LOGINعادت نور أدراجها نحو الحديقة بخطوات سريعة لكي لا يلمحها أحد، وجلست مجدداً قرب شقيقها مصطفى الذي نظر إليها باستغراب قائلاً:
_ "ما بكِ يا نور؟ أين لين؟ ولمَ تراجعِتِ هكذا؟" تنحنحت نور محاولة إخفاء ارتباكها وقالت بصوت منخفض: _ "لا شيء يا مصطفى.. لين قادمة بعد قليل، دعهما وشأنهما الآن." أما في داخل الممر... كانت لين لا تزال تحت تأثير ضغط ريان على فكها ونظراته المتملكة التي تكاد تخترق روحها. استجمعت شجاعتها ببطء، ورفعت يدها لتزيل يده عن وجهها بهدوء، ثم نظرت في عينيه بثقة تامة وقالت بنبرة جليدية تخفي خلفها دقات قلبها المرتعشة: _ "التملك والقوة لن يغيرا من الواقع شيئاً يا ريان. والآن.. ابتعد عني، فكل دقيقة أتأخر فيها بالداخل تجعل ضيوفي يتساءلون." أدارت ظهرها له دون أن تنتظر رده، وحملت صينية العصير بيدين ترتجفان بوضوح، وخرجت نحو الحديقة بخطوات متزنة تحاول فيها رسم ملامح البرود مجدداً على وجهها. تبعها ريان بخطوات ثقيلة وعيناه تلاحقانها كظل أسود، وما إن خطت لين إلى الحديقة ووضعت الصينية أمام مصطفى ونور، حتى ظهر ريان خلفها مباشرة، واقفاً بجسده الضخم وهيبته الصارمة، وعيناه مثبتتان كالسهم على مصطفى، مستعداً لبدء المواجهة التي طال انتظارها في رأسه المشحون بالظنون. تقدم ريان بخطوات بطيئة ومدروسة، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه المشتعلتين بالغيظ. سحب مقعداً وجلس بجانب لين، واضعاً يده خلف ظهر مقعدها بتملك واضح، ثم نظر مباشرة إلى مصطفى وقال بنبرة رجولية حادة تحمل في طياتها تهديداً مبطناً: _ "أهلاً بك في قصرنا.. لم أتشرف بمعرفتك بعد، رغم أنني سمعتُ أنك ولين مقربان جداً، لدرجة أن الشوق بينكما لا يحتمل التأجيل." ساد صمت مفاجئ وثقيل على الطاولة. نظر مصطفى إلى ريان بريبة واستغراب من نبرته الهجومية، لكنه لم يفهم سبب هذا العداء. أما لين، فرفعت فنجانها ببرود تام ولم تكلف نفسها عناء التوضيح، تاركة ريان يغرق في سوء فهمه كعقاب له. لكن نور، التي كانت تجمع الخيوط في رأسها وتذكرت غضب ريان في الممر قبل قليل، استوعبت فجأة الحقيقة! اتسعت عيناها بذهول، وكادت تضحك من شدة المفاجأة عندما أدركت أن ريان—بكل هيبته ونفوذه—يغار بجنون من شقيقها مصطفى ويظنه رجلاً غريباً يهدد زواجه! تنحنحت نور محاولة كتم ضحكتها، وقالت بنبرة عفوية لتكسر هذا التوتر وتنقذ الموقف: _ "سيد ريان، يبدو أنك لم تلتقِ بأخي الصغير مصطفى منذ سنوات طويلة! مصطفى عاد من السفر فوراً عندما علم بأمر زواجي من ابن عمك خالد، وجاء إلى هنا مباشرة ليناقش مع لين الترتيبات." تسمر ريان في مكانه كمن صُبّ عليه ماء بارد. تلاشت الابتسامة الباردة من وجهه، وتحولت نظراته الحادة إلى ذهول تام وعدم تصديق. التفت ببطء نحو لين، ثم نحو مصطفى، وتمتم بصوت منخفض ومصدوم: _ "أخوكِ؟!.. مصطفى هو شقيقكِ؟" أومأ مصطفى برأسه وقال ببراءة: _ "نعم يا سيد ريان، أنا شقيق نور. ولين بمثابة أختي الكبرى، فقد عشنا طفولتنا معاً ولم أرها منذ مدة طويلة، لهذا كان العناق حاراً عند اللقاء." شعر ريان في تلك اللحظة برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعه؛ فكل ذلك البركان من الغيرة، والقبلات العنيفة في المطبخ، والتهديدات بالتملك، كانت بسبب شقيق صديقة زوجته! والتفت بطرف عينه إلى لين ليجدها تنظر إليه بنظرة ساخرة وابتسامة نصر خفية كأنها تقول له: "أرأيت إلى أي مدى يقودك غباؤك وغرورك؟" ابتلع ريان ريقه بصعوبة، وحاول جاداً استجماع هيبته التي تلاشت في ثوانٍ، لكن الصدمة لم تتوقف عند هوية مصطفى فحسب؛ بل إن الكلمات الأخيرة التي نطق بها الشاب نزلت عليه كصاعقة ثانية! اتسعت عيناه ونظر إلى نور ثم إلى مصطفى وقال بنبرة مذهولة تماماً وغير مصدقة: _ "لحظة.. ماذا قلت؟ زواجكِ من من؟! من خالد؟! ابن عمي خالد؟!" أومأت نور برأسها بحزن ووجل، بينما أجاب مصطفى بجدية: _ "نعم يا سيد ريان، لقد تم الترتيب لكل شيء فجأة بطلب من الجد ووالدتك السيدة ياسمين، وعقد القران والزفاف سيكون بعد ثلاثة أيام.. لهذا جئتُ مسرعاً." هبط الصمت مجدداً على ريان، وعقله يكاد يتوقف عن الاستيعاب. خالد؟ خالد الكتوم، الصارم، الذي كان يرفض فكرة الزواج جملة وتفصيلاً، والذي رآه قبل قليل يخرج من مكتب الجد بكامل بروده المعتاد، سيتزوج فجأة من نور؟ تذكر ريان على الفور ملامح خالد وسعادته المخفية التي رآها فيه صباحاً، وبدأت قطع الأحجية تتركب في ذهنه؛ فخالد لم يكن مجبراً، بل كان يخطط للأمر! شعر ريان بإحراج مضاعف وضياع تام؛ فبينما كان يعيش وراء جدران شكوكه الغبية ويحترق بنيران غيرة وهمية من مصطفى، كانت عائلته بأكملها ترتب لحدث كبير بهذا الحجم دون أن يدرك شيئاً.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







