Masukالفصل الثالث.
... نظر إليّ ببرود من فوق إلى تحت، ثم أطلق ضحكة دون فكاهة. اقترب مني بخطوات واسعة حتى وقف أمامي، فاضطررت لرفع رأسي كي ألتقي بنظراته الساخرة. "طلاق؟ عزيزتي، من تلك الفتاة الجامعية الصغيرة التي اعترفت بحبها لي في جامعة سيرفا؟ من تلك التي عقدت قرانها معي وهي تكاد تطير من السعادة؟ من تلك الفتاة التي دخلت مكتبي قبل أيام فقط، محاولة إغوائي بطرق خرقاء؟" استمر في الكلام وهو يتبعني بينما كنت أتراجع إلى الخلف. هذا صحيح... كنت أنا دائمًا من تبادر. دائمًا ما كنت أذل نفسي من أجل رجل لا يلتفت إليها إلا وقت حاجته. ظننت أنني بذلك أظهر حبي له، وأنني ربما أستطيع إذابة قلبه الجليدي. لكنه اتضح أن قلبه لم يكن جليديًا... بل كان محتلًا من طرف امرأة أخرى بالفعل! "لماذا... تزوجتني إذا كنت لا تحبني؟" خرجت الكلمات متقطعة ومحطمة كحالي الآن. أطلقت صوتًا متألمًا عندما حوصرت ضد الحائط مرة أخرى. "لماذا تزوجتك؟ هل هذا يهم الآن؟ هل تظنين أنك بهذه الحيل الرخيصة تستطيعين جعلي أحبك؟ خطأ، هذا يجعلك مقرفة أكثر وأكثر." استمر في إطلاق الكلمات اللاذعة بينما كانت يده تتناقض مع كلماته. أحاط خصري بيده، ثم سحبني إليه وانحنى قليلًا ليدفن وجهه في عنقي. "كما قلت سابقًا، ابقي مطيعة، وسيبقى منصب السيدة الشمري لك." همس في أذني، ثم مد يده إلى ركبتي بغية حملي. "ابتعد عني!" دفعته بكلتا يدي، فترنح إلى الخلف من الصدمة. "منصب السيدة الشمري؟ مطيعة؟ فليذهب ذلك إلى الجحيم! أي زوجة هذه، وأي سيدة شمري هذه والعالم لا يعلم لحد الآن أنك متزوج؟!" عضضت شفتي بقوة وأنا أتذكر كمية التنمر والكلام الجارح الذي تلقيته من عائلته، ولكن عوضًا عن أن يحمي زوجته ويساندها، يفعل العكس تمامًا! اسودّ وجهه فجأة، ثم سرعان ما امتدت يده وفرّقت شفتيّ بسرعة. "ألم أخبرك أن تتوقفي عن عض شفتيك؟!" همس بصوت غاضب جعلني أرغب في صفعه. "لا دخل لك فيما أفعله!" أبعدت يده بعنف قبل أن أحاول الابتعاد عنه بأقصى سرعة. ولكن قبل أن أخطو بعيدًا، وجدت نفسي فجأة مرفوعة بعنف على كتفه. تقدم بخطوات ثابتة رغم أنني ضربته بعنف، ولكنه كان كأن جسده مصنوع من الحديد، لم يتألم حتى. اقترب من الأريكة، ثم أسقطني عليها وانحنى فوقي. "في المرة القادمة التي تقولين فيها «لا دخل لك فيما أفعله»، سأحرص على إرسالك إلى مكان مظلم وضيق، أفهمت؟" كان ينظر إليّ وكأنني مجنونة أتفوه بالترهات. في الحقيقة، لا ألومه، فأنا التي فتحت كامل قلبي له حتى أصبح يستهين بمشاعري. ابتعد عني أخيرًا، ثم عدّل ياقة قميصه وقال: "هذا المنزل أصبح ملكًا لشخص آخر، لذلك ستنتقلين إلى إحدى فيلاتي، وبخصوص أشيائك، فقد جمعت كلها وهي الآن موضوعة في المخزن الخاص بمكان عيشك الجديد. فانتظري هنا ريثما يأتي السائق لأخذك." خرج من الغرفة تاركًا إياي محطمة ومصدومة. المنزل... أصبح باسم عشيقته؟ لم يكلف نفسه عناء إخباري والسماح لي بجمع أشيائي، بل رماها مباشرة في منزل آخر. هكذا إذًا، هذا هو سبب تغيير قفل الباب! انتابتني رغبة في البكاء بشدة وتدمير بضعة مزهريات، ولكنني لن أفعل. مسحت دموعي بعشوائية قبل أن تتساقط، ثم اقتربت بسرعة من الحاسوب الأساسي الموضوع هناك في الغرفة التي هي في الأصل مكتبه. نظرت مرة أخيرة إلى الباب للتأكد من أنه لن يدخل فجأة، ثم ضغطت بسرعة على عدة أزرار، فتغيرت شاشة الحاسوب لبضع دقائق فقط قبل أن تعود إلى طبيعتها. نظرت مرة أخرى إلى المكان، ثم حملت حقيبتي وخرجت من المكتب. لم تكن هذه أول مرة. لم تكن هذه المرة الأولى التي نتشاجر فيها وأهدده بالطلاق. كنت دائمًا، بعد كل شجار، أحمل بعضًا من أشيائي وأغادر عند أهلي طمعًا في محاولته إرجاعي، ولكنه لم يحاول حتى. كنت دائمًا من تستسلم وتعود، سواء شوقًا إليه أو ضغطًا من والدي. لكن هذه المرة، سأحرص على عدم الرجوع أبدًا. خرجت من المكتب أخيرًا لأجد مالك يتحدث مع تلك السيدة مجددًا. الآن، بعد أن أمعنت النظر... أليست هذه عارضة الأزياء الشهيرة أثينا غيلبرت؟!!!"الفصل الثاني والثلاثون بعد المئتين"...ساد الصمت في المكتب. كانت نظرات آدم مركزة على ماريا، وكان يحاول أن يرى في عينيها أي علامة تدل على أنها خائفة أو مرتبكة. بقيت ماريا هادئة تماماً، وهو ما جعل عروق جبهته تبرز بشكل واضح من شدة استيائه.تدخلت السيدة الجميلة الجالسة بجانبه، وقالت بصوت ناعم فيه نبرة تعالي: "سيد آدم، أعتقد أن الآنسة ماريا لا تدرك أن انتقادك هذا هو لمصلحة العمل، أليس كذلك يا عزيزتي؟"لم تعرها ماريا أي اهتمام، ولم تلتفت نحوها حتى. ظلت عيناها مثبتتين على آدم، ثم مالت برأسها قليلاً وقالت بنبرة منخفضة ولكنها حادة: "أعرف الفرق جيداً بين النقد الذي يطور العمل، وبين الرغبة في فرض السيطرة عن طريق تدمير المجهود. تمزيق الورق لا يصلح الخطأ، هو فقط يضيع الوقت، وأنا وقتي ثمين جداً".فتح آدم عينيه قليلاً من الصدمة. لم يسبق لأحد في هذه الشركة أن أخبره بأن أسلوبه يضيع الوقت. نهض من مقعده ببطء، ودار حول المكتب حتى وقف أمامها مباشرة. كانت المسافة بينهما قصيرة جداً، وكان طوله يغطيها بظله، لكن ماريا ظلت واقفة في مكانها ولم تتراجع خطوة واحدة.همس آدم بصوت عميق وهو ينظر في عينيها: "الثقة الز
" الفصل الواحد و الثلاثون بعد المئتين".....أمسكت ماريا بالهاتف بهدوء، نظرت إلى الرقم الموجود في البطاقة واتصلت دون تردد. كانت ملامحها مسترخية، فهي الآن تدرك تماماً قيمة استقلاليتها ولا تشعر بأي ضغط.أجاب صوت أنثوي من الطرف الآخر: "شركة الشمري للأزياء، كيف يمكنني مساعدتكِ؟"ردت ماريا بنبرة عملية: "مرحباً، أنا ماريا. تواصلت معي الشركة سابقاً بخصوص عرض عمل، وأنا أتصل الآن لأؤكد اهتمامي بالانضمام إليكم."قالت الموظفة بنبرة بدت مرتبكة قليلاً من المفاجأة: "أهلاً بكِ آنسة ماريا، لقد كنا نأمل أن تعيدي النظر في العرض. هل يمكنكِ الحضور إلى مقر الشركة لإجراء مقابلة نهائية وتنسيق بعض الأمور؟"أجابت ماريا: "نعم، يمكنني ذلك.""حسناً، ننتظركِ بعد ثلاثة أيام من الآن في تمام الساعة العاشرة صباحاً. هل هذا الموعد يناسبكِ؟""يناسبني، سأكون هناك في الموعد."أغلقت ماريا الخط ووضعت الهاتف جانباً. قضت باقي اليوم في تصميم برنامج معين كي تستفيد منه عندما تقرر المغادرة.في صباح الغد، وصلت ماريا إلى مقر الشركة التميز ، ثم دخلت من البوابة الرئيسية وتوجهت مباشرة نحو المصاعد بعد أن حيت زملائها .وقفت ماريا تنتظر،
**الفصل الثلاثون بعد المئتين**كان مالك يجلس في مكتبه الواسع داخل الفيلّا، يمسك هاتفه وينظر إلى صورة ماريا. كان يشعر بضيق يتصاعد في صدره. فكرة أن ماريا تعيش في شقتها الخاصة، بعيداً عن نظره ومراقبته، كانت تستفزه. بالنسبة له، فارق الثمان سنوات بينهما يجعله المسؤول الأول عنها؛ كان يراها كطفلته التي يجب أن تكون تحت جناحيه، يوجهها، يوبخها، ويشكل شخصيتها لتصبح الزوجة المطيعة التي لا تغادر البيت ولا تخرج إلا بإذنه.اتصل بها، وظل يراقب الهاتف حتى أجابت."أين أنتِ الآن؟" سأل مالك بنبرة آمرة، دون أي مقدمات.أجابت ماريا بصوت هادئ وهي تضع ملابسها في الحقيبة داخل شقتها: "في منزلي، مالك. لماذا تتصل؟""منزلكِ؟" رد مالك بحدة، "لا تزالين تصرين على تسمية تلك الشقة بمنزلكِ. منزلكِ الحقيقي هو هنا، معي، حيث يمكنني التأكد من أنكِ بخير وبأنكِ تتصرفين بعقلانية. هل تعتقدين أنكِ نضجتِ كفاية لتديري حياتكِ وحدكِ؟"ابتسمت ماريا بسخرية وهي تغلق سحاب الحقيبة. "نعم، أعتقد ذلك. وفي الواقع، أنا أحزم حقائبي الآن لأنني سأسافر في رحلة عمل."ذكرت الأمر بعفوية، فرأيه لم يعد يهمها أبداً، ولا يستطيع فعل شيء لها.ساد صمت ثقيل
"الفصل التاسع و العشرون بعد المئتين"..... استند آدم بظهره إلى الكرسي الجلدي الفخم، وشبك أصابعه أمام وجهه في وضعية توحي بالسيطرة التامة. كان يراقب ماريا بعينين باردتين، وكأنه يدرس ردود أفعال جسدها قبل أن ينطق بكلمة. ساد صمت ثقيل في المكتب، لم يقطعه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط."إذًا.." بدأ آدم بصوت خفيض وناعم، "أخبريني يا ماريا.. ما الذي وجدتِه بالضبط في مكتب مالك؟"لم تتحرك ماريا من مكانها. بقيت واقفة بظهر مستقيم، ويديها متدليتين بجانبها في سكون تام. نظرت إلى عينيه مباشرة، ولم تسمح لأي تعبير بالظهور على وجهها. كانت تدرك أن أي ارتباك بسيط في نبرتها أو حركة غير محسوبة في عينيها ستكون بمثابة اعتراف بالهزيمة أمام رجل مثل آدم."لا شيء حقًا،" أجابت بنبرة مسطحة، خالية من أي انفعال.رفع آدم حاجبه الأيسر ببطء، ولم يبدُ عليه التفاجؤ أو الغضب. ظل يراقبها بصمت لثوانٍ، وهو يعلم أن هذه الإجابة ليست سوى قناع. ماريا من جهتها لم تشح بنظرها عنه؛ كانت تحلل نظراته، وتدرك أن هذا الرجل لا يطرح الأسئلة ليعرف المعلومة فحسب، بل ليرى مدى تمسكها بالسر."أنت تمتلك المعلومات، أليس كذلك؟" قالت ماريا
" الفصل الثامن و العشرون بعد المئتين".....تجاهلت ماريا نظرات مالك المصدومة، واستدارت لتمشي نحو مخرج القصر دون أن تنطق بكلمة أخرى. كانت خطواتها منتظمة وهادئة، بينما ظل هو واقفاً في مكانه يراقبها وهي تبتعد وتختفي عن أنظاره.نظرت الجدة إلى مالك، وضربت الأرض بعصاها بقوة ليلفت انتباهه، ثم قالت بنبرة حاسمة: "اسمعني جيداً يا مالك. إن لم تطلق ماريا وتتركها تعيش حياتها بعيداً عنك، فلا تحلم بأن تجلس على مقعد الرئيس مرة أخرى."شد مالك على قبضة يده، ونظر إلى الجدة بعينين تشتعلان غضباً، وقال بصوت منخفض وقوي: "لن أطلق زوجتي أبداً."خرج مالك من القصر بسرعة وهو يتنفس بصعوبة، واتجه نحو الساحة ليرى إن كانت ماريا لا تزال هناك، لكنه وجد أن السيارة قد غادرت والساحة خالية تماماً. ركب سيارته وانطلق بسرعة نحو فيلا أثينا.عند وصوله، كانت شارلوت في انتظاره. استقبلته بملامح يملؤها القلق، وقالت له بهدوء: "يا مالك، يجب أن تعترف أن زواجك من ماريا الحقيرة كان خطأً كبيراً. أثينا هي الوحيدة التي تحبك حقاً، وهي من تقدر قيمتك وتعرف كيف تحافظ عليك."لم ينطق مالك بكلمة واحدة، بل التفت نحو شارلوت ونظر إليها بحدة شديدة،
"الفصل السابع و العشرون بعد المئتين"......خرجت ماريا من الغرفة بخطوات واثقة، تاركة خلفها صمتاً ثقيلاً يطبق على المكان. وقف مالك في مكانه، متصلباً، وعيناه تلاحقان طيفها وهي تبتعد. كان مذهولاً، ليس فقط من جرأتها، بل من الكلمات التي ألقت بها في وجهه كالقنابل.تساءل في سره وهو يشعر بضياع غريب: متى تغيرت بهذا الشكل؟ لم يعد يفهم ما الذي حدث لها، أو ما الذي كسر شيئاً ما بداخلها لدرجة أنها لم تعد تخشاه. تحركت تفاحة آدم في حلقه بصعوبة وهو يراقب ظهرها البارد، ذلك الظهر الذي كان يوماً ما يلجأ إليه ليجد السكينة، والآن يبدو وكأنه جدار من الجليد يفصله عنها. شعر فجأة برعب خفي؛ أحس أنه إذا لم يوقفها الآن، إذا لم يجبرها على الاستدارة والابتسام له كما كانت تفعل، فلن يرى تلك الابتسامة طوال حياته.خطا نحوها بسرعة، اقترب منها حتى كاد يلمس طرف ثوبها، ونطق اسمها بصوت خافت، متهدج، متجاهلاً كل الإهانات التي وجهتها له، وكأن كل ما يهمه في تلك اللحظة هو استعادتها. ولكن، قبل أن تمتد يده لتلمس كتفها، اهتز الهاتف في جيبه.نظر إلى الشاشة، ثم نظر إليها، وتردد للحظة قبل أن يجيب. كان المتصل شارلوت، والدة أثينا."تعال







