LOGINحاولت لين المقاومة في البداية من شدة المفاجأة، ودفعته بيديها الصغيرتين ضد صدره الصلب وهي تشعر بقلبها يدق بعنف، ولكن في اللحظة التي تغلغلت فيها رائحة عطره الرجولي المألوف والساحر إلى أنفاسها ذلك العطر الذي عشقته لسنوات طويلة وبكت بسببه في ليالي جفائهما تجمّدت أطرافها، وتوقفت عن المقاومة تماماً، مستسلمة لضعفها الشديد أمامه، ومجيبة على ثورته بضعف وعشق مخفي لم يستطع قناع البرود حمايتها منه هذه المرة.
بعد ثوانٍ طويلة من هذا الإعصار، ابتعد ريان عنها قليلاً وهو يتنفس بصعوبة، وعيناه المظلمتان بالغيرة تتأملان وجهها المحمر وشفتيها، وضغط بيديه على الحائط محاصراً إياها وهو يقول بصوت أجش ممتد من أعماق قلبه: _ "أتحداكِ أن تقولي لي مجدداً أن هذا المصطفى أو أليكس يعصيان عليكِ نسياني.. تحدثي يا لين! كيف تمزقينني بهذا البرود وأنتِ تذوبين بين يديّ هكذا؟!" حاولت لين الابتعاد عنه ودفع صدره بكل ما أوتيت من قوة لتستعيد كبرياءها المهدور، إلا أن ريان كان أسرع وأقوى؛ فحاصر خصرها بيديه الضخمتين وجذبها إليه أكثر، ملصقاً جسدها بجسده حتى شعرت بلهيب أنفاسه المتسارعة. انحنى قليلاً وارتجفت نبرته وهو يهمس في أذنها بصوت مخنوق ومحترق من الغيرة: _ "أتحبين أليكس كثيراً يا لين؟ إلى هذا الحد يملأ قلبكِ؟" رفعت لين عينيها لتنظر مباشرة في عمق عينيه المشتعلتين، ورغم خفقات قلبها العنيفة، استجمعت كل ثقتها وكبريائها الجريح، وأجابته دون وعي منها وبنبرة صادقة هزت كيانه: _ "نعم.. أحبه كثيراً! فهو الوحيد الذي..." وقبل أن تكمل كلامها وتخبره أنه هو نفسه "أليكس" طفولتها، قاطعها ريان بقبلة أقوى وأقسى من الأولى، قبلة جنونية تحمل كل مشاعر الوجع، والتملك، والرغبة في محو ذلك الاسم من ذاكرتها وشفتيها. كان يقبلها بعنف وكأنه يحارب طيف رجل آخر يشاركه في زوجته، بينما كانت دموع مخفية من القهر والغيرة المحرقة تكاد تنفجر من عينيه. تسمرت لين في مكانها تحت تأثير قسوته وعاطفته المندفعة، وشعرت بجدران المطبخ تضيق حولهما، في حين كان مصطفى ونور لا يزالان يجلسان في الحديقة بانتظار العصير، دون أن يدريا عن هذا الإعصار الذي يحدث في الداخل طالت القبلة أكثر وأكثر، وشعرت لين بأسوار كبريائها تنهار واحداً تلو الآخر؛ فلم تعد قادرة على السيطرة على مشاعرها وجسدها أمام هذا التدفق العنيف من العشق والاشتياق الذي طال كبته. ذابت بين يديه مستسلمة تماماً، وكأن العالم من حولهما قد توقف عن الدوران. بعد ثوانٍ طويلة وعاصفة، أبعد ريان شفتيه ببطء وهو يتنفس بصعوبة، ونظر في عمق عينيها الذائبتين بملامح تفيض بالتملك والجنون. رفع يده وضغط على فكها برقة مغلفة بالقسوة، جابراً إياها على النظر إليه، وقال بنبرة أجشة تخرج من أعماق قلبه المحترق: _ "أنتِ لي يا لين! ملكي أنا وحده.. ولن أسمح لأي رجل أن يلمس شعرة منكِ، أو يأخذ حيزاً في قلبكِ، لا أليكس.. ولا هذا المصطفى القابع في الأسفل!" كانت لين لاهثة، وعيناها تلمعان بالدموع بفعل مشاعرها المتضاربة؛ فكلامه عن مصطفى صدمها وجعلها تستوعب فجأة مدى الغباء الذي يغرق فيه ريان بسبب غيرته العمياء، فهو لا يزال يظن أن شقيق نور هو عشيق سري لها! ورغم رغبتها في الصراخ وتوضيح الحقيقة، إلا أن جرحها القديم منه وتذكره لخروجه مع أمل وقسوته السابقة جعلاها تبتلع الحقيقة مجدداً، لتقرر الاستمرار في معاقبته وإذاقته من نفس الكأس. وفي الخارج، بدأت نور تشعر بالقلق من تأخر لين الطويل في المطبخ، فالتفتت إلى شقيقها مصطفى وقالت بنبرة متوجسة: _ "مصطفى.. لقد تأخرت لين كثيراً بجلب العصير، سأدخل لأرى إن كانت بحاجة للمساعدة." وقفت نور وتحركت نحو باب المطبخ بخطوات هادئة، ودخلت الممر المؤدي إليه، لتتسمر في مكانها بصدمة عندما لمحت ريان وهو يحاصر لين رغماً عنها ويضغط على فكها بتلك الطريقة العنيفة تراجعت نور خطوتين إلى الخلف بهدوء وصمت شديد، وهي تشعر باحمرار خفيف يكسو وجنتيها؛ ففي النهاية ريان هو زوج لين، ورغم الخلافات الواضحة بينهما، إلا أن نور شعرت أنها لا تملك الحق في إفساد هذه اللحظة الخاصة أو التدخل بين زوجين في لحظة عاطفية عاصفة كهذه.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







