LOGINلم يكن الصباح هادئًا…
طرقٌ عنيف على الباب— "افتحوا!" تجمّد جسد إيريس. ليتي، التي كانت نصف نائمة، تشبثت بملابسها فورًا. تبادلتا نظرة صامتة. الخوف… عاد. الطرق تكرر، هذه المرة أقوى. "باسم القصر الملكي، افتحوا الباب!" اتسعت عينا إيريس. القصر الملكي…؟ قبضت على يد ليتي بقوة. "ابقِ خلفي…" اقتربت ببطء من الباب، قلبها يخفق بعنف. فتحت القفل. ببطء. لكن— دُفع الباب بعنف من الخارج. اندفع رجلان إلى الداخل، يرتديان زيًا رسميًا داكنًا، وعلى صدريهما نفس الشعار— تاج تتوسطه عين. تصلب جسد إيريس. "أنتِ إيريس؟" لم تُجب. لكن صمتها… كان كافيًا. تقدم أحدهما خطوة. "بأمر من القصر الملكي، ستأتين معنا." شدّت إيريس ليتي خلفها أكثر. "لأي سبب؟" نظر الرجل إليها ببرود. "جريمة قتل." توقف قلبها لثانية. "أمير الملكة… قُتل مؤخرًا، وتم العثور على دليل في موقع الجريمة." ثم أضاف ببرود: "ختم يحمل شعار القصر… وتم تأكيد تواجد نفس القطعة المفقودة بحوزتك بعد الفحص السحري." اتسعت عينا إيريس. "هذا غير صحيح! نحن لم نفعل شيئًا!" لكن الرجل لم يتأثر. "قولي هذا أمام جلالته." ثم أشار بيده. تقدم الرجل الثاني مباشرة نحو ليتي. "لا—!" صرخت إيريس، وأمسكت بليتي بقوة. لكن قبضته كانت أقوى. سحب الطفلة بعنف. "اتركها!" حاولت إيريس دفعه، ضربه، أي شيء— لكن الرجل الأول أمسك بذراعها بقوة، وثبّتها في مكانها. "تحركي بهدوء… إن كنتِ لا تريدين أن تتأذى." تجمدت. صوت بكاء ليتي اخترق قلبها. "أختي…!" ضغطت إيريس على أسنانها. عيناها امتلأتا بالغضب— والعجز. "سآتي… فقط اتركوها!" تبادل الرجلان نظرة قصيرة. ثم قال الأول: "كلاكما ستأتيان." في الخارج— كانت عربة سوداء تنتظر. النوافذ مغلقة بإحكام. وحراس القصر يقفون بصمت. دُفعتا إلى الداخل دون رحمة. أُغلق الباب. بصوتٍ ثقيل. ومع تحرك العربة— أدركت إيريس شيئًا واحدًا فقط: هذا هو العقاب الذي أنزله عليها القاتل لتجسسها عليه . تحذير لها أن تهتم بشؤونها في المرة القادمة. هذا إن كانت هناك مرة قادمة . ...... دُفعت إيريس إلى الغرفة دون إنذار. أُغلق الباب خلفها فورًا. كانت قد فُصلت عن ليتي في وقت سابق. "أتمنى أنهم لم يؤذوها…" دعت إيريس في قلبها. "ارفعي رأسك." الصوت جاء من الأعلى. رفعت إيريس نظرها ببطء. في نهاية القاعة، على مقعد مرتفع، جلس رجل واحد. لم يكن يرتدي درعًا أو زينة مبالغًا فيها، لكن وجوده وحده كان أثقل من كل ما حوله. إلى جانبه وقف حارسان، وخلفه رمز القصر نفسه: تاج تتوسطه عين. عرفته إيريس. ملك المملكة "فرانز دي موريل". ارتجفت إيريس تحت نظرته الثاقبة. "إيريس." نطق اسمها بهدوء. لم تُجب. تقدم أحد الحراس بخطوة. "تم القبض عليها صباحًا، وبحوزتها قطعة ملكية تخص الأمير المقتول." رفع الرجل يده. فتوقف الحارس فورًا. "قطعة ملكية تخص الأمير؟" سأل بصوت منخفض. أُخرج الختم. ووُضع على الطاولة أمامه. تاج… تتوسطه عين. ثبت نظره عليه لثوانٍ. ثم نظر إليها من جديد ببرود. تجمدت ملامح إيريس للحظة. ثم ردّت بسرعة: "لم أقتله." لم يرفع نظره إليها بعد. صمت قصير. ثم تابع: "سأسألك سؤالًا واحدًا فقط." رفع عينيه أخيرًا. "كيف وصل هذا الختم إلى منزلك؟" شدّت إيريس قبضتها. "لا أعلم." ساد الصمت. تحرك أحد الحراس قليلًا خلفها. لكن الرجل في المقعد لم يبدُ مستعجلًا، بل كان يراقبها فقط، يدرس ردّة فعلها. "تمت مراجعة تسجيلات الدخول والخروج من المنطقة." قال ببرود. "لم يُسجل دخول أي طرف خارجي… إلا شخص واحد." توقف. ثم أضاف: "أنتِ." اتسعت عينا إيريس. "هذا مستحيل." لكن هذه المرة، رفع الحارس ورقة سحرية مضيئة، تظهر صورًا متداخلة وآثار طاقة. "التتبع السحري يثبت وجود بصمتك في المكان." تقدمت خطوة دون وعي. "لم أمر من ذلك الزقاق… أنا فقط—!" صمتت. لقد انزلق لسانها. هذا الملك… يا له من ثعلب ماكر. لم يتغير تعبيره. "إذن كنتِ شاهدة على الجريمة؟" صمتت. لأول مرة… لم تجد إجابة مباشرة. ليس لأنها مذنبة، بل لأن كل ما يُعرض أمامها كان مضبوطًا بدقة لا تسمح بالرفض بسهولة. انحنى قليلًا للأمام. "أمير الملكة قُتل، وفُقد ختمه الملكي." "والختم لديكِ." "وبصمتك في الموقع." توقف. "في العادة… هذا يكفي للحكم." لحظة صمت ثقيل. ثم أضاف: "لكنني لا أحب الأحكام السريعة." نظرت إليه إيريس بحذر. "ماذا تريد؟" أجاب ببساطة: "الحقيقة." ثم أشار للحراس. "نادوا الساحر الملكي بسرعة." خفق قلب إيريس رعبًا، وقالت بصوت مرتجف: "ماذا يريد جلالتكم أن يفعل؟" ابتسم فرانز دون إعطاء إجابة. بعد خمس دقائق، دخل رجل عجوز مهندم القاعة. انحنى للملك وانتظر أوامره. "تفحّص ذكرياتها وتأكد إن كانت بريئة أم لا." كان الرجل مطلعًا بالفعل على ما جرى، فقد كان الأمر حساسًا ولا يعلم به إلا فئة قليلة. كانت إيريس متأكدة من صدقها، لذا لم تقاوم. تقدم الساحر نحوها. وضع يده على رأسها وتمتم بكلمات غير مفهومة. دارت قوى غامضة حول إيريس ثم اختفت داخل رأسها. شعرت إيريس بألم لا يُطاق. وفي لحظة قصيرة، تداخلت أفكارها مع ضباب غريب… كأن شيئًا في ذاكرتها يُسحب ببطء، ومعه ذلك الإحساس القديم بثقل في جسدها كان يرافقها أحيانًا دون تفسير. اتسعت عينا الساحر فجأة، ثم نظر إليها بذهول. رفع رأسه نحو فرانز، الذي كان متكئًا على كفه ينتظر النتيجة. "سيدي… لقد تم التأكد. الفتاة بريئة." لكن— نظر إليه فرانز نظرة ذات معنى، ثم نهض من عرشه واقترب من إيريس. عندما خرجت القوة السحرية من جسدها، ارتجفت وسقطت على الأرض. سمعت صوتًا باهتًا، لكنها لم تستطع تحديده. قاومت فقدان الوعي، لكنها لم تكن في وضع يسمح لها بذلك. استقامت في جلستها ومسحت بقايا دم خفيفة من أنفها. نظرت إلى فرانز تنتظر حكمه. ابتسم لها بلطف ثم قال: "مبروك يا آنسة إيريس… لقد أثبتتِ براءتكِ." زفرت الأخيرة بارتياح. لكن— فجأة نزل فرانز على ركبة واحدة، وأمسك ذقنها بأصابعه. ارتجفت إيريس، وتلاقت نظراتهما. "بصراحة… لقد وقعت في حبك منذ دخلتِ القصر." "هلا تصبحين زوجتي؟" "…"تلقت رئيسة الخدم صفعة جعلتها تبصق كمية هائلة من الدم. لولا أنها ساحرة، لكانت قد أُغمي عليها فورًا. احمرّت عيناها بشدة، ونظرت إلى السيدة التي خدمتها بإخلاص وهي تصفعها. لم تكن سوى ماريا، محظية الإمبراطور. وعندما همّت بالكلام، نظر إليها غابرييل ببرود وقال: "اخرجي فورًا." انخفضت حرارة الغرفة. وعندما رأت ماريا أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، ضربت الأرض بقدمها وغادرت. الآن لم يبقَ سوى الطبيبة وغابرييل إلى جانب إيريس، التي ازداد شحوب وجهها، وراحت تئن من شدة الألم. اشتعل جسد إيريس بالحمّى حتى فقدت القدرة على التمييز بين الحلم والواقع. كانت أنفاسها ساخنة ومتقطعة، وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة مؤلمة، بينما خصلات شعرها التصقت بوجهها المبلل بالعرق. ارتجفت أصابعها فوق الغطاء. حتى وهي فاقدة للوعي… لم يتوقف جسدها عن الارتعاش. "لا…" خرج الصوت ضعيفًا ومكسورًا من شفتيها الجافتين. حاولت تحريك رأسها، وكأنها تهرب من شيء تراه وحدها. "أرجوك… لا تتركاني…" تشنجت أصابعها فجأة، وقبضت على الملاءة بقوة. كانت ملامحها متألمة بشكل واضح، وحاجباها معقودين بشدة، وكأنها تعيش كابوسًا حقيق
وصلت إيريس إلى المغسلة بشق الأنفس. كانت المغسلة تقع خارج القصر، كما أن تشغيلها يتطلب ثلاث أحجار سحرية. لذا كان عليها جلب حوالي ثلاثة عشر حجرًا سحريا من المخزن لكل هذا الكم الهائل من الملابس. تنهدت إيريس ورفعت فستانها إلى الركبتين، وشمّرت عن ساعديها. "حسنًا، لنبدأ!!" قالت بعزيمة. بدت لطيفة جدًا، خاصة بملامحها الجميلة. وعندما تلمع العزيمة في عينيها الواسعتين، تبدو أظرف. بدأت إيريس في تشغيل الغسالة، ووضعت ملابس الإمبراطور أولًا. وبينما هي منهمكة في الغسيل، لمحت ظلًا بجانبها. رفعت عينيها قليلًا، ورأت رئيسة خدم المحظية "ماريا" تنظر إليها، والاحتقار بادٍ على وجهها. حيتها إيريس بصمت وعادت تكمل عملها. "أعطني قميص جلالته." مدت يدها نحو كومة الغسيل النظيفة. رمشت إيريس بعينيها وقالت: "لماذا؟" غضبت رئيسة الخدم فورًا وقالت: "أيتها الخادمة الحقيرة، كيف تجرؤين؟ ألا تعلمين رتبتك؟" نظرت إيريس إليها بارتباك. ما بها؟ أليس السؤال عن السبب أمرًا طبيعيًا؟ "سيدتي، أنا أعمل عند الإمبراطور، وأظن أن لا أحد يملك الحق في إملاء الأوامر غيره." توقفت للحظة، حتى إيريس نفسها صُدمت من ك
تقدمت إيريس في الممر بخطوات بطيئة في البداية، ثم بدأت سرعتها تزداد تدريجيًا دون أن تنتبه لذلك.كان الممر هادئًا، طويلًا، والجدران العالية تعكس وقع خطواتها بشكل يجعل الصوت يبدو أوضح مما هو عليه.لكن داخلها لم يكن هادئًا.منذ لحظات قليلة فقط…خرجت من جناح الإمبراطور.ومنذ تلك اللحظة، شيء ما في صدرها لم يعد مستقرًا."لماذا أشعر بالضيق هكذا كلما اقتربت منه…"هزّت رأسها بخفة تحاول طرد الفكرة، لكنها لم تنجح.بل على العكس، كل خطوة كانت أسرع من السابقة، وكأنها تهرب من شيء ما."سأذهب فقط… سأكمل عملي… هذا كل شيء."لكن عقلها لم يكن يلتزم بما تقوله.صورة غابرييل، صوته، وقربه الذي حدث قبل قليل… كانت كلها تعود دفعة واحدةخاصة عينيه عندما كان مركزًا عليها.ارتبكت أكثر.ثم دون أن تدرك، تحولت خطواتها إلى ركض خفيف.كان صوت خطواتها يزداد ارتدادًا على الأرضية الحجرية.ركضت.ليس بسرعة كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي."لا… فقط من الطبيعي أن أعجب به، فهو بعد كل شيء وسيم…"لكن الممر لم يكن خاليًا كما ظنت.وفجأة…اصطدمت بشيء صلب."آه—!"اختل توازنها، وارتفع جسدها قليلًا للخلف، وكادت تسقط.لكن يدًا قوية أمسك
توقفت إيريس في مكانها. لا مساحة خلفها للتحرك، ولا مخرج سوى الباب… لكنه محجوب بذراع واحدة فقط، كافية لمنعها من الهرب. لم يلمسها، ومع ذلك لم تستطع التحرك. اقترب غابرييل خطوة أخرى. خفض رأسه قليلًا ليصبح على مستوى عينيها. "لماذا تتجنبينني؟" صوته كان ثابتًا، خاليًا من أي انفعال. إيريس ابتلعت ريقها بسرعة ولم تجرؤ على النظر في عينيه. "أ… أنا…" رفع ذقنها فجأة وقال بصوت خافت: "أنظري في عيني وتحدثي." شعرت إيريس بحرارة في المكان الذي لمسها فيه. رفعت عينيها بحذر ونظرت إليه. حبست أنفاسها عند ذلك المنظر. كان وجهه الوسيم قريبًا جدًا لدرجة أنه لو تحرك أحدهما قليلًا لالتقت شفاههما. فكرت إيريس أنه لو قبلها ، فليست متأكدة إذا كانت ستستطيع دفعه . "أ… أنا لا أتجنبك، جلالتك." صمت. لم يرد. لكن عينيه بقيتا عليها دون أن تتحركا. اقترب نصف خطوة أخرى. الآن لم يعد بينهما سوى مسافة صغيرة جدًا. "تكذبين." كلمة واحدة فقط. شدّت إيريس أصابعها داخل كفها، واحمرّت أطراف عينيها. ضغطت على الباب خلفها تحاول خلق مسافة بينهما. كان يفعل ذلك عمدًا لإجبارها على الكلام. "أنا فقط
بعد تلك الحادثة، أصبحت إيريس موضع حديث الجميع. كما أصبح تنكرها عديم الفائدة، لذا لم تجد خيارًا سوى إظهار وجهها الحقيقي. زاد هذا الطين بلة، لكن لم يجرؤ أحد على مضايقتها. وعدت إيريس نفسها أن تُبقي بينها وبين غابرييل مسافة واضحة. لا تعرف لماذا… لكنها لم تكن تشعر بالراحة لفكرة البقاء بجانبه. ….. كانت مهامها متعددة؛ غسل ملابس حراس النخبة، والمساعدة في المطبخ، والتنظيف… أما بخصوص تقديم الطعام… فلم يُطلب منها ذلك أبدًا. في الحقيقة، كانت سعيدة بهذا، فعلى المائدة كان الإمبراطور يجلس دائمًا برفقة أحب محظياته لتناول الطعام. وكان على الخادمة أن تقدم الطعام، ثم تنتظر جانبًا حتى ينتهوا وتُنظف خلفهم… المشكلة ليست في التعب… المشكلة أن وجود غابرييل كان يربكها… لذا كانت حريصة دائمًا على تجنبه، وحتى إن صادفته، تُحييه بصمت ثم تغادر. وكأنها تهرب منه… ولحسن حظها، لم يبدُ أنه مهتم بها إطلاقًا. بالطبع، كانت انشغالاته كثيرة جدًا، فلا سبيل له لتذكر خادمة صغيرة مثلها… كانت هذه الفكرة هي ما يهدئ إيريس. ….. مرّ على تلك الحادثة شهر كامل. وعلى الرغم من أن الخدم قد توقفوا عن
عندما عادت إيريس… كان الإمبراطور قد دخل الحمام بالفعل، وأغلق الباب خلفه . بقيت إيريس في مكانها للحظة، لم تفهم بعد أن الأمر انتهى. "انتهى… أليس كذلك؟" "أنا ما زلت على قيد الحياة…!" قالتها بصوت شبه غير مسموع، وكأنها لا تصدق نفسها. من داخل الحمام، كان صوت الماء يُسمع خافتًا. أما هي، فبدأت تتحرك بسرعة. جمعت المنشفة التي سقطت، رتّبت المكان، وأخذت الملابس التي جهّزتها سابقًا بعناية أكبر هذه المرة. كانت تحاول أن تبدو طبيعية… لكن قلبها لم يكن متعاونًا. "لا يجب أن أرتكب خطأً آخر… لا يجب…" … بعد دقائق، خرج الإمبراطور من الحمام. لم يكن يرتدي شيئًا رسميًا بعد، فقط رداءَ حمّامٍ داكنًا مطرزًا بتنين أزرق غامق، وشعره ما يزال مبتلًا قليلًا، وبعض الخصل تنسدل على جبينه. كان وسيمًا جدًا، خاصةً مع بشرته الفاتحة. الآن فهمت إيريس سبب رمي الخادمات أنفسهن عليه. وقف قرب النافذة دون أن ينظر إليها. "الملابس." جاء صوته باردًا كعادته. "حاضر جلالتك." إحمر وجه إيريس بشدة و لم تجرؤ على رفع رأسها . اقتربت إيريس بسرعة، تحمل الملابس . كانت قصيرة بالنسبة له ، يصل وجهها عند صدره