LOGINبدأت أول خيوط الصباح تظهر في الأفق، وانعكس ضوؤها الخافت على سطح البحر، بينما بقي المكان هادئًا إلا من صوت الأمواج المتتابعة. كانت لوسيا قد غفت على كتف إيفان دون أن تشعر. أما هو، فلم ينم. ظل ساكنًا حتى لا يوقظها، يتفحصها بين الحين والآخر بدقة. كانت آثار الكدمات لا تزال واضحة على وجهها وعنقها، وبعض الجروح الصغيرة لم تختفِ بعد، وساقها التي أصابها والدها ما زالت تحتاج إلى وقت حتى تتعافى. ثم انخفض نظره إلى يدها التي استقرت فوق بطنها. كان هناك شيء صغير جدًا ينمو بداخلها. شيء لم يكن قد اعتاد فكرة وجوده بعد، لكنه أصبح بطريقة ما جزءًا من تفكيره كلما نظر إليها. رفع عينيه إلى وجهها من جديد. كانت ملامحها أكثر هدوءًا الآن. وعيناها، اللتان كانتا ترتجفان كلما اقترب منه قبل أيام، أصبحتا تنظران إليه بطريقة مختلفة. شيء ما كان يُرمم داخله. شيء لم يعرف كيف يسميه. ربما لم يكن حبًا جديدًا، فهو أحبها منذ وقت طويل. ربما كان شيئًا أعمق من ذلك. إحساس بأنه يستطيع للمرة الأولى أن يتخيل حياة لا تبدأ بالعنف ولا تنتهي به. رفع إيفان عينيه إلى السماء، وتذكر والدته. كانت أول ذكرى لها تخطر في باله دائم
لوسيا - لماذا لم تخبرني أنك لم تؤذِ تلك الخادمة؟ اتسعت عينا إيفان، والتفت إليها بسرعة، وكأن سؤالها فاجأه أكثر مما توقع. إيفان - كيف عرفتِ؟ لوسيا - عرفت فقط. إيفان - لوسيا… لوسيا - لا تسألني كيف. المهم أنني عرفت. ظل ينظر إليها للحظات، ثم أطلق زفيرًا طويلًا وأعاد عينيه إلى البحر. إيفان - كنت أريد إبعادك عن عالمي. ظننت أنك ستكونين بأمان أكثر إذا ابتعدتِ عني. خفضت لوسيا عينيها نحو يديها. لوسيا - عالمك… إيفان - نعم. العالم الذي رأيتِ منه أسوأ جزء فقط. لوسيا - رأيتك مغطى بالدماء، ورأيت امرأة أمامك، وسمعتك تقول إن الخائن يُقتل مهما كان جنسه. ماذا كنت تريدني أن أفهم؟ إيفان - أن تخافي مني. رفعت عينيها إليه بدهشة. لوسيا - كنت تريدني أن أخاف منك؟ إيفان - كنت أريدك أن تبتعدي. لوسيا - وكان الحل أن تجعلني أعتقد أنك قتلت إنسانة أمامي؟ إيفان - لم يكن لدي وقت لأشرح. لوسيا - كان لديك وقت لتقول إنك لم تقتلها. صمت إيفان. كانت محقة، وهو يعرف ذلك. إيفان - لو أخبرتك، كنت ستبقين. لوسيا - نعم. إيفان - وهذا بالضبط ما كنت أخشاه. نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت أكثر
وصل إيفان إلى العيادة بسرعة، ودخل إليها بخطوات متعجلة، وكأنه لم يستطع الانتظار دقيقة إضافية. لم يتوقف ليسأل أحدًا عن الغرفة، فقد كان يعرف طريقه إليها جيدًا. فتح باب غرفة لوسيا، فتوقفت عيناه عليها للحظة. كانت تجلس أمام فيانا، ترتدي فستانها الأزرق الناعم، وشعرها مرتب بطريقة بسيطة، وكأنها استعادت شيئًا من هدوئها الذي افتقده منذ أيام. لم تكن تبدو بخير تمامًا، لكنه رأى فرقًا واضحًا عن الصباح. وكان ذلك كافيًا ليشعر براحة لم يسمح لنفسه بإظهارها. فيانا - تستطيع اصطحابها إلى الخارج، لكن أعدها إلى هنا. ما زالت تحتاج إلى المراقبة. إيفان - همم… حسنًا. رفعت لوسيا عينيها إليه، ثم ابتسمت بخفة. لوسيا - لماذا تلهث؟ نظر إليها إيفان، ثم أخذ نفسًا عميقًا. إيفان - كنت أركض. ضحكت لوسيا. فيانا - يبدو أنه لم يستطع الانتظار إذن. سأترككما معًا الآن. ثم نظرت إلى إيفان نظرة ذات معنى. فيانا - وأظن أنه لا داعي لأن أخبره بأن يعتني بك. أجابها إيفان بنظرة قصيرة، بينما كانت لوسيا تخفي ابتسامتها. خرجت فيانا وأغلقت الباب خلفها. ساد الصمت للحظات. ثم اقترب إيفان منها ببطء. لوسيا - ت
كانت لوسيا تجلس أمام الطبيبة بصمت، بينما كانت الأخيرة تقلب نتائج الفحوصات أمامها، ثم رفعت عينيها إليها بابتسامة مطمئنة. الطبيبة - أنتِ بخير، لا تقلقي. الجرح بدأ يلتئم بشكل جيد، والكدمات ستحتاج إلى بعض الوقت حتى تختفي، لكن لا توجد إصابات خطيرة كما كنا نخشى. تنفست لوسيا براحة، إلا أن عينيها بقيتا معلقتين بالطبيبة. لوسيا - والطفل؟ ابتسمت الطبيبة وأعادت النظر إلى التقرير. الطبيبة - الطفل بخير أيضًا. ما زلتِ في الأسابيع الأولى، ولذلك من الطبيعي أن يكون كل شيء صغيرًا جدًا الآن، لكن نموه يبدو جيدًا وقويًا. ثم رفعت حاجبها بمزاح. الطبيبة - يبدو أنه ورث القوة من أمه. ابتسمت لوسيا للمرة الأولى منذ وقت طويل، ثم وضعت يدها على بطنها دون أن تقول شيئًا. في تلك الليلة، كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا. كان إيفان مستلقيًا على سريره، يتقلب للمرة التي فقد معها القدرة على عدّها. لم يستطع النوم. كلما أغلق عينيه، رأى وجه لوسيا وهي بين ذراعي والدها، ورأى الدم على ساقها، ورأى الخوف في عينيها. ثم أضاء هاتفه فجأة. توقف للحظة عندما رأى الاسم على الشاشة. لوسيا. جلس فورًا، وكأن جسده تحرك قبل أن ي
كانت لوسيا مستلقية على السرير، تحدق في السقف دون أن ترى شيئًا أمامها. رفعت يدها ببطء، ووضعتها على بطنها. هل تحمل حقًا طفلًا في رحمها؟ بدت الفكرة غريبة عليها إلى حد يصعب تصديقه. قبل وقت قصير فقط، كانت تحاول النجاة من والدها، والآن أصبحت أمام قرار قد يغير حياتها بالكامل. هل يجب أن تتخلص منه؟ أم تحتفظ به؟ هل تستطيع أن تعتني بطفل وهي بالكاد تعرف كيف تعتني بنفسها؟ لكن المشكلة لم تكن الطفل وحده. كانت المشكلة في والده. إيفان. ماذا لو أنجبت الطفل ثم تعرض للخطر بسبب حياة إيفان؟ ماذا لو اكتشف أعداؤه بوجوده؟ وماذا لو عاد والدها مرة أخرى بطريقة ما؟ ماذا لو استطاع الوصول إلى الطفل كما وصل إليها؟ تتابعت الأسئلة في رأسها حتى شعرت أنها تختنق منها. لم تنتبه إلى الباب حين فُتح. دخلت فيانا بهدوء، لكنها توقفت عندما وجدت لوسيا غارقة في أفكارها إلى درجة أنها لم تشعر بوجودها. اقتربت منها وجلست على حافة السرير. فيانا - هل أنت بخير؟ انتفضت لوسيا قليلًا، ثم التفتت إليها. لوسيا - أحاول أن أكون. ابتسمت فيانا ابتسامة صغيرة، ثم نظرت إلى يد لوسيا الموضوعة على بطنها. فيانا - أعلم أنك تتألمين ا
غادر إيفان إلى المنزل، واستحم وبدّل ملابسه، ثم حاول أن ينام، لكنه لم يستطع. بقي مستلقيًا لبعض الوقت، يحدق في السقف، وكلما أغمض عينيه عادت إليه صورة لوسيا وهي تبكي، ثم كلماتها الأخيرة. «لا أريد أن أكون أمًا.» ظل يحدق في الظلام، محاولًا أن يقنع نفسه بأن ما حدث لم يكن سوى كابوس، وأنه عندما يفتح عينيه سيكتشف أن كل شيء عاد إلى طبيعته. لكنه كان يعرف أن الأمر لم يكن كذلك. كانت كلماتها واضحة، وارتجاف صوتها ما زال عالقًا في أذنيه. جلس على حافة السرير، ومرر يديه في شعره بضيق. لم يكن يعرف ما الذي يجب أن يشعر به. كان من المفترض أن يكون سعيدًا، أو خائفًا، أو حتى غاضبًا، لكنه وجد نفسه عالقًا بين كل تلك المشاعر دون أن يتمكن من فهم أي منها. نهض من مكانه ونزل إلى الطابق السفلي. جلس في غرفة الجلوس، وأخرج زجاجة من الخزانة، ثم سكب لنفسه كأسًا وبدأ يشرب بصمت. كان المنزل هادئًا بصورة مزعجة. لم يسمع سوى صوت الساعة المعلقة على الجدار، وحركة السائل داخل الكأس كلما حركه بين أصابعه. حاول أن يصرف ذهنه عن لوسيا، لكنه فشل. كانت صورتها تظهر أمامه في كل مرة، شاحبة ومرعوبة، وكأنها ما زالت تقف أمامه وتطلب منه أن
دخل إيفان إلى القصر الكبير بهيبته الطاغية المعتادة. كان الصمت يلف الأرجاء، ولم يقطع سكونه سوى وقع خطواته الثابتة المنتظمة. في الصالة الرئيسية، كانت زوجة أبيه، ماريتا، تجلس عند طاولتها الكبيرة تحتسي قهوتها بوقار بارد. عند رؤيته، نهضت من مكانها وتقدمت لتلقي عليه التحية بنبرة آلية جافة: -ماريتا
عدتُ إلى الفندق مع خيوط الفجر الأولى، وكان عقلي غارقاً ومشغولاً بترتيب الفوضى العارمة التي تركها شقيقي خلفه. جلستُ على المقعد بجمود تام وجسدي يثقل بالتعب، تاركاً ليو يشد الضماد الطبي على جرح كتفي المصاب بقسوة بالغة أثارت حرقاناً في عروقي، لكن ملامحي لم تهتز. المسألة لم تكن مجرد خيانة عابرة، بل كانت
في الجهة الأخرى من الجناح، كان إيفان يقف كالتمثال، ملامحه الحادة جامدة كصخرة قديمة، لكن داخله كان يغلي ببركان صامت. كلمة واحدة كانت تتردد في مسامعه وتضرب كبريائه الجريء كالسوط: "أشعر بالاشمئزاز منك!" عدّل أزرار قميصه ببطء شديد، وحركة أصابعه تحمل دقة مرعبة. جلس على نفس الأريكة التي شهدت أنفاسهما
بعد أن أغلق الطبيب الباب خلفه مغادراً، شعرتُ أن الجدران تضيق عليّ. التفتُّ ببطء نحو إيفان، فارتعدت فرائصي من قسوة ملامحه الجافة. وقفتُ مكاني عاجزة عن النطق، بينما تحرك هو بخطوات واثقة وصوت حذائه الثقيل يضرب الأرض بإيقاع مرعب، حتى أصبح أمامي تماماً، يحاصرني بجسده الضخم الذي تفوح منه رائحة الموت. قب







