Share

الفصل 31

last update publish date: 2026-08-01 18:16:55

أغلقت لين الهاتف، والتفتت لتعود إلى داخل الغرفة، ولم تكن تعلم أن ريان كان يقف خلف الباب مباشرة وقد استمع إلى المكالمة كاملة، لكن عقله الغارق في الشك والغيرة لم يستوعب سوى عبارات الاشتياق الأولى لمصطفى، وظن أن "مصطفى" هذا رجل غريب تدعوه زوجته إلى بيته!

​ما إن خطت لين إلى الداخل حتى اعترض ريان طريقها بجسده الضخم، وكانت عيناه تشتعلان بالشرر والغضب الأعمى. قبض على معصمها بقوة وهتف بصوت هادر تقطعه الغيرة القاتلة:

_ "إلى أين أنتِ ذاهبة؟! ومن هو مصطفى هذا الذي تتبادلين معه عبارات الاشتياق وتدعينه إلى بيتي بكل جرأة؟! تحدثي!"

​نظرت لين إلى يده القابضة على معصمها، ثم رفعت عينيها إليه ببرود قاتل أثار جنونه، وقالت بجفاف تام:

_ "اترك يدي يا ريان.. ليس من حقك محاسبتي، ومصطفى سيصل إلى هنا بعد قليل، وإن كان لديك اعتراض.. واجهه بنفسك!"

​نفضت يدها منه بغضب وخرجت من الغرفة، تاركة ريان في قمة غليانه يفكر بقلة حيلة من يكون مصطفى، بينما كانت نور في الجانب الآخر تجمع شتات نفسها والدموع في عينيها لتتوجه إلى قصر الجد.

​كان خالد يعيش في عالم آخر من الحماس والترقب. لم يكن يعلم أن نور في طريقها إلى منزل جده، فارتدى ملابسه بسرعة وغادر القصر متوجهاً إلى الشركة، وقلبه يخفق بشدة؛ فكم كان يريد ويتحرق شوقاً لرؤيتها اليوم في المكتب، ومراقبة ملامحها الخجولة بعد أن أصبحت رسمياً عروسه المستقبليّة خلال أيام!

​وفي غضون ذلك، كانت حديقة القصر الواسعة على موعد مع مواجهة من نوع آخر.

​وصل مصطفى إلى البيت، وترجل من سيارته وعلامات القلق على شقيقته نور بادية على وجهه. ما إن رأته لين، حتى أشرق وجهها بابتسامة دافئة افتقدتها منذ زمن، وركضت نحوه ترحب به بحفاوة بالغة، ثم ارتمت في شباكه واحتضنته بقوة شديدة.

​فـمصطفى بالنسبة للين ليس مجرد غريب، بل هو بمثابة أخيها الصغير الذي لم تَلده أمها؛ فهو شقيق صديقة عمرها نور، وقد عاشت معه طفولتها كلها في بيت واحد، وتعتبره سنداً وقطعة من عائلتها.

​لكن من الشرفة العلوية المطلة على الحديقة، كان ريان يقف كالصنم، وعيناه تشتعلان بغضب أعمى وجنون لا حدود له وهو يشاهد هذا العناق الحار. لم يكن يعرف هوية الشاب، وبسبب الغيرة الشديدة والشك الذي يعمي بصيرته، ظن أن كابوس الخيانة يتجسد أمام عينيه، وقبض على سياج الشرفة الحديدي حتى ابيضت مفاصل يده من شدة الغيظ.

​لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى وصلت نور إلى القصر. ترجلت من سيارتها والدموع لا تزال عالقة بأهدابها، وما إن لمحت شقيقها مصطفى حتى ركضت نحوه وارتمت في صدره، وسلمت عليه بقوة وعناق طويل تفرغ فيه كل خوفها وقهرها من هذا الزواج المفاجئ.

​هدأ مصطفى من روعها ومسح على رأسها بحنان، ثم اتجه الثلاثة (لين، ونور، ومصطفى) وجلسوا معاً في ركن هادئ من الحديقة.

بعد نقاش طويل ومحاولات مستمرة من لين ومصطفى، زفرت نور بنفَسٍ ثقيل، وأومأت برأسها بالموافقة أخيرًا، مقتنعةً بكلام لين ومنصاعةً للامر الواقع فقط كي لا تغضب أمها وتتجنب المشاكل العائلية.

​لقد نجحت لين في تهدئة روعها عندما أخبرتها قائلة:

_ "نور حبيبتي، لا تقلقي.. خالد أُجبر على هذا الزواج تمامًا مثلكِ، وهو رجل شهم، وأنا متأكدة أنه سيعاملكِ كصديقة ولن يفرض عليكِ شيئاً لا ترغبينه."

​وحاولت لين إدخال البهجة إلى قلب صديقتها قائلة بابتسامة مشجعة:

_ "انظري إلى الجانب الإيجابي، على الأقل سنعيش معاً في نفس القصر ونبقى دائماً بجانب بعضنا البعض!"

​كانت لين في أعماقها سعيدة جداً بهذا الزواج؛ فهي الوحيدة التي تعلم سراً أن ابن عمها خالد يحب نور بصدق، وكانت متيقنة أن نور مع الوقت ومعاملته الطيبة ستحبه حتماً، ولن يكون مصيرها كمصير لين البائس. تنهدت لين في سرها بمرارة وخلف قناع فرحتها غصة حارقة؛ فحال نور لن يكون كحالها أبداً.. فريان لا يحبها ولا يرى وجودها، بينما هي التي تحبه بالخفاء ويمزقها جفاؤه.

استأذنت لين من نور ومصطفى بلطف قائلة بابتسامة هادئة:

_ "سأذهب إلى المطبخ لأجلب لكم بعض العصير البارد، الجو حار والحديث يطول."

​تركتهم يتابعون نقاشهم، وتحركت بخطوات هادئة نحو الداخل. وما إن عبرت عتبة المطبخ ودخلت في الممر الشبه معزول، حتى امتدت يد قوية وضخمة وسحبتها بعنف وقوة نحو الحائط. شهقت لين من المفاجأة، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة أو تستوعب ما يحدث، فاجأها ريان بقبلة عنيفة جداً حابسة للأنفاس، صابّاً فيها كل بركان الغيرة والجنون والاشتياق الذي التهمه طوال الأيام الماضية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • انتي ملكي    الفصل 39

    أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا

  • انتي ملكي    الفصل 38

    لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."​في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا

  • انتي ملكي     الفصل 37

    استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. ​أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. ​نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" ​أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.

  • انتي ملكي    الفصل 36

    انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.​دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!​جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف

  • انتي ملكي    الفصل 35

    وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل

  • انتي ملكي    الفصل 34

    ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.​حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."​نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".​وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.​استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status