس مهني مكتوم: "هذه المكالمة قد تكون مرتبطة بخلافها مع الوزير طارق حول الميراث أو الوصية. سأحاول الحصول على سجلات اتصالاتها الهاتفية في تلك الفترة، رغم أن هذا سيتطلب إذنًا قضائيًا قد يصعب الحصول عليه دون دليل أقو

  • الفستان   الفصل التاسع: تعاون حذر

    التقى خالد وريم في غرفة اجتماعات صغيرة داخل مكتب محاميها، بعيدًا عن الأجواء الرسمية الباردة لمركز الاحتجاز. كان حضور المحامي شرطًا أساسيًا لضمان أن يكون كل شيء يُقال في هذا اللقاء موثقًا وقانونيًا، لكن الأجواء، رغم ذلك، كانت أقل توترًا بكثير من لقائهما الأول.قال خالد، وهو يفتح دفتر ملاحظاته: "وجدت بعض التناقضات في الملف الرسمي، ريم. أحتاج منكِ أن تتذكري بدقة، دقيقة بدقيقة، كل تحركاتك في تلك الليلة، بدءًا من وصولك إلى القصر."للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة، شعرت ريم أن شخصًا ما يستمع إليها بجدية حقيقية، لا بحثًا عن دليل إضافي لإدانتها، بل بحثًا عن الحقيقة الكاملة، مهما كانت معقدة.بدأت تسرد له كل تفصيلة تتذكرها: وصولها مبكرًا لتجهيز الفستان، وجودها مع يارا في غرفة القياس، دخول نادية عليهما لدقائق قصيرة، نزولها لاحقًا إلى القاعة الكبرى، ومحاولتها العثور على يارا حين تأخرت عن الظهور للإعلان الرسمي.توقف خالد عند تفصيلة بعينها: "قلتِ إن نادية دخلت غرفة القياس قبل مغادرتك. هل لاحظتِ أي شيء غريب في سلوكها؟"فكرت ريم للحظة، ثم قالت: "في الحقيقة، نعم. كانت هناك نظرة غريبة في عينيها حين ن

  • الفستان   الفصل الثامن: تحقيق في الظل

    قرر خالد أن يبدأ تحقيقه الخاص بعيدًا عن الأضواء الرسمية، متجنبًا لفت انتباه رؤسائه إلى حجم الشكوك التي بدأت تتشكل في ذهنه. كان يعرف جيدًا أن الاقتراب من عائلة نافذة كعائلة الحمدان دون أدلة دامغة قد يُنهي مسيرته المهنية بالكامل، لذلك اختار التحرك بحذر شديد المنهجية.بدأ بمراجعة تقرير الطبيب الشرعي بدقة متناهية، ولاحظ التناقض نفسه الذي لفت انتباه ريم لاحقًا: التوقيت المقدَّر لوفاة يارا كان أقرب إلى الساعة العاشرة والنصف مساءً، بينما كانت الشهادات الرسمية تضع ريم في القاعة الكبرى، أمام عشرات الشهود، حتى الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة، أي بعد الوقت المقدَّر للوفاة بدقائق ملحوظة.هذا التناقض، الذي تجاهله المحقق رأفت النجار في تسرعه لإغلاق القضية، كان في الحقيقة ثغرة كبيرة في الرواية الرسمية بأكملها.طلب خالد، بصفته المسؤول عن المراجعة، إعادة استجواب بعض الشهود الذين حضروا الحفل تلك الليلة، متذرعًا بحاجته إلى "استكمال بعض التفاصيل الإجرائية". قابل عددًا من الحراس الأمنيين الذين كانوا يعملون في القصر تلك الليلة، وسألهم بدقة عن تحركات كل شخص قرب الممر الخلفي المؤدي إلى غرفة الجريمة.أح

  • الفستان   الفصل السابع: العزلة

    مرّ أسبوعان على توجيه الاتهام الرسمي لريم، وتحوّلت حياتها خلالهما إلى سلسلة متصلة من الإذلال الصامت. الصحف توقفت عن الحديث عنها يوميًا، لكن الأثر الذي تركته في وعي الناس بقي راسخًا؛ فقد أصبح اسمها مرادفًا، في أحاديث المجتمع الراقي، لكل ما هو مشبوه وخطير.زارتها صديقتها الوحيدة التي لم تتخلَّ عنها، هالة، وهي مصممة أزياء أخرى كانت تعمل معها منذ سنوات في نفس الصالون. جلست الاثنتان في شقة ريم الصغيرة، وسط صمت ثقيل قطعه صوت هالة أخيرًا: "الجميع يتحدث عنكِ يا ريم، لكن لا أحد يتحدث معك. هذا هو الفرق الذي قتلني في هذه المدينة."قالت ريم بمرارة: "الأسوأ من كل هذا يا هالة، أن عمر لم يعد يتصل بي إلا مرة كل أيام، بأعذار واهية عن انشغاله. أشعر أنه ينتظر فرصة مناسبة لإنهاء الخطوبة دون أن يبدو الطرف السيئ في القصة أمام الناس."لم تكن هالة تعرف كل التفاصيل، لكنها كانت قد سمعت شائعات من دائرة معارفها المشتركة عن تردد عمر الملحوظ في الدفاع عن خطيبته أمام أي منتقد، بل إن بعضهم لاحظ أنه بدأ يظهر في مناسبات اجتماعية دون ذكر اسمها إطلاقًا، وكأنه يحاول محو أي ارتباط علني بينهما تدريجيًا.في الحقيقة، كان

  • الفستان   الفصل السادس: ما قبل الرفض

    عاد خالد إلى شقته تلك الليلة، لكنه لم يستطع النوم. جلس أمام النافذة، يحدّق في أضواء المدينة المتناثرة، وعقله يعود به، رغمًا عنه، إلى سنوات بعيدة، حين كان كل شيء بينه وبين ريم أبسط وأصفى بكثير.كانا قد التقيا في السنة الثانية من الجامعة، في قسم الفنون، حين كانت ريم طالبة موهوبة تعمل على أول مجموعة أزياء لها لمشروع تخرج زميلة، وكان خالد يدرس القانون في الكلية المجاورة، جاء ذات يوم مرافقًا لصديق له لحضور عرض أزياء طلابي صغير، ولم يكن يتخيل أن تلك الأمسية ستغيّر مسار حياته بأكملها.رآها تقف خلف الكواليس، تُصلح تفصيلة أخيرة في أحد الفساتين بيديها المرتجفتين من التوتر، وابتسم لها ابتسامة عفوية جعلتها تضحك رغم قلقها. من تلك اللحظة، بدأت قصة استمرت أربع سنوات كاملة، مليئة بالأحلام المشتركة والمشي الطويل في شوارع المدينة القديمة، وبالوعود التي كانا يتبادلانها عن مستقبل يجمعهما.لكن في السنة الأخيرة من دراستهما، تغيّرت الأمور. بدأت عائلة ريم، التي كانت من عائلة ميسورة الحال لكن محافظة اجتماعيًا، تضغط عليها للارتباط بشخص يملك "مستقبلاً واضحًا ومستقرًا"، بينما كان خالد، آنذاك، لا يزال طالبًا ي

  • الفستان   الفصل الخامس: عودة خالد

    في مكتب صغير داخل مبنى الشرطة، بعيدًا عن الأضواء التي تلاحق القضايا الكبرى، كان المحقق خالد راشد يقرأ ملف قضية "مقتل يارا الحمدان" للمرة الثالثة، بعينين لا تفارقهما نظرة التركيز الباردة التي اشتهر بها بين زملائه.كان خالد يُعرف في الدائرة الأمنية بلقب "الرجل الذي لا يبتسم"؛ رجل في أواخر الثلاثينيات، دقيق إلى حد الهوس، لا يقبل نتيجة تحقيق إلا بعد أن يتأكد بنفسه من كل تفصيلة فيها، مهما كانت صغيرة. لم يكن باردًا بطبعه في الحقيقة، لكنه تعلّم منذ سنوات أن يخفي كل شيء خلف قناع من الصرامة المهنية، بعد أن كسرته الحياة مرة واحدة، بطريقة لم يخبر بها أحدًا.طلب نقل ملف القضية إليه بعد أن سمع، كغيره من الجميع، اسم "ريم الشامي" في الأخبار. لم يخبر أحدًا بالسبب الحقيقي وراء إصراره على تولي هذه القضية تحديدًا، رغم أنها أُغلقت رسميًا من الناحية الإجرائية بتوجيه الاتهام لريم؛ فقد كان قسم آخر في الشرطة يراجع القضية بشكل روتيني تمهيدًا لإحالتها للمحكمة، وطلب خالد أن يكون هو المسؤول عن تلك المراجعة الأخيرة.الحقيقة أن اسم "ريم الشامي" لم يكن اسمًا عابرًا بالنسبة له؛ كان اسم المرأة التي أحبها منذ أيام

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status