LOGINوسط غبار الخرسانة الأبيض الكثيف الذي ملأ قبو برج القاهرة وانقطاع التيار الكهربائي بالكامل، تحول المكان إلى ساحة من الأشباح العابرة. امتزجت أصوات السعال الحاد بصوت صرير الحفر الهيدروليكي الذي توقف فجأة، ودوت صرخة سارة التي قطعت الشك باليقين في قلب عماد. تخبطت الأجساد في الظلام الدامس الذي لم تكسره إلا ومضات زرقاء متقطعة من شاشات الأجهزة واللاسلكي الذي بدأ يبث إشارات استغاثة مشوشة من الأعلى.
عماد، الذي تعود أن يرى العالم من خلال تنظيم الكلمات والسطور، وجد نفسه مجبراً على التنقل في واقع تلاشت فيه كل الخطوط الفاصلة بين العدو والصديق. تحرك بغريزة البقاء، ممسكاً بساعد سارة التي كانت ترتجف وتبطئ حركتها، بينما انطلقت رصاصة ثانية وثالثة في العتمة، ارتطمت بأحجار الطابية الفرنسية القديمة لتحدث شرارات برتقالية خاطفة أنارت للحظة الوجوه الشاحبة. "سارة! إنتي كويسة؟" همس عماد وهو يسحبها خلف عامود خرساني ضخم. "أنا كويسة.. بس كريم.. كريم خنّـا يا عماد.. أنا مش مصدقة!" جاء صوتها مخنوقاً بالدموع والغبار. قبل أن يجيبها، انبعث ضوء كشاف قوي ونحيل من زاوية القبو، لكنه لم يكن موجهاً إليهما، بل كان يسلطه **أحمد عاصم** الذي كان يتحرك بسرعة مذهلة ليعيد صياغة المشهد. وفجأة، اتضح أن خيانة كريم وأحمد لم تكن بالبساطة التي بدت عليها؛ إذ التفت أحمد عاصم بلمح البصر ونفذ ضربة مباغتة ب كعب بندقية كانت مخبأة معه نحو وجه طارق الأنصاري (أخو فريدة)، ليسقط الأخير أرضاً وتتناثر الحقيبة التي تحتوي على المستندات الأصلية مجدداً! صرخ كريم رفعت وهو يلتفت بطبنجته نحو حراس فريدة الأنصاري الذين حاولوا التقدم: "أنا شبراوي ومببيعش ناسي يا عماد! بس كان لازم نلعبها صح عشان نوصل لقلب الجحر.. ارفعوا الصندوق واجروا!" تحولت اللعبة مجدداً في أجزاء من الثانية. الخيانة كانت مناورة عسكرية تكتيكية اتفق عليها كريم وأحمد عاصم بعد الانفجار في سرداب المقابر، ليوهما رجال طارق الأنصاري بالاستسلام مقابل سلامة الأستاذ رفعت ومقبرته، وبالتالي استغلا طائرة الإخلاء الطبي ووسائل النقل الخاصة بالسيستم للوصول إلى عمق الزمالك قبل عماد وسارة بضع دقائق. عودة من وراء القبر: ظهور عاصم الأكبر وسط هذا الصخب والضرب المتبادل في العتمة، انفتح باب مخرج الطوارئ الحديدي المؤدي إلى الممر النهري الخارجي بعنف. دخلت مجموعة من الرجال يرتدون سترات سوداء مضادة للرصاص بدون أي شارات رسمية، يقودهم رجل ضخم الجثة، شعره أبيض بالكامل، ويمشي بخطوات ثابتة رغم كبر سنه، يحمل في يده جهاز إرسال فضائي مشفر. عندما سُلط ضوء كشاف أحد الحراس على وجهه، تراجع يوسف السيوفي خطوتين إلى الوراء، وسقطت العصا الأبنوسية من يده لتحدث رنيناً مكتوماً على الأرض الترابية. تحركت شفتي العجوز بذهول مطلق: "عاصم؟!.. مش ممكن.. إنت متّ في العناية المركزة في مستشفى قصر العيني من أسبوعين! أنا شفت تقرير الوفاة بنفسي!" إنه **عاصم الجارحي** (والد مريم وأحمد)، الرجل الذي ظن الجميع أن مراد وفريدة تخلصا منه بالسم في غياهب الصراع. وقف عاصم في منتصف القبو، وعيناه الحادتان تنظران إلى يوسف السيوفي بنظرة تجمع بين الشفقة والانتصار. قال بصوت عميق وراسخ: "التقرير اللي شفته يا يوسف كان السطر الأول في الخطة اللي حطيتها مع جهاز الرقابة الإدارية والإنتربول الدولي عشان نخرجك من مخبأك في لوغانو. السيستم بتاعك غبي يا سيوفي.. بيثق في الأوراق والشاشات، وميعرفش إن الروح المصرية قادرة تزور الموت نفسه عشان تحمي أرضها." التفت عاصم نحو ابنه أحمد ونحو عماد، وقال بسرعة: "مريم بخير.. الزوارق اللي برة في النيل دي تبع القوات الخاصة المشتركة. فريدة وطارق والسيوفي محاصرين بالكامل. بس الورق اللي جوة الصندوق الخديوي لازم يطلع دلوقتي حالا قبل ما السيرفرات الدولية تعيد تشفير الحسابات المجمدة." الفصل الجديد: سر صفحة "الأنصاري الأولى" الدكتورة فريدة الأنصاري، رغم الحصار ورغم ظهور عاصم من الموت، لم تفقد برودها الأرستقراطي. تراجعت نحو جهاز الحفر الهيدروليكي الذي كان قد أتم اختراق الصندوق المعدني تماماً. وبسرعة البرق، مَدّت يدها وسحبت من جوف الصندوق كشكولاً قديماً جداً، غلافه من الجلد البني السميك المهترئ، ومزين بنقوش نحاسية ترمز لـ "نظارة المعارف والخديوية القديمة". إنه **كشكول الحكايات والأصول** الحقيقي. "حتى لو طلعت عايش يا عاصم،" قالت فريدة بنبرة مليئة بالسم والوعيد وهي تفتح الصفحات الأولى للكشكول تحت ضوء كشاف هاتفها. "الكشكول ده مش مجرد ورق للمحكمة.. ده فيه 'المرسوم السري' الموقّع من الخديوي إسماعيل سنة 1867، واللي بيعطي لعيلة 'الأنصاري' و'السيوفي' حق امتياز إدارة وأيلولة أراضي وسط البلد وقصر العيني وجزيرة الزمالك في حال إلغاء المحاكم المختلطة أو تغير النظام السياسي. إحنا مش بنسرق.. إحنا بنفعل حق عيلتنا التاريخي اللي انتوا خبيتوه في الدفاتر!" المهندس طارق الأنصاري، الذي أفاق من ضربة أحمد عاصم، ضغط على زر في جهاز صغير بيده، لتنطلق صفارات إنذار الحريق داخل القبو مجدداً، وبدأت رشاشات المياه التلقائية في السقف تنهمر بغزارة، مما أدى إلى تسييل الغبار الأبيض وتحويل الأرض إلى بركة لزجة من الطين الخرساني، وتصاعدت حالة من الفوضى البصرية العارمة. استغلت فريدة الموقف واندفعت نحو ممر خلفي ضيق مخصص لصيانة الكابلات الكهربائية العميقة للبرج، ومعها الكشكول الخديوي الأصل، يتبعها أخوها طارق ويوسف السيوفي الذي كان يتحرك بزعر كمن يطارد شبابه الضائع. "عماد! سارة! وراهم!" صرخ عاصم الجارحي وهو يوجه رجاله للاشتباك مع بقايا حراس السيوفي المسلحين في البهو الرئيسي للقبو. "كريم.. أمن المخرج النهري مع أحمد!" مطاردة في أحشاء اللوتس الخرساني اندفع عماد وسارة خلف فريدة والسيوفي داخل ممر الصيانة الضيق. كان الممر يتلوى ويرتفع بشكل حلزوني داخل القاعدة الخرسانية السميقة لبرج القاهرة، صعوداً نحو الطوابق الإدارية السفلية. كانت أصوات قطرات المياه المندفعة من الرشاشات تمتزج بهدير محركات التهوئة العميقة للبرج. كانت عالية المصرلي قد سبقتهم بالفعل عبر الممر، مستغلة رشاقتها ومعرفتها بالتفاصيل الجغرافية التي ورثتها عن عائلتها. عند نهاية السلم الحلزوني المظلم، وفجأة، وجدت فريدة الأنصاري نفسها في مواجهة مباشرة مع عالية التي كانت تقف في ممر المراقبة الزجاجي المطل على حدائق الزمالك والنيل، وتحمل في يدها "دفتر العوائد السرية". "اللعبة انتهت يا فريدة،" قالت عالية بصوت حاد وهي تقفل الممر بجسدها. "المرسوم الخديوي اللي في إيدك اتلغى بموجب 'اتفاقية مونترو' سنة 1937، وجدي شاهين المصرلي سجل الإلغاء ده في المحكمة المختلطة بالإسكندرية. الدفتر اللي معايا ده بيثبت إنك عارفة بالغالغاء ده، وإنك بتزوري عقود جديدة بناء على مرسوم ميت!" نظرت فريدة إلى عالية بجنون، وحاولت دفعها بعنف لتمر، ليتشابك الاثنتان في صراع شرس فوق الممر الزجاجي المرتفع. وفي تلك اللحظة، وصل عماد وسارة. ركض عماد ليفصل بينهما، بينما كان يوسف السيوفي يحاول التسلل من الجانب ممسكاً بالصفحات الأخيرة للكشكول التي بدأت تتملص من الغلاف الجلدي بسبب الرطوبة والمياه. سارة، التي لم تعد تلك الفتاة الرقيقة المستسلمة للأحداث، اندفعت نحو يوسف السيوفي، وبكل ما تملكه من إصرار وغضب متراكم من سهر الليالي والخوف تحت الأرض، رفعت القضيب الحديدي واعترضت طريقه، وضغطت به على عصاه الأبنوسية لتثبته على الجدار الزجاجي. "كفاية يا سيوفي!.. كفاية خراب في البلد دي!" صرخت سارة وعيناها تلتقيان بعيني العجوز الجشعتين. "أنتوا عشتوا تمانين سنة بتاكلوا في تاريخنا وناسنا.. الحكاية دي مش بتاعتكم.. الحكاية دي ملوكة للناس اللي بتموت في الحواري ومبتلاقيش مكان تدفن فيه أهالها!" ظهور شخصية من وراء البحار: "سيريل ديبون" بينما كان الصراع محتدماً في الممر الزجاجي، تحطم فجأة الزجاج الجانبي للممر إثر هبوط حبل تسلق تكتيكي من الأعلى. نزل عبر الحبل رجل أجنبي ملامحه فرنسية صارمة، في الأربعينيات من عمره، يرتدي ملAttribute عسكرية خفيفة تابعة لـ "جهاز الأمن الدبلوماسي الأوروبي". إنه **سيريل ديبون**، الملحق الأمني السابق للقنصلية الفرنسية بالقاهرة، والذي تم استدعاؤه بشكل سري دولي بعد التحقيقات التي أجرتها مريم عاصم في باريس. ديبون لم يتحدث كثيراً؛ وجه سلاحه المجهز بكاتم صوت نحو طارق الأنصاري الذي كان يحاول دعم شقيقته فريدة، وقال بلكنة عربية مكسورة لكنها حاسمة: "دكتورة فريدة.. مسيو سيوفي.. الأوامر صدرت من باريس وبروكسل بسحب الحصانة التجارية عن كل شركاتكم. مريم عاصم برة في الزورق مع النيابة العامة المصرية، ومعاهم 'أمر تسليم دولي'. الكشكول ده ملك لتاريخ مصر، مش للمحفظة الاستثمارية بتاعتكم." وقعت الكلمات كالصاعقة على فريدة الأنصاري، التي تجمدت في مكانها وهي ممسكة بالكشكول الخديوي البني. نظرت إلى أخيها طارق الذي كان ينزف، وإلى يوسف السيوفي الذي بدا كأنه انكمش وصار جسداً هزيلاً بلا قوى أمام عودة عاصم الجارحي وظهور الأمن الدولي. تداخل العقد وتجدد اللغز بلا نهاية ظن عماد لثانية واحدة أن الكلمات قد كُتبت، وأن السطر الأخير في روايته قد وُضع بنقطة حاسمة. لكن القاهرة لا تقبل النهايات البسيطة. فجأة، انبعث صوت ميكروفون البرج الداخلي العام، وصدر منه صوت ضحكة مألوفة جداً.. ضحكة جعلت الأستاذ رفعت (الذي كان قد وصل للتو مسنداً على الشيخ فراج من مخرج الطوارئ) يتوقف في مكانه وتتسع عيناه بذهول. لم يكن صوت مراد، ولا نجوى، ولا السيوفي. كان صوت **الست نجوى!** ولكن كيف؟! ألم يُقبض عليها في الصباح أمام القنصلية؟ جاء صوت نجوى عبر الميكروفونات متهكماً ومليئاً بالتحدي: *"يا سيوفي.. يا فريدة.. يا عاصم يا جارحي.. افتكرتوا إنكم لما تقبضوا على 'الشبه' بتاعي اللي نزل من العربية الصبح قدام القنصلية تكونوا خلصتوا؟ أنا الست نجوى يا مغفلين.. أنا اللي مربية مراد وطارق وفريدة في مكاتب العقارات القديمة بوسط البلد من التلاتينات! الشفرة اللي انتوا فتحتوها تحت البرج مش بس كشفت الكشكول.. دي فعلت نظام 'البيع التلقائي المشروط' اللي متسجل في الشهر العقاري الدولي من سنة 1996.. في نفس اللحظة اللي الكشكول ده طلع فيها من الخرسانة، ملكية أرض قصر العيني والمنيل والمقابر اتنقلت قانونياً لـ 'صندوق الائتمان العثماني الجديد' في إسطنبول.. والبلدوزرات مش مستنية أمر من فريدة ولا مراد.. البلدوزرات اتحركت دلوقتي حالا في السيدة عائشة!"* انقطع الصوت، وتلاه دوي انفجار ضخم آخر قادم من مناطق بعيدة في المدينة، واهتزت نوافذ البرج الزجاجية مجدداً، لترسم في الأفق سحابة سوداء جديدة من الدخان تتصاعد من ناحية مقابر الصالحين وسور مجرى العيون. البداية الجديدة وسط الدخان التفت عماد نحو سارة وكريم وأحمد عاصم وعالية المصرلي؛ كانوا جميعاً يقفون في الممر الزجاجي لبرج القاهرة، يحيط بهم عاصم الجارحي وسيريل ديبون، بينما فريدة والسيوفي يتراجعان والذعر يملأ وجوههما من اللعبة الموازية التي لعبتها نجوى خلف ظهر الجميع. الكشكول الخديوي كان ما يزال في يد فريدة، ودفتر العوائد السرية في يد عالية، وحقيبة العقود مع أحمد عاصم، وقلم عماد في جيبه ينبض بالكلمات التي لم تُكتب بعد. أدركوا جميعاً أن المعركة لم تكن ضد أفراد، بل ضد "سيستم متجذر" يتلون ويتغير مع كل جيل، يغير أقنعته ووكلاءه، ويعود بأشخاص من الماضي ليحركوا خيوط الحاضر. تطلعت سارة من النافذة نحو شوارع القاهرة التي بدأت أضواؤها الليلية تتلألأ وتختلط بدخان الانفجارات الجديدة في الأفق، ونظرت إلى عماد وقالت بنبرة يملؤها اليقين والطموح الشبرواي الجبار: "الحكاية لسة مبدأتش يا عماد.. الورق اللي معانا ده مش نهاية الرواية.. ده الفصل الأول من حرب الشوارع اللي جاية. يلا بينا!" تحرك الأربعة مع عاصم وسيريل ديبون نحو الأسفل، مخترقين الدخان والظلام مجدداً، بينما كانت القاهرة تعزف لحنها الأزلي الصاخب، مستعدة لاستقبال فصول جديدة من صراع حول هويتها وأرضها وتاريخها الممتد.. صراع مفتوح على كل الاحتمالات، يتلوى كالأفاعي في عتمة السراديب، وينبثق كالإعصار تحت سماء العاصمة اللامتناهية التي لا تعرف للنهايات معنى.لم تكن موتورولا قاعة التحكم في أنفاق الإسماعيلية مجرد واجهة مختصرة لغليان ميكرومتر تمتد على طول القناة وصولاً إلى البحر الأحمر. تلاشت أنوار الشاشات الحمراء للثبات على اللون الأخضر السيادي بعد أن أطبق الختم المرجعي الخديوي فكيه على التآكل الميكانيكي القديم، مجهضاً محاولة الدكتور شريف المؤيدين لقطع سيناء رقمياً. لكن الكلمات الأخيرة للحق الفرنسي، سيريل ديبون، تحرك عن الست نجوى والبارون كيسلر نحو باب المندب الضيق، وتردد في الفضاء كقنبلة موقوتة دافئة أُلقيت في جنوب مياه. التفت عماد إلى سارة، التي كانت تمسح الحبات المختلطة برذاذ بحر مضغوط عن جبهتها. لم يكن هناك متسع للتخاطيف الأنفاس؛ فالرواية التي كاتبها بدمائهما وحركاتهم لم تعد ملكاً لهما، بل أصبحت القطاراً جامحاً يندفع عبر الجغرافيا والتاريخ دون محطة الوصول النهائية. " بينما كان منصور الطوبجي والشيخ فراج يقودان شريف الأنصاري المقيد نحو سيارات الحراسة العسكرية، انفتح الباب الجانبي لغرفة التحكم بدخول شخصية لم يرها أحد من قبل في القاهره المعز أو ثغور القراصنة. رجل فارع، لبس، لَفحت بشرته شمس البحر الأحمر حتى اكتسب لونًا نحاسيًا عتيقًا، ار
وقف عماد وسارة على لسان قلعة قايتباي، والرياح السكندرية العاتية تلفح وجهيهما برذاذ مالح مع التقدم المختلف الاختلاف. نقشت الفجر المشرقة تسحر المجال لنهار قاهري وأسكندري الجديد، لكنه نهار لا يشبه ما سبقه. حدث آخر حدث على صخور النحاس كان ينبض بأس حار التاريخ وأسراره؛ الختم المرجعي الخديوي الخالص تلألأ تحت شعاع الشمس الأول، وبجواره الخريطة الحريرية التي فتحت شرياناً جديداً من الشك واليقين: **أنفاق لوجستية سرية تحت قناة السويس.** لم يتمكن الحكم من المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة بالدقي نهاية8888، بل كان مجرد سياج قانوني المحلي حَمى مقابر الصالحين وسور العيون مؤقتاً، في حين أن الأخطبوط الدولي كان يتغير جلوده في عواصم ديفيد والمال. جاء سيريل ديبون اتصالاً مشفراً جديداً من غرفة العمليات المشتركة في باريس، وبدت ملامحه سامية أكثر تشنجاً: "مسيو عماد.. مدام سارة.. تجاوزت كيسلر والست نجوى. منظمة "التراث العالمي الموازي" بدأت تبث تقارير مغلوطة عبر شركات رائدة غربية تزعم وجود "عدم استقرار جيولوجي وأثري" يهدد سلامة الفيديو الدولي في قناة السويس، بعد ذلك تم تحديده بجلسة في جنيف لفرض. "وصاية
على رصيف ميناء بورسعيد، حيث تمتزج رائحة اليود المالح بعبق التاريخ وتلوح في الأفق أضواء السفن العابرة لقناة السويس كنجوم سابحة في العتمة، كان الهواء يحمل ثقلاً جديداً. لم يكن ثقل الهزيمة، بل ثقل إدراك أن الانتصار في معركة واحدة لا يعني نهاية الحرب، بل هو مجرد تذكرة عبور إلى ساحة قتال أوسع وأكثر تعقيداً.أغلق عماد دفتره الجلدي الصغير ووضعه في جيب معطفه بعناية وكأنه يخبئ قلبه النابض. بجواره، كانت سارة تقف متأملة المياه الداكنة، وشاحها الأسود يرفرف مع نسيم البحر، وعيناها تعكسان بريقاً لا ينطفئ. كانت ليلة طويلة، امتدت جغرافياً من قبو برج القاهرة، مروراً بأزقة المكس في الإسكندرية، ووصولاً إلى حقول كفر الشيخ، لتنتهي هنا أمام الشاحنة العسكرية المحملة برادارات المسح الجيولوجي.### الفصل الجديد: قافلة منتصف الليل وتصاعد الأنفاس"لازم نتحرك يا عماد،" قاطع صمتهم صوت أحمد عاصم الذي كان يوجه رجال أمن الموانئ لتأمين الشاحنة. "الطريق من بورسعيد للقاهرة هياخد وقت، ومراد الصغير قبل ما يتقبض عليه قدر يبعت إشارة مشفرة. إحنا مش عارفين الإشارة دي راحت لمين بالظبط، بس سيريل ديبون قلقان إن الطريق الصحراوي مي
دون عماد الدفتر لثوانٍ معدودات، استمتعت ببرودة غطاء السيراميك العتيق لمكتب الكومندور البحر إسكندر، بينما كانت أمواج المطبخ الأبيض تضرب واجهات الترسانة البحرية في المكس. تطلعت سارة من النافذة الكبيرة نحو زوارق خفر السواحل التي بدأت تقتاد سفن شحن البنمية إلى الميناء التجاري، وتتفتت إليها بابتسامة متعبة ومع ذلك، يملؤها ذلك الإحساس الغريب بالانتصار المؤقت الذي يدفئ الصدور بعد ليلة من الجحيم. بجوار المخرج، كان منصور طوبجي والشيخ فراج تلامسان كحارسي بوابات الزمان، يتبادلان نظرات مباشرة مع رجال البحرية المصرية الذين يحصلون على كارمن الأنصاري والوثائق الساحل الجديدة. ولكن، كما تعلم عماد في ساعات الأربعين الماضية، القاهرة والإسكندرية مدينتان لا يمكن أن يكون أبناءهما رفاهية الصمت الطويل. هاتف الأستاذ رفعت في جيب عماد لم يتوقف عن الاهتزاز، وصوت نغمة الرسائل المتتالية كان ينبئ بأن الأخطبوط قد يستخدم محركا آخر في مكان ما. سحبت سارة مقعداً خشبياً وجلست بجانب عماد، وفرت الهاتف من يده ومتحدثاً: "تكهّر إيه هدفية يا عماد؟ كارمن الأنصاري قبضوا عليها، والسيوفي وفريدة تحت التحقيق في الجاهلية.. نجوى هتعم
غادرت سارة الدفتر الصقيرطير برفقة، وتخشى أن تخشى الكلمات التي خطها قلم عماد في عتمة الهنجر الحديدي بوكالة البلح. وضعتها فوق يده الممسكة بالقلم، وتلاقت أعينهما وسط هدوء الليل القاهري الدافئ الذي تعانق فيه رطوبة النيل برائحة الشحم والحديد القديم. لم يبق سوى الصمت بعد انتهاء المعركة، بل كان الجلوس الذي التقى بمشاريع جديدة في مدينة الليلة وهي تمتلك من الحيوية ما يكفي لابتلاع أعتى الإمبراطوريات المالية. على بعد خطوات منهم، كان البهو الداخلي للهجرة يغص بحركة تشبه خلايا النسغ. الحاج مراد المصرلي، بزيه الأبيض الذي يسكن لزمن آخر، كان يجلس واضعاً كفيه على مقبضه، وعيناهتان تراقبان مريم عاصم بمفردهما، ومن الكشكول الأخضر الحقيقي إلى اكتشاف مشفرة نجاحها سيريل ديبون على عجل. الأستاذ رفعت كان يستمع لعاصم الجارحي وهو يشرح له كيف تمكن من إدارة شبكة الأشباح متنوع سنوات اختفائه في سيوة، بينما كان كريم وأحمد عاصم يتبادلان الضحكات الخافتة مع الشيخ فراج ومنصور بلوكجي، ممتنين لسلامة أجسادهم بعد ليلة كادت أن تطيح بكل شيء. لكن هذا الحصري المؤقت تزلزل عندما أضاءت الأشعة السينية الثلاثية الأمامية بعلامات حمراء
على مشارف سور مجرى العيون، حيث يتلاقى التاريخ المملوكي العتيق بحداثة القاهرة الصاخبة، كانت العاصمة تعيش واحدة من أكثر لياليها جنوناً وغموضاً. تلاشت أصوات النيل الهادئة وأغاني الفلوكة البعيدة، لتفسح المجال لهدير محركات ديزل عملاقة تابعة للجرافات والبلدوزرات التي بدأت تقترب في عتمة الليل كوحوش حديدية كاسرة، كشافاتها الصفراء القوية تخترق سحب الغبار والتراب المثار في الفضاء.كان المشهد يبدو كأنه لوحة سريالية تترابط فيها خيوط الزمن؛ فرجال "شركة فالكون الأمنية الدولية" بأقنعتهم السوداء وملابسهم التكتيكية الموحدة كانوا ينتشرون في تشكيلات دقيقة حول شواهد المقابر الأثرية، يحملون كشافات يدوية عالية التردد وأجهزة لاسلكية تبث شفرات رقمية سريعة. وفي المقابل، كان أهالي الحارات من السيدة عائشة والجمالية ومصر القديمة يتدفقون كالسيول البشرية من الأزقة الضيقة، يحملون بأيديهم ما تيسر من أدوات وعصي، يتقدمهم كبار العائلات بوجوههم الصارمة وجلابيبهم الصعيدية والقاهرية الأصيلة.ترجل عماد من السيارة الربع نقل التابعة للشيخ فراج، ومعه سارة وعالية المصرلي. تلاقت أنفاسهم المتلاحقة مع برودة الليل الممتزجة بحرارة
وقفت ليلى في وسط الدكانة القديمة وهي ماسكة مقبض المقشة بذهول، وآدم واقف قدامها وإيده لسه مبلولة بمية صابون المواعين، وعمر ودانا ساندين على زجاج الفاترينة وهما ميتين من الضحك على شكل الأستاذ ممدوح المحامي اللي كان بينهج وعكازه بيخبط في الأرض الطنطاوية بانتظام كأنه بندول ساعة بيعلن عن مصيبة جديدة."ك
صراع الورث والعند الأخيرالخبر نزل زي الزلزال. ليلى لقت نفسها فجأة مش بس شيف ناجحة، دي بقت الشريكة الرسمية والمالكة لنصف إمبراطورية آدم المنشاوي بالورق والقانون القديم!وهنا رجعت "عقدة الكرامة والعند" تلعب في دماغ آدم؛ آدم حس إن كبريائه كرجل أعمال اتهز، وإن البنت اللي كان بيشغلها عنده ويسلفها الجوا
عمر ودانا جريوا وجابوا الأكياس. طلعت ليلى منها: "فول سوداني أسواني متحمص"، و"سمسم محوج"، و"عسل قصب أسمر صعيدي"!ليلى: "هما معاهم الذهب، وإحنا معانا الأصل. هعملهم "موس الفول السوداني بالعسل الأسود والسمسم المقرمش"، وهنغطيه بـ "توفى الغزل" الأمريكي. ده الميكس اللي هيطير برج إيفل وتمثال الحرية مع بعض!
كمين "تمثال الحرية" والغيرة القاتلةجونثان مأستسلمش؛ استغل خناقة صغيرة حصلت بين ليلى وآدم بسبب العند المعتاد (ليلى عايزة تعمل حلقة عن الحواوشي الحلو، وآدم شايف إنه هيضيع برستيج البرنامج)، وبعتلها دعوة شخصية لزيارة "تمثال الحرية" في رحلة بحرية خاصة بيخت صغير، وأقنعها إن الزيارة دي ملهاش علاقة بالبيز







