로그인تجمّدتا في مكانهما.
في الزقاق الضيق، كان رجلٌ ضخم يمسك بشخصٍ آخر من ملابسه… ثم— طعن. مرة. مرتين. وثالثة… بلا رحمة. صوت اختراق اللحم امتزج بأنفاسٍ متقطعة، وقطرات الدم تناثرت على الجدار الحجري. اتسعت عينا ليتي، وارتجف جسدها الصغير. فتحت فمها لتصرخ— لكن يدًا دافئة أغلقت شفتيها بسرعة. "لا…" همست إيريس بصوتٍ يكاد لا يُسمع. كان قلبها ينبض بعنف، لكنها أجبرت نفسها على الهدوء. عيناها ثبتتا على الرجل… الذي توقف فجأة. وكأنه… شعر بشيء. رفع رأسه ببطء. وفي تلك اللحظة— سحبت إيريس ليتي بقوة. ركضت. بأقصى ما تملك. خطواتهما كانت متسارعة، أنفاس ليتي مكتومة خلف يد إيريس، ودموعها تنهمر بصمت. لم تجرؤ إيريس على الالتفات. لكنها كانت تشعر به. ذلك الإحساس البارد… وكأن أعينًا تلاحقهما من الخلف. انعطفت بسرعة بين الأزقة، ثم أخرى، ثم أخرى… حتى ابتعدت. أو هكذا ظنت. عندما توقفت أخيرًا، كانت تلهث بشدة. رفعت يدها ببطء عن فم ليتي. انفجرت ليتي بالبكاء فورًا. "أ… أختي… ه-هو… لقد قتله…!" احتضنتها إيريس بقوة، ويدها ترتجف رغم محاولتها التماسك. "لا بأس… لا تتذكري…" همست وهي تربت على رأسها. لكن… هي نفسها لم تستطع نسيان ما رأت. ذلك الوجه. تلك النظرة. لم تكن نظرة إنسان… بل نظرة مفترس وجد فريسته. مرعبة حدّ القشعريرة. شدّت إيريس على يد ليتي. "لنعد إلى المنزل. الآن." لم تجادل ليتي هذه المرة. سارت ملتصقة بها، وكأنها تخشى أن تختفي إن ابتعدت. عندما وصلتا، أغلقت إيريس الباب بسرعة، ثم أغلقت النوافذ واحدًا تلو الآخر. تفقدت الأقفال… مرتين. ثلاث مرات. ثم جلست على الأرض، واحتضنت ليتي مجددًا. ساد الصمت. لكن الصمت… لم يكن مريحًا. كان ثقيلًا. مخيفًا. وبعد لحظات— همست ليتي بصوت مرتجف: "أختي… هل… سيأتي إلينا؟" توقفت إيريس للحظة. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم أن قلبها لم يصدقها. "لا… لن يأتي." لم تعرف إن كانت تقنع ليتي… أم تقنع نفسها. لكن في داخلها… كانت تعرف. أن الأمور… لم تنتهِ بعد. لأنها ، رأت ما لا يجب رؤيته . … في الزقاق البعيد— سقط الجسد بلا حراك. توقف الرجل عن الطعن أخيرًا. الصمت عاد… ثقيلًا. مسح الدم عن نصل سكينه ببطء، ثم تنهد وكأن ما فعله كان مجرد عمل روتيني. "هروبك كان بلا فائدة…" تمتم ببرود. انحنى قليلًا، وأخذ شيئًا صغيرًا من الأرض يخص ذلك الرجل الميت. ختم معدني. نقشٌ معقد يتوسطه شعار— تاج تتوسطه عين. تأمل الرجل الختم للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باردة. "كما توقعت…" رفع رأسه ببطء، ونظر نحو مدخل الزقاق… نحو الاتجاه الذي هربت منه الفتاتان. "هذا مزعج… وجود شهود." توقف لوهلة، ثم زفر ببطء. "خطأ بسيط… لن يتكرر." ساد صمت قصير. ثم— اختفى. تاركًا خلفه جثة هامدة، لم يتكلف حتى بإخفائها. … في منزل إيريس— لم تستطع النوم. جلست بجانب ليتي، تراقبها وهي تغفو بصعوبة بين الحين والآخر. لكن عقلها… كان عالقًا هناك. في تلك اللحظة. في تلك النظرة. "لم يكن مجرد قاتل…" همست لنفسها. شيء ما كان خاطئًا. طريقته… هدوؤه… حتى ملابسه، رغم بساطتها، لم تكن عشوائية. شعرت بقشعريرة خفيفة. ثم— تجمدت. صوت خافت. من الخارج. "…!" وقفت ببطء، دون أن توقظ ليتي. اقتربت من النافذة بحذر شديد. رفعت الستارة قليلًا— لا أحد. لكن… على حافة النافذة… كان هناك شيء. وضعت يدها المرتجفة عليه. قطعة معدنية صغيرة. تشبه… ختمًا. اتسعت عيناها. هذا رمز المملكة !! تاج… تتوسطه عين. تلك القطعة… رأتها مرمية بجانب الضحية. تصلب جسدها . وُضعت لها ، كتحذير لكتمان السر. "أنا أعلم أنكِ رأيتِ." ابتلعت ريقها بصعوبة. نظرت بسرعة في الأرجاء ، لكن الشارع كان فارغا لا يوجد أحد في الخارج . وأدركت شيئًا مرعبًا— هذا… لم يكن قتلًا عابرً . وهذا الرجل… لم يكن يعمل وحده. … في مكانٍ ما داخل العاصمة— وقفت أعمدة شاهقة منحوتة بدقة تحيط بقاعة واسعة غارقة في الظلام. الضوء الوحيد كان يتسلل بخفوت من نوافذ عالية، بالكاد يكشف ملامح المكان. وقف الرجل في منتصف القاعة. ركع على ركبة واحدة. "تم التخلص من الهدف." ساد صمت ثقيل. في عمق الظلال— كان هناك شخص. لا تُرى ملامحه . لكن حضوره وحده… جعل الهواء أثقل. ثم جاء صوته. هادئ.و بارد. "والشهود؟" توقف الرجل للحظة. ثم قال بهدوء: "طفلتان." ساد الصمت مجددًا. ثم— "هل تظن أنهما تمثلان خطرًا؟" رفع الرجل رأسه قليلًا، وابتسم. "لا…" ثم أضاف ببرود: "لكن… قد تكونان مفيدتين."تجمد الجميع لثوانٍ، قبل أن تتبدل ملامح المرأة ذات العينين الأرجوانيتين إلى دهشة ممزوجة بفرح. تقدمت بخطوات مترددة وهي تحدق في نصف القلادة. "إذن... كنتِ أنتِ." أومأت إيريس مبتسمة. "كانت ليا تقول إنها صنعت قلادتين، وأعطت كل واحدة لصديقة عزيزة عليها." ابتسمت المرأة بدورها. "اسمي لافندر." وما إن انتهت من التعريف بنفسها حتى اقتربت منها إيريس وعانقتها برفق. ابتسمت أميلي وهي تنظر إليهما. "يبدو أن القدر جمعكما." لم يمض وقت طويل حتى انفصلت السيدات عن الرجال بصورة عفوية. جلست لافندر وأميلي وإيريس تحت ظل شجرة كبيرة، بينما انضمت إليهن الشقراء، وبدأ الحديث يتدفق دون توقف. كانت إيريس تروي بحماس مغامراتها في عالمها، بينما أخذت تشرح لهن طبيعة السحر والوحوش والعوالم المختلفة. قالت أميلي بانبهار: "إذن توجد إمبراطوريات كاملة غير عالمنا؟" ضحكت إيريس. "بل أكثر مما تتخيلين." أما لافندر فكانت تسألها عن المانا، وطريقة استخدام السحر، وكيف يعيش أصحاب الأعمار الطويلة. وفي المقابل، بدأت النساء يعرفنها على حياتهن، وعلى الأطفال الذين أخذوا يركضون بين الأشجار وهم يضحكون. كان الجو مليئًا بالراحة وك
كان غاب على وشك أن يرفض، لكن ما إن وقعت عيناه على الحماس الذي يملأ وجه إيريس حتى تلاشت كلماته قبل أن تخرج. تنهد باستسلام، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة. "حسنًا." أشرقت ملامحها في الحال، واتسعت عيناها بفرحة واضحة. "حقًا؟" أومأ وهو ينهض من مكانه، ثم قال بهدوء: "لكن هناك شرط." عقدت ذراعيها أمام صدرها وحدقت فيه بريبة. "وما هو؟" رفع يده ببطء ولوّح بها في الهواء، فانطلقت منها هالة فضية خافتة أحاطت بجسديهما للحظات. لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى اختفى الضوء تدريجيًا، وعاد كل شيء إلى طبيعته. رمشت إيريس باستغراب، ثم التفتت تلقائيًا نحو الواجهة الزجاجية لأحد المباني القريبة. تجمدت في مكانها. "...هاه؟!" اقتربت أكثر من الزجاج، وأخذت تتفحص انعكاسها بذهول. اختفى شعرها الأبيض الحريري، وحل محله شعر بني داكن ينسدل على كتفيها، بينما تبدلت عيناها السماويتان إلى عسليتين دافئتين، واختفت علامة الهلال الصغيرة التي كانت تزين خدها. أما غاب، فلم يعد يبدو مختلفًا عن أي شاب بشري. شعره الأسود القصير وعيناه البنيتان أخفيا تمامًا أي أثر لحقيقته. ابتسم وهو يراقب دهشتها. "التنكر أولًا." رفعت يدها
ابتسم غاب ابتسامة صغيرة، ثم أمسك بيدها قبل أن يبتلعهما وميضٌ فضي اختفيا معه من وسط الحشد. ... عندما عادت الرؤية إلى إيريس، وجدت نفسها فوق سطح مبنى مرتفع يطل على المدينة بأكملها. كانت ضوضاء الشوارع لا تزال تصل إليهما، لكنها أصبحت بعيدة بما يكفي ليعود الهدوء من جديد. التفتت إليه بسرعة. "غاب... ماذا كان ذلك؟" أخرج زفيرًا هادئًا وهو ينظر إلى الأفق. "يبدو أن الأمر خرج عن السيطرة." عقدت حاجبيها. "أي أمر؟" رفع يده، فظهر بين أصابعه جهاز أسود مستطيل. التقطته إيريس بفضول. "ما هذا؟" "يسمى هاتفًا." أدار الشاشة بإصبعه، فأنارت على الفور. اتسعت عيناها. "إنه... يضيء!" ضحك بخفة. "ليس هذا أغرب ما فيه." ظل يشرح لها طريقة عمله؛ كيف يتصل الناس ببعضهم، وكيف تُرسل الرسائل، وتُلتقط الصور، وتُشاهد المقاطع المرئية، وتُقرأ الكتب. وكلما شرح شيئًا، ازداد بريق الفضول في عينيها. "إذن... يستطيع الناس حمل مكتبة كاملة داخل هذا الشيء الصغير؟" "تقريبًا." هزت رأسها بانبهار. "عالم البشر مخيف." ابتسم. "ستعتادين عليه." ثم ضغط على أحد التطبيقات. ظهرت أيقونة برتقالية اللو
... بقيت إيريس مستلقية على السرير لعدة دقائق، تحدق في السقف بصمت. ثم تنهدت ونهضت ببطء، وسارت نحو الحمام. انساب الماء الدافئ فوق شعرها وجسدها، فشعرت بأن التعب الذي تراكم عليها منذ الليلة الماضية بدأ يتلاشى تدريجياً. أغلقت عينيها للحظة وهي تستمتع بالهدوء، ثم أنهت استحمامها وارتدت فستاناً بسيطاً بلون أزرق فاتح، وربطت شعرها بشريط أبيض. عندما خرجت من غرفتها، كانت رائحة الخبز الساخن تعبق في أرجاء الفندق. ابتسمت وهي تتجه إلى صالة الطعام، حيث تناولت فطورها بهدوء. لم يكن حولها سوى عدد قليل من النزلاء، وكانت النافذة المطلة على المدينة تسمح لأشعة الشمس الذهبية بالتسلل إلى الداخل. وبينما كانت ترتشف آخر رشفة من الشاي، اقترب منها سكرتير الفندق بانحناءة محترمة. "صباح الخير يا سيدتي." ابتسمت له بلطف. "صباح النور." أخرج الرجل ظرفاً أبيض مختوماً وسلمه إليها. "وصلت هذه الرسالة منذ قليل، وقد أوصاني مرسلها أن أسلمها لكِ فور استيقاظك." تعرفت إيريس إلى خط غاب فور أن فتحت الرسالة. «إلى زوجتي الجميلة... لا تبحثي عني داخل الفندق. انتظريني بعد قليل في المقهى الواقع عند نهاية الشارع ا
ضحك غاب عندما سمع ما قالته. انحنى، وضغط بثقله عليها. ثم همس في أذنها. "أنت لم تفهم المغزى." "…ماذا؟" "أنا مغرم بكِ حتى بدون هذا." همس بصوتٍ خفيضٍ وخطير: "لا تزيدي جنوني أكثر من ذلك"، ثمّ قرّب شفتيه من عنق إيريس و قبلها هناك. لم تستطع الحركة، كأنها وقعت في فخ. شعرت كأنها فريسة بين فكي وحش. كان جسدها كله شديد الحساسية. 'غريب…' ابتسمت إيريس بخجل، ثم همست: "أحبك كثيرًا جدًا يا غاب." ولم تكد تنهي كلماتها حتى تغيرت نظراته، فابتسم ابتسامة جعلت قلبها يخفق بقوة. اقترب منها ببطء، ثم ضمها إلى صدره وكأنه يخشى أن تبتعد عنه. "أتعلمين؟" قال بصوت هادئ. "كلما قلتِ هذه الكلمات، أشعر أنني أقع في حبك من جديد." ابتسمت وهي تخفي وجهها في صدره. "أنت تبالغ." "بل لا أزال عاجزًا عن وصف ما أشعر به." ساد بينهما صمت قصير، لم يكن يحتاج إلى كلمات. بقيت بين ذراعيه، تستمع إلى نبضات قلبه التي كانت تبعث فيها طمأنينة غريبة. مرت الليلة بهدوء، بين أحاديث طويلة وضحكات متقطعة وذكريات استعاداها معًا، حتى غلبهما النعاس مع اقتراب الفجر. ... استيقظت إيريس متأخرة قليلًا. احتاجت بضع ثوانٍ حتى تذكرت أنهما ما
ابتسمت وأنا أتنهد. "أتمنى فقط ألا يذهب نيكولاس إلى كالسير وحده." هز غاب كتفيه. "أرسلت من يراقبه. إن حاول القيام بشيء متهور فسأعرف." أومأت براحة. بعد نحو نصف ساعة، بدأ البحر يظهر في الأفق. اتسعت ابتسامتي تلقائيًا. "وصلنا!" خفض كايلوس ارتفاعه تدريجيًا حتى هبط على مساحة صخرية بعيدة عن الناس، ثم طوى جناحيه الضخمين. قفزت إلى الأرض أولًا. "شكرًا يا كايلوس." خفض رأسه نحوي، فربت عليه مرة أخرى قبل أن يختفي بعد أن أعطاه غاب إشارة خفيفة. التفت نحو البحر. كانت الأمواج تتقدم ثم تعود بهدوء، بينما كانت الرمال تمتد لمسافة طويلة. خلعت حذائي، ثم سرت فوق الرمال. لم تمض سوى ثوانٍ حتى لحق بي غاب. أمسك يدي قبل أن أصل إلى الماء. نظرت إليه باستغراب. "ماذا؟" قال بهدوء: "لا تركضي." ضحكت. "لن يحدث شيء." "قلت لا تركضي." أخرجت لساني له بمشاكسة، ثم أفلت يدي وركضت رغم اعتراضه. سمعته ينادي باسمي. "إيريس." لكنني لم أتوقف. وصلت إلى الماء، وما إن لامست قدماي أول موجة حتى شهقت من برودتها. "بارد!" ضحكت وأنا ألتفت إليه. كان يقف بعيدًا قليلًا، ينظر إليّ بذراعين م
في الليل خرجت إيريس لتستنشق بعض الهواء، بعد أن نامت ليتي بصعوبة داخل المقصورة. كان الصمت يلفّ المكان، والهواء البارد يمرّ بهدوء فوق سطح السفينة. وقفت عند الحافة وحيدة، تنظر إلى القمر. لم تكن تفكر في شيء محدد… فقط كانت هناك تلك الذكريات التي تقتحم عقلها دون إذن. والداها… ذلك الشعور الذي لا يفار
مرضت إيريس بشدة بعد تلك الحادثة. ارتفعت درجة حرارتها إلى مستوى غير مسبوق، حتى أن جسدها كان يحترق وكأن النار تشتعل في عروقها. حتى يوم بلوغها سن الرشد، عندما أتتها دورتها الشهرية لأول مرة، لم تعانِ من حمى بهذه القسوة. آخر ما تتذكره عن أمها، أنها أخبرتها بأن بلوغ سن الرشد سيتسبب في بعض الألم وال
لم تكن تعرف أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب. لو كانت تعلم، على الأقل كانت ستودّع شقتها والقطة الصغيرة التي تنتظرها هناك. يا له من عيد ميلاد منحوس! عندما استعادت وعيها، لم تجد سقف مستودع الكشك القديم، ولا رائحة الخشب المعتاد، ولا حتى دفء الزاوية التي كانت تختبئ فيها تلك الطفلة. كان كل شيء… غر
لطالما آمنت إيريس أن العالم، رغم قسوته، لا بد أن يخبئ في زاويةٍ ما رحمةً صغيرة. ما زالت تؤمن بهذا المعتقد ... حتى ....وقعت بعض الأحداث التي قلبت رؤيتها إلى العالم .... رأسا على عقب ... كانت إيريس مجرد فتاة عادية يتيمة دون خلفية قوية. تعمل في كشك صغير صباحًا، وتخيط في محلها الخاص ليلًا.