Home / الرومانسية / اللقاء المجنون / الثالث والسبعون

Share

الثالث والسبعون

Author: Noona
last update publish date: 2026-06-28 02:57:09

تلاقت أعين عماد وسارة داخل صندوق السيارة الربع نقل تحت ثقل الشوادر القماشية الخشنة، وكان وميض الضوء المتسلل من الشقوق يرسم خطوطاً باهتة على وجهيهما الملطخين بتراب السراديب وكبريت المياه الجوفية. لم تكن النظرة بينهما مجرد خوف من مطاردة سيارات المرسيدس السوداء التي تئن سيريناتها خلفهم على طول كورنيش النيل، بل كانت إدراكاً لـ "الورطة الوجودية" التي غرقوا فيها. إنهم لم يعودوا مجرد شهود على جريمة هدم مقابر، بل أصبحوا التروس الحية في آلة زمنية قاهرة بدأت تدور منذ عصر الخديوي إسماعيل، مروراً بصدمة عام 1978، وصولاً إلى هذا الفجر القبطي من عام 2026.

عالية المصرلي أغلقت الدفتر السري المجلد بالجلد القرمزي بعنف، والتفتت إلى عماد قائلة بنبرة حاسمة وسط اهتزاز السيارة العنيف:

"طارق الأنصاري مش مجرد مهندس تخطيط يا عماد.. طارق هو العقل الهندسي لـ 'المجلس السري'. فريدة بتدير العقود والتمويل الدولي من باريس ولوغانو، وطارق بيمسح الأرض على الواقع بالجرافات وقرارات الإزالة الإدارية. 'كشكول الحكايات' اللي الأستاذ رفعت بيتكلم عنه مش مجرد دفتر مذكرات.. ده 'سجل الأصول والأنصاب' اللي اتكتب فيه هندسة الملكية السرية للقاهرة من بعد خروج الحملة الفرنسية. لو الكشكول ده تحت برج القاهرة بالظبط زي ما لورا السيوفي قالت لمريم، يبقى إحنا داخلين على منطقة عسكرية محصنة، مش مجرد حوش مقابر عتيق!"

انعطفت سيارة الشيخ فراج الربع نقل بعنف يمينًا، لتلج إلى المتاهة الداخلية لحي "بولاق أبو العلا" وتحديداً خلف "وكالة البلح". هنا، حيث تتراكم تلال الأقمشة والخردة الحديدية وقطع غيار السفن والسيارات القديمة، تلاشت أصوات سيرينات الشرطة ورجال فريدة الأنصاري خلف جدار من الزحام البشري الأصيل. الباعة والعمال الجالسون على المقاهي الشعبية نظروا إلى السيارة الزرقاء المألوفة لديهم؛ فالشيخ فراج لم يكن غريباً عن هذا المكان، بل كان شريكاً تاريخياً لـ "وكالة الخردة القديمة" التي كانت تمثل غطاءً قاهرياً لعمليات "عاصم" (والد مريم) قبل وفاته.

توقفت السيارة داخل هنجر حديدي واسع تفوح منه رائحة الشحم والحديد الصدئ. قفز عماد وسارة وعالية من الصندوق، وحملوا الأستاذ رفعت برفق ليجلس على مقعد خشبي أحضره شاب أسمر مفتول العضلات، كان يرتدي مريلة عمل جلدية، ونظر إلى القادمين بعينين حادتين.

"ده 'منصور الطوبجي'"، قال الشيخ فراج وهو يغلق باب الهنجر الحديدي الضخم ويسحب قفلاً ثقيلاً. "منصور جده كان رئيس عمال حفر أساسات برج القاهرة سنة 1956 مع المهندس نعوم شبيب. عيلة الطوبجي مش بتوع حديد وخردة وبس يا أستاذ رفعت.. دول اللي عارفين إيه اللي اتمحر عليه الخرسانة في جزيرة الزمالك."

تقدم منصور، ومسح يديه الملطختين بالشحم في قطعة قماش، ونظر إلى الأستاذ رفعت بإجلال:

"أهلاً يا دكتور.. والدي الله يرحمه قالي إنك هتيجي يوم والورق ده في يدك. مراد ونجوى وفريدة فاكرين إن البرج مجرد خرسانة سياحية.. بس البرج اتبنى فوق قاعدة جيرية عتيقة كانت جزء من 'طابية نظامية' فرنسية قديمة. وتحت الطابية دي، فيه قبو سري اتسد بالخرسانة المسلحة وقت الحفر، بس جدي ساب 'فتحة تهوية وتحويل' مخفية ورا لوحة المفاتيح الكهربائية الرئيسية للجزيرة."

سارة، وهي تضغط على وشاحها الملطخ بالدم حول كتف عماد، التفتت إلى منصور:

"بس لورا السيوفي قالت إن مريم لقت وثيقة في باريس بتأكد إن الباب الرابع في المقابر كان طعم.. يعني فريدة كانت عايزانا نروح المقابر عشان ننشغل هناك، وهي تاخد الكشكول الحقيقي من تحت البرج؟"

قاطعتهم عالية المصرلي وهي تفتح صفحة أخرى من دفتر العوائد السرية:

"مش فريدة بس.. يوسف السيوفي اتحرك من لوغانو بنفسه. لورا بنته بلغت مريم إنه ركب طيارة خاصة وجاي القاهرة باسم مستعار وجواز سفر دبلوماسي سويسري. السيوفي مش هيسيب الكشكول لفريدة ولا لينا.. الراجل ده عايز يقفل الدائرة اللي بدأها سنة 1978 ويملك القاهرة للأبد قبل ما يموت."

 العودة إلى الماضي: ليلة 14 ديسمبر 1960 ببرج القاهرة

بينما كان الدخان يتصاعد من كوب الشاي المغلي الذي أحضره منصور، أغمض الأستاذ رفعت عينيه، وكأن هدير الورش في وكالة البلح قد تحول في عقله إلى صوت رياح الشتاء فوق نيل الزمالك عام 1960، قبل افتتاح البرج بأشهر قليلة.

تذكر رفعت عندما كان طفلاً صغيراً، يمسك بيد والده الذي كان يعمل كاتباً في مصلحة المساحة. في تلك الليلة، زارهم في المنزل رجل يرتدي معطفاً أسود طويلاً ويحمل حقيبة جلدية عتيقة.. كان ذلك الرجل هو "شاهين المصرلي الحفيد"، قبل أن تختفي عائلته تماماً وتصادر أملاكهم بموجب قوانين الحراسة. شاهين الحفيد قال لوالد رفعت جملة ظلت محفورة في وجدان الطفل:

*"يا أمين.. البرج اللي بيبنوه في الزمالك ده مش مجرد شو لجمال عبد الناصر ضد الأمريكان.. البرج ده مبني فوق 'السرة الجغرافية' للقاهرة الدبلوماسية. وتحت أساساته، أنا دفنت 'كشكول الحكايات' اللي كتبه جدي شاهين الكبير مع مشايخ الأزهر وقت حملة فريزر.. الكشكول ده فيه 'صك الأمان البشري' لكل حارة.. لو ضاع، هتيجي أيام يتباع فيها تراب الحسين والسيدة وعشش بولاق في بورصة برة البحر."*

فتح رفعت عينيه فجأة ونظر إلى عماد:

"عماد.. والدي الله يرحمه مكانش مجرد كاتب مساحة.. والدي هو اللي رسم الخريطة التناظرية المخفية اللي لورا ومريم لقوا الشفرة بتاعتها في باريس! الحكاية مش صدفة.. إحنا مترتبين للمشهد ده من ستين سنة!"

لم يكن هناك وقت للانتظار أو البكاء على الأطلال. أخرج عماد هاتف الأستاذ رفعت، وحاول الاتصال برقم مريم في باريس، لكن الخط كان يعطي نغمة انقطاع غريبة، تلاها صوت تشويش رقمي حاد، ثم ظهر صوت لورا السيوفي مجدداً، لكن هذه المرة كان صوتها يرتجف رعباً:

"عماد!.. فريدة عرفت إنكم هربتوا مع الشيخ فراج. طارق الأنصاري حرك قوات 'أمن الأصول' وطوقوا منطقة الزمالك بالكامل.. البرج اتقفل قدام السياح بحجة صيانة شبكة الكهرباء.. والدي يوسف السيوفي وصل للبرج دلوقتي ومعاه الأكواد الأصلية لكسر جدار الخرسانة.. لو وصل للكشكول قبلكم، هيحرق الصفحة الأخيرة اللي فيها إثبات أوقاف 'بولاق والجمالية وقصر العيني'، والبلدوزرات هتبدأ الهد بكره الصبح!"

التفت عماد إلى منصور الطوبجي: "منصور.. هتعرف تدّخلنا البرج؟"

ابتسم منصور ابتسامة مريرة، وأزاح شادراً ضخماً في نهاية الهنجر ليكشف عن "عربة صيانة تابعة لشركة المياه والصرف الصحي" ملطخة بالطين، وبجوارها ملابس عمال رسمية خضراء:

"البرج مربوط بشبكة تبريد وتصريف مياه عملاقة بتصب في النيل مباشرة.. هنمشي في مجرى الصرف الصحي من تحت كوبري قصر النيل ونطلع من غرفة المحابس الرئيسية اللي تحت جنينة البرج بالظبط. دي الطريقة الوحيدة عشان نعدي من غير ما طارق الأنصاري ورجالته يشوفونا."

كريم وأحمد عاصم لم يظهرا بعد، ولم يكن أحد يعلم إن كانا قد لقيا حتفهما تحت أنقاض سرداب المقابر أم أنهما محجوزان في أقبية الدكتورة فريدة. سارة رفضت أن تترك عماد؛ ربطت وشاحها بإحكام حول خصرها، وأمسكت بالقضيب الحديدي الذي بات رمزاً لمعركتها الشخصية، وقالت لعماد:

"أنا مش هسيبك يا عماد.. الرواية دي إحنا اللي هنكتب آخر سطر فيها، مش السيوفي."

في تمام الساعة السادسة مساءً، كانت القاهرة تلفظ أنفاس نهارها الحار وتستقبل غسقاً نحاسياً غريباً. من داخل فتحة تصريف دائرية مخفية تحت أعشاب حديقة برج القاهرة الخلفية، خرج عماد أولاً، يتبعه سارة، وعالية المصرلي، ومنصور الطوبجي الذي كان يحمل حقيبة أدوات ثقيلة. تركوا الشيخ فراج لحماية الأستاذ رفعت في مكان آمن قريب داخل سيارة الأجرة.

كانت أجواء الحديقة المحيطة بالبرج موحشة بشكل غير طبيعي؛ المصابيح السياحية مطفأة، ورجال يرتدون بدلات سوداء متطابقة يحملون أجهزة لاسلكية وينتشرون بين الأشجار الكثيفة.

تسلل الأربعة بحذر خلف ظلال الهيكل الخرساني للبرج الذي يشبه زهرة اللوتس، حتى وصلوا إلى باب غرفة التحكم الكهربائية الرئيسية في القبو السفلي. فتح منصور اللوحة المعدنية الكبيرة بمهارة، لتظهر خلفها شبكة معقدة من الأسلاك والمحولات الضخمة التي تصدر هديراً مستمراً.

"ورا المحول ده بالظبط"، همس منصور وهو يشير إلى جدار جيري قديم ظهر خلف الأسلاك الحديثة، وكان فيه شق عمودي ضيق يتسع لمرور جسد بشري واحد بالورب.

دلف عماد أولاً، يتبعه الباقون، ليجدوا أنفسهم في قبو عتيق يفوح منه عبق التاريخ؛ الجدران كانت مبنية من أحجار الطابية الفرنسية القديمة، وفي نهاية القبو، تحت ضوء كشاف كهربائي حديث ممدود على بطارية متقلبة، كان يقف رجل عجوز، نحيل للغاية، يستند على عصا أبنوسية ذات مقبض فضي على شكل رأس ثعبان.. كان **يوسف السيوفي**.

وبجواره، كانت تقف الدكتورة **فريدة الأنصاري**، ومعها مهندس شاب يحمل جهاز حفر هيدروليكي صامت (كور)، وبدأ بالفعل في اختراق جدار خرساني سميك يبدو أنه سُد في الستينيات.

"تأخرت يا ابن رفعت"، قال يوسف السيوفي دون أن يلتفت إليهم، كأنه كان يستشعر خطواتهم بأنفاسه العجوز. "أبوك رفعت عاش عمره كله يفتكر إن القوانين والورق بتحمي المدن.. والكاتب اللي جواك فاكر إن الحكايات بتمنع الجرافات. أنا وفريدة وطارق مش بنهد القاهرة.. إحنا بنشتريها من 'أصحابها الحقيقيين' اللي قاعدين في لندن وباريس ولوزان."

التفتت فريدة الأنصاري بنظرتها الباردة الصارمة خلف نظارتها الذهبية، وقالت لعماد وهي تشير إلى جهاز الحفر الذي بدأ يلمس صندوقاً معدنياً مدفوناً في عمق الخرسانة:

"مريم عاصم هفتكرت إنها لما تهرب هتحمي السر.. مريم دلوقتي في طريقها لهنا على نفس الطيارة اللي هتاخدنا برة مصر بعد ما نعدل صك الملكية. الأوراق اللي معاك في الشنطة يا عماد بقت ورق جرايد قديم.. الصندوق ده جواه 'الكتاب المرجعي الخديوي'.. وبمجرد ما السيوفي يمسك القلم ويشطب اسم ذرية المصرلي وعائلات بولاق، القاهرة دي هتبقى لوحة بيضاء نرسم عليها أبراجنا الاستثمارية."

صرخ عماد وهو يتقدم خطوة: "مش هتلحق يا سيوفي! العقود الأصلية معايا، ودفتر العوائد السرية مع عالية المصرلي.. والناس برة في الشوارع مش هتمشي عشان قرارات إدارية!"

ضحك يوسف السيوفي ضحكة جافة مرعبة، وفجأة، تحركت ظلال من خلف الأعمدة الجيرية العتيقة للقبو. انقبضت الأنفاس عندما خرج من العتمة شخصان لم يكن أحد يتوقع وجودهما في هذا المعسكر.. كان **كريم رفعت** و**أحمد عاصم!**

ولكنهما لم يكونا مقيدين.. بل كانا يقفان بجوار **المهندس طارق الأنصاري** (أخو فريدة)، وكريم يحمل طبنجته ويوجهها مباشرة نحو.. **عماد وسارة!**

"آسف يا عماد"، قال كريم بصوت منخفض ومجهد، وعيناه تتفاديان النظر في عيني سارة المصدومتين. "السيوفي مش مجرد مستثمر.. السيوفي دفع فدية وعالج ذراعي، ووعدني إن حوش المقابر بتاع أبويا مش هيتلمس لو سلمنا الشنطة والدفتر. أنا شبراوي يا صاحبي.. وبصراحة، أنا بحمي ناسي بأي تمن.. حتى لو التمن ده كان إنت والورق بتاعك."

صرخت سارة بنبرة انكسر فيها كل شيء: "كريم؟! أنت خنتنا؟!"

أحمد عاصم تقدم وأخذ حقيبة المستندات من يد عماد المذهول بسلاسة، وسلمها لطارق الأنصاري، بينما كانت عالية المصرلي تتراجع ببطء نحو مخرج الطوارئ وهي تضغط على الدفتر السري.

وفي تلك اللحظة الحرجة، دوت صفارة إنذار حادة داخل القبو، واهتزت جدران البرج الخرسانية بالكامل. أضاءت شاشة هاتف فريدة الأنصاري برسالة عاجلة من القيادة العامة للأمن: *"تم اختراق المجال الجوي والكهربائي لجزيرة الزمالك بالكامل.. هناك قوة مجهولة الهوية تتحرك عبر النيل بواسطة زوارق سريعة وتقترب من قاعدة البرج.. البث الدولي للوثائق بدأ مجدداً من سيرفر مجهول في الإسكندرية!"*

اتسعت عينا يوسف السيوفي بنظرة جنون، وجهاز الحفر الهيدروليكي أحدث صوتاً حاداً وهو يخترق الطبقة الأخيرة من الصندوق المعدني الخديوي، ليتصاعد غبار أبيض كثيف ملأ القبو بالكامل وحجب الرؤية.

وسط الغبار، انطلقت رصاصة عشوائية، وصرخت سارة، وتحركت الظلال بعنف وتشابكت الأيدي في الظلام المطبق الذي حل فجأة بعد انقطاع كهرباء البرج بالكامل. لم يعد أحد يعرف من مع من، ومن يخون من، ومن يمسك بالصندوق الحقيقي لخفايا القاهرة العميقة.

ومع تداخل أصوات الزوارق السريعة في النيل بالخارج، وصراخ فريدة الأنصاري وهدير الغبار في القبو، ظل عماد ممسكاً بقلمه في جيبه وسط العتمة، يدرك أن فصول الملحمة الكبرى قد انصهرت في بوتقة جديدة وأكثر شراسة وغموضاً.. وأن المعركة حول هوية المدينة لم تنتهِ خلف أسوار الزمالك، بل بدأت تفرعاتها الأكثر تعقيداً ودولية، دون أن ترسم في الأفق أي نهاية، تاركة مصير القاهرة وأبنائها معلقاً بين تراب الأرض وأسرارها المدفونة للأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللقاء المجنون   الثمانون

    لم تكن موتورولا قاعة التحكم في أنفاق الإسماعيلية مجرد واجهة مختصرة لغليان ميكرومتر تمتد على طول القناة وصولاً إلى البحر الأحمر. تلاشت أنوار الشاشات الحمراء للثبات على اللون الأخضر السيادي بعد أن أطبق الختم المرجعي الخديوي فكيه على التآكل الميكانيكي القديم، مجهضاً محاولة الدكتور شريف المؤيدين لقطع سيناء رقمياً. لكن الكلمات الأخيرة للحق الفرنسي، سيريل ديبون، تحرك عن الست نجوى والبارون كيسلر نحو باب المندب الضيق، وتردد في الفضاء كقنبلة موقوتة دافئة أُلقيت في جنوب مياه. التفت عماد إلى سارة، التي كانت تمسح الحبات المختلطة برذاذ بحر مضغوط عن جبهتها. لم يكن هناك متسع للتخاطيف الأنفاس؛ فالرواية التي كاتبها بدمائهما وحركاتهم لم تعد ملكاً لهما، بل أصبحت القطاراً جامحاً يندفع عبر الجغرافيا والتاريخ دون محطة الوصول النهائية. " بينما كان منصور الطوبجي والشيخ فراج يقودان شريف الأنصاري المقيد نحو سيارات الحراسة العسكرية، انفتح الباب الجانبي لغرفة التحكم بدخول شخصية لم يرها أحد من قبل في القاهره المعز أو ثغور القراصنة. رجل فارع، لبس، لَفحت بشرته شمس البحر الأحمر حتى اكتسب لونًا نحاسيًا عتيقًا، ار

  • اللقاء المجنون   التاسع والسبعون

    وقف عماد وسارة على لسان قلعة قايتباي، والرياح السكندرية العاتية تلفح وجهيهما برذاذ مالح مع التقدم المختلف الاختلاف. نقشت الفجر المشرقة تسحر المجال لنهار قاهري وأسكندري الجديد، لكنه نهار لا يشبه ما سبقه. حدث آخر حدث على صخور النحاس كان ينبض بأس حار التاريخ وأسراره؛ الختم المرجعي الخديوي الخالص تلألأ تحت شعاع الشمس الأول، وبجواره الخريطة الحريرية التي فتحت شرياناً جديداً من الشك واليقين: **أنفاق لوجستية سرية تحت قناة السويس.** لم يتمكن الحكم من المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة بالدقي نهاية8888، بل كان مجرد سياج قانوني المحلي حَمى مقابر الصالحين وسور العيون مؤقتاً، في حين أن الأخطبوط الدولي كان يتغير جلوده في عواصم ديفيد والمال. جاء سيريل ديبون اتصالاً مشفراً جديداً من غرفة العمليات المشتركة في باريس، وبدت ملامحه سامية أكثر تشنجاً: "مسيو عماد.. مدام سارة.. تجاوزت كيسلر والست نجوى. منظمة "التراث العالمي الموازي" بدأت تبث تقارير مغلوطة عبر شركات رائدة غربية تزعم وجود "عدم استقرار جيولوجي وأثري" يهدد سلامة الفيديو الدولي في قناة السويس، بعد ذلك تم تحديده بجلسة في جنيف لفرض. "وصاية

  • اللقاء المجنون   الثامن والسبعون

    على رصيف ميناء بورسعيد، حيث تمتزج رائحة اليود المالح بعبق التاريخ وتلوح في الأفق أضواء السفن العابرة لقناة السويس كنجوم سابحة في العتمة، كان الهواء يحمل ثقلاً جديداً. لم يكن ثقل الهزيمة، بل ثقل إدراك أن الانتصار في معركة واحدة لا يعني نهاية الحرب، بل هو مجرد تذكرة عبور إلى ساحة قتال أوسع وأكثر تعقيداً.أغلق عماد دفتره الجلدي الصغير ووضعه في جيب معطفه بعناية وكأنه يخبئ قلبه النابض. بجواره، كانت سارة تقف متأملة المياه الداكنة، وشاحها الأسود يرفرف مع نسيم البحر، وعيناها تعكسان بريقاً لا ينطفئ. كانت ليلة طويلة، امتدت جغرافياً من قبو برج القاهرة، مروراً بأزقة المكس في الإسكندرية، ووصولاً إلى حقول كفر الشيخ، لتنتهي هنا أمام الشاحنة العسكرية المحملة برادارات المسح الجيولوجي.### الفصل الجديد: قافلة منتصف الليل وتصاعد الأنفاس"لازم نتحرك يا عماد،" قاطع صمتهم صوت أحمد عاصم الذي كان يوجه رجال أمن الموانئ لتأمين الشاحنة. "الطريق من بورسعيد للقاهرة هياخد وقت، ومراد الصغير قبل ما يتقبض عليه قدر يبعت إشارة مشفرة. إحنا مش عارفين الإشارة دي راحت لمين بالظبط، بس سيريل ديبون قلقان إن الطريق الصحراوي مي

  • اللقاء المجنون   السابع والسبعون

    دون عماد الدفتر لثوانٍ معدودات، استمتعت ببرودة غطاء السيراميك العتيق لمكتب الكومندور البحر إسكندر، بينما كانت أمواج المطبخ الأبيض تضرب واجهات الترسانة البحرية في المكس. تطلعت سارة من النافذة الكبيرة نحو زوارق خفر السواحل التي بدأت تقتاد سفن شحن البنمية إلى الميناء التجاري، وتتفتت إليها بابتسامة متعبة ومع ذلك، يملؤها ذلك الإحساس الغريب بالانتصار المؤقت الذي يدفئ الصدور بعد ليلة من الجحيم. بجوار المخرج، كان منصور طوبجي والشيخ فراج تلامسان كحارسي بوابات الزمان، يتبادلان نظرات مباشرة مع رجال البحرية المصرية الذين يحصلون على كارمن الأنصاري والوثائق الساحل الجديدة. ولكن، كما تعلم عماد في ساعات الأربعين الماضية، القاهرة والإسكندرية مدينتان لا يمكن أن يكون أبناءهما رفاهية الصمت الطويل. هاتف الأستاذ رفعت في جيب عماد لم يتوقف عن الاهتزاز، وصوت نغمة الرسائل المتتالية كان ينبئ بأن الأخطبوط قد يستخدم محركا آخر في مكان ما. سحبت سارة مقعداً خشبياً وجلست بجانب عماد، وفرت الهاتف من يده ومتحدثاً: "تكهّر إيه هدفية يا عماد؟ كارمن الأنصاري قبضوا عليها، والسيوفي وفريدة تحت التحقيق في الجاهلية.. نجوى هتعم

  • اللقاء المجنون   السادس والسبعون

    غادرت سارة الدفتر الصقيرطير برفقة، وتخشى أن تخشى الكلمات التي خطها قلم عماد في عتمة الهنجر الحديدي بوكالة البلح. وضعتها فوق يده الممسكة بالقلم، وتلاقت أعينهما وسط هدوء الليل القاهري الدافئ الذي تعانق فيه رطوبة النيل برائحة الشحم والحديد القديم. لم يبق سوى الصمت بعد انتهاء المعركة، بل كان الجلوس الذي التقى بمشاريع جديدة في مدينة الليلة وهي تمتلك من الحيوية ما يكفي لابتلاع أعتى الإمبراطوريات المالية. على بعد خطوات منهم، كان البهو الداخلي للهجرة يغص بحركة تشبه خلايا النسغ. الحاج مراد المصرلي، بزيه الأبيض الذي يسكن لزمن آخر، كان يجلس واضعاً كفيه على مقبضه، وعيناهتان تراقبان مريم عاصم بمفردهما، ومن الكشكول الأخضر الحقيقي إلى اكتشاف مشفرة نجاحها سيريل ديبون على عجل. الأستاذ رفعت كان يستمع لعاصم الجارحي وهو يشرح له كيف تمكن من إدارة شبكة الأشباح متنوع سنوات اختفائه في سيوة، بينما كان كريم وأحمد عاصم يتبادلان الضحكات الخافتة مع الشيخ فراج ومنصور بلوكجي، ممتنين لسلامة أجسادهم بعد ليلة كادت أن تطيح بكل شيء. لكن هذا الحصري المؤقت تزلزل عندما أضاءت الأشعة السينية الثلاثية الأمامية بعلامات حمراء

  • اللقاء المجنون   الخامس والسبعون

    على مشارف سور مجرى العيون، حيث يتلاقى التاريخ المملوكي العتيق بحداثة القاهرة الصاخبة، كانت العاصمة تعيش واحدة من أكثر لياليها جنوناً وغموضاً. تلاشت أصوات النيل الهادئة وأغاني الفلوكة البعيدة، لتفسح المجال لهدير محركات ديزل عملاقة تابعة للجرافات والبلدوزرات التي بدأت تقترب في عتمة الليل كوحوش حديدية كاسرة، كشافاتها الصفراء القوية تخترق سحب الغبار والتراب المثار في الفضاء.كان المشهد يبدو كأنه لوحة سريالية تترابط فيها خيوط الزمن؛ فرجال "شركة فالكون الأمنية الدولية" بأقنعتهم السوداء وملابسهم التكتيكية الموحدة كانوا ينتشرون في تشكيلات دقيقة حول شواهد المقابر الأثرية، يحملون كشافات يدوية عالية التردد وأجهزة لاسلكية تبث شفرات رقمية سريعة. وفي المقابل، كان أهالي الحارات من السيدة عائشة والجمالية ومصر القديمة يتدفقون كالسيول البشرية من الأزقة الضيقة، يحملون بأيديهم ما تيسر من أدوات وعصي، يتقدمهم كبار العائلات بوجوههم الصارمة وجلابيبهم الصعيدية والقاهرية الأصيلة.ترجل عماد من السيارة الربع نقل التابعة للشيخ فراج، ومعه سارة وعالية المصرلي. تلاقت أنفاسهم المتلاحقة مع برودة الليل الممتزجة بحرارة

  • اللقاء المجنون   الحادى والعشرون

    طار الطائر الملكي البريطاني في سماء المحيط، وجواه تيم اللخبطة المصري بكامل عتاده. الطيارة من جوة كانت عبارة عن صالون فخم بالخشب الأبنوس والجلد الطبيعي، بس طبعاً قعدة الأبطال فيها حولتها لاتوبيس شرق الدلتا في ثواني!في الضباب اللندنيعمر كان قاعد لابس بدلة سموكنج ومستلف كرافات من آدم، وقاعد على الكر

  • اللقاء المجنون   الفصل العشرون

    عودة "شيري" بملابس التنكرالتريند بتاع طنطا وصل طبعاً لـ "شيري" اللي كانت قاعدة في فيلتها في التجمع وبتغلي. شيري مأستسلمتش حتى بعد الفضيحة القضائية؛ قررت تعمل خطة أخيرة تخرب بيها "طبق الصلح" وتمنع الجوازة عشان الوصية تبطل والشركات تضيع.لبست شيري جلابية ومنديل وعملت نفسها "زبونة غلبانة" جاية تشتري

  • اللقاء المجنون   الفصل التاسع عشر

    وقفت ليلى في وسط الدكانة القديمة وهي ماسكة مقبض المقشة بذهول، وآدم واقف قدامها وإيده لسه مبلولة بمية صابون المواعين، وعمر ودانا ساندين على زجاج الفاترينة وهما ميتين من الضحك على شكل الأستاذ ممدوح المحامي اللي كان بينهج وعكازه بيخبط في الأرض الطنطاوية بانتظام كأنه بندول ساعة بيعلن عن مصيبة جديدة."ك

  • اللقاء المجنون   الثامن عشر

    فلاديمير: "لا وقت واضح الكتاب الآن! رئيس كازاخستان إيران في الاجتماعية السرية مغلق في قصر بـ "ثلج سيبيريا" تحت درجة حرارة -40 (أربعين تحت الصفر)، وأزمة دبلومساية الكبرى كاد تشعل حرباً.. والحل الوحيد لتهدئة النفوس هو أن تخلق الشيف ليلى كعكة "تارت المشبك بالنيتروجين" التي نصف برويد سيبيريا ودفء الشرق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status